عربي ودولي

اضطرابات واحتجاجات مناهضة تجتاح أوروبا.. وفرنسا على صفيح ساخن وسط تصاعد الغضب الشعبي

شهدت عطلة نهاية الأسبوع هجمات شنها مثيرو الشغب على مباني البلدية ومتاجر، وذلك في خضم احتجاجات اندلعت بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وتردي أوضاع المدارس في فرنسا.

ودعا الرئيس إيمانويل ماكرون، إلى الهدوء يوم الأحد الماضي، وذلك بعد يوم واحد شهدت فيه فرنسا واحدة من أسوأ موجات الاضطرابات منذ سنوات، حيث ألقي القبض على الآلاف وتعرضت المتاجر للنهب أو التخريب على خلفية احتجاجات اندلعت بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الخدمات العامة.

فرنسا: توقيف 1200 شخص وإصابة 150 شرطياً في الاحتجاجات

خلفية الأحداث

كشفت اضطرابات السبت الماضي، عن غضب عميق تجاه ماكرون الذي سيغادر منصبه في عام 2027 بعد عقد في السلطة اتسم بشكل متزايد بالاستياء الاجتماعي، وضعف الاقتصاد وتفاقم الديون.

أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية أن أكثر من نصف مليون شخص شاركوا في نحو 110 مسيرات في جميع أنحاء البلاد يوم السبت الماضي، في أكبر يوم احتجاجي منذ بدء المظاهرات قبل نحو شهر، ومن جانبها قدمت نقابة “الاتحاد العام للعمل” (C.G.T) تقديرا أعلى مشيرة إلى مشاركة 800 ألف متظاهر.

احتجاجات فرنسا تمتد إلى عواصم أوروبية | MEO

أعمال الشغب

جاءت أعمال العنف هذه نتيجة تلاقي عدة اتجاهات، والتي بدأت بحركة طلابية بدأت منذ أسابيع للمطالبة بتحسين أوضاع المدارس، وحركة وطنية ناشئة تحتج على ارتفاع تكاليف المعيشة، بالإضافة إلى عناصر استغلت المظاهرات كغطاء لأعمال النهب، ففي مدينة ليموج بوسط فرنسا تسبب هجوم متعمد بإضرام النار في تدمير مبنى البلدية بشكل شبه كامل، أما في مرسيليا ثاني أكبر مدينة فرنسية، فقد اقتحم ملثمون مبنى حكوميا وأسقطوا تمثالاً نصفياً لـ “ماريان” رمز الجمهورية الفرنسية.

وقد فاقمت هذه الاحتجاجات الشعور بوجود أزمة مالية واجتماعية في فرنسا، التي تعد ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، وتسعى الحكومة حاليا لتمرير ميزانية تقشفية لا تحظى بقبول شعبي، في وقت تواجه فيه غضبا عاما ساهم في تعزيز مكانة مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف، كمرشحة مفضلة للفوز بالرئاسة في الانتخابات المقررة الربيع المقبل.

ماذا يحدث فى فرنسا.. وما أسباب الاحتجاجات؟.. فيديو

لماذا يحتج الطلاب؟

اندلعت المظاهرات لأول مرة في سبتمبر الماضي، في مدرسة ثانوية بمدينة كريتاي جنوب شرق باريس، احتجاجا على نقص الكوادر التعليمية والإدارية.

حيث بدأ طلاب المدارس الثانوية احتجاجاتهم للتعبير عن استيائهم من أوضاع مدارسهم، وقد أشار الطلاب إلى تهالك البنية التحتية، واكتظاظ الفصول الدراسية وكثافة الجداول الدراسية، ونقص المعلمين والموظفين بالإضافة إلى نقص التمويل المخصص للمدارس.

ويطالب الكثيرون أيضا بإصلاح شامل لمنصات القبول الحكومية في مؤسسات التعليم العالي والجامعات، والتي يصفونها بأنها تعتمد معايير انتقائية غير عادلة، وقد قام الطلاب بإغلاق مئات المدارس، كما أقدموا على إضرام النار في 24 منها على الأقل أو إلحاق أضرار بها، وفقا لما ذكرته الحكومة، ومنذ شهر سبتمبر جرى اعتقال الآلاف، بينما أصيب أكثر من 1000 شخص، بمن فيهم عناصر من الشرطة وطلاب وموظفون في المدارس.

تفاقم غضب الطلاب بسبب رد فعل الشرطة العنيف، حيث يجري المدعون العامون وهيئة رقابية معنية بأداء الشرطة تحقيقات في 34 حالة على الأقل تتضمن اتهامات للشرطة بسوء السلوك أثناء الاحتجاجات.

وتسود في فرنسا مخاوف أوسع من أن نظام التعليم في البلاد بدأ يتراجع أمام أنظمة دول أخرى، وأنه أخفق في تحقيق هدفه المتمثل في تمكين الأطفال من الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية المتواضعة من الارتقاء في السلم الاجتماعي، فقد شهدت نتائج الطلاب في مجالي القراءة والرياضيات تراجعا حادا، وفقا لأحدث تقرير صادر عن برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA)، الذي يقيم أداء الطلاب حول العالم.

احتجاجات فرنسا... من يحرّك الشارع وما الذي يجمع الغاضبين؟ | النهار

لماذا انضمت مجموعات أخرى إلى الطلاب؟

على مدار شهر أكتوبر انضمت نقابات عمالية ومجموعات ناشطة أخرى بشكل متزايد إلى مظاهرات الطلاب، ونظمت تجمعات أكبر للتعبير عن تضامنها معهم، وكذلك للاحتجاج على قضايا أخرى أوسع نطاقا.

فقد أعرب البعض عن غضبهم إزاء تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار الوقود التي زادت جزئياً بسبب الحرب في إيران، كما انضم المزارعون إلى الاحتجاجات، معبرين عن استيائهم من ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي.

كما انضمت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي مرتبطة بحركة “السترات الصفراء” التي شهدتها فرنسا قبل نحو عقد من الزمن، حيث خرج المحتجون إلى الطرقات اعتراضا على ارتفاع أسعار الوقود وقضايا أخرى إلى الدعوات للخروج في مظاهرات.

واستغلت أحزاب يسارية هذه الاحتجاجات كجزء من حالة استياء أوسع تجاه الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي يقضي فترته الرئاسية الثانية والأخيرة، حيث يقترب الآن من نهاية ولايته.

تأتي تلك الاحتجاجات والاستياء من تاريخ طويل في فرنسا، إذ كادت الاحتجاجات التي قادها الطلاب عام 1968 أن تطيح بالحكومة، وساهمت في إحداث تحولات جوهرية في المجتمع الفرنسي.

لوكورنو بعد إعادة تعيينه رئيسًا للوزراء في فرنسا: حكومتي لن تخضع للحسابات الحزبية | يورونيوز

التداعيات السياسية للاحتجاجات واستغلال مرشحي الرئاسة للموقف

حمل قادة من اليمين المتطرف والحكومة الوسطية واليسار المتطرف مسؤولية الفوضى، مشيرين بشكل خاص إلى حزب “فرنسا الأبية” (France Unbowed) -وهو حزب رئيسي من أحزاب اليسار المتطرف، متهمين إياه بالتحريض على الاضطرابات.

واتهم رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو، قادة أحزاب ببث عدم الثقة تجاه الشرطة في أوساط الطلاب المحتجين، مشيراً إلى أن بعض مثيري الشغب ينتمون إلى أقصى اليسار.

وقد رفض حزب “فرنسا الأبية” هذا الاتهام، حيث حمل زعيمه جان لوك ميلنشون، الحكومةَ مسؤولية تصرفات قال إنها جعلت اندلاع الاضطرابات أمراً أكثر احتمالاً، وقال ميلنشون أن رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو هو المسؤول عن الفوضى، مرجعا ذلك إما إلى عدم الكفاءة أو إلى استراتيجية متعمدة تهدف إلى خلق تيار يرفع شعار النظام، وذلك لصرف الأنظار عن فشله في إدارة المالية العامة، ولم يصدر أي رد من ليكورنو على هذا الاتهام.

ماكرون يدعو للهدوء قبيل احتجاجات حاشدة في فرنسا | سكاي نيوز عربية

اخفاقات حكومة ماكرون

ذكر مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بقصر الإليزيه يوم الإثنين الماضي، أن وزير الداخلية لوران نونيز عرض استقالته على خلفية أعمال الشغب والنهب التي شهدتها عدة مدن كبرى خلال عطلة نهاية الأسبوع، إلا أن الرئيس ماكرون طلب منه البقاء في منصبه لتلبية احتياجات الشرطة في ظل هذا الوضع الطارئ.

وقد رفض ماكرون استقالة لوران نونيز نظرا للحاجة إلى استمرار قيادة أجهزة إنفاذ القانون في ظل الظروف الراهنة، كما وجه ماكرون تعليماته لنونيز باتخاذ كافة التدابير اللازمة لضمان الشفافية الكاملة بشأن الإخفاقات في التخطيط وجمع المعلومات الاستخباراتية التي أدت إلى اندلاع أعمال العنف، وطالب ماكرون أيضا بتبني تكتيكات شرطية ميدانية جديدة في أسرع وقت ممكن لوضع حد لأحداث العنف.

كما تعهد وزير الاقتصاد رولان ليسكور، يوم الأحد الماضي، بتقديم الدعم لأصحاب الأعمال الذين تكبدوا خسائر جراء هذه الأحداث، وقال ليسكور في بيان أن أولئك الذين يتسببون في التخريب سيدفعون الثمن، وسيتعين عليهم إصلاح الأضرار، وسيحاسبون على نيتهم ​​نشر الفوضى.

عشرات الآلاف يحتجون في إسبانيا على سياسات سانشيز للهجرة | سكاي نيوز عربية

الاحتجاجات عبر أوروبا

وعلى الجانب الآخر من جبال البرانس في إسبانيا، نزل نشطاء إلى الشوارع في سبتمبر الماضي، احتجاجا على أسعار السكن، وقد اندلعت هذه الاحتجاجات إثر طرد امرأة تبلغ من العمر 87 عاما من منزلها، بعد أن رفع صندوق استثماري قيمة إيجارها بنسبة 230%، وتوفيت ماريكارمن أباسكال بعد أسبوعين من دخولها المستشفى، ويطالب المحتجون بخفض الإيجارات، ووقف عمليات الإخلاء القسري، وحظر شراء الصناديق الاستثمارية للعقارات.

وفي البرتغال شهد يوم السبت الماضي مطالب مماثلة، حيث تجمع المئات في وسط العاصمة لشبونة، ووفقا للبيانات الرسمية ارتفعت أسعار السكن في البرتغال بنسبة 124% بين عامي 2015 و2024، وهي وتيرة تزيد بنحو الضعف عن متوسط ​​الارتفاع في الاتحاد الأوروبي.

وفي الوقت ذاته دخلت الاحتجاجات في ألبانيا ضد رئيس الوزراء “إيدي راما” يومها السادس يوم الأحد، حيث عبر المتظاهرون عن استيائهم من قضايا تتعلق بالفساد، ونقص فرص العمل، وتدني مستوى التعليم، كما استمرت الاحتجاجات منذ فصل الصيف، مدفوعة بمشروع تطوير ساحلي فاخر يحظى بدعم جاريد كوشنر صهر دونالد ترامب.

وفي بلجيكا أغلقت بعض المدارس في مدينة لييج، وذلك بعد يوم واحد من أعمال عنف شهدتها المدينة وأسفرت عن اعتقال عدد من الأشخاص.

وفي إيطاليا شهدت عدة مدن احتجاجات طلابية الأسبوع الماضي، وإن كانت على نطاق أضيق مما حدث في فرنسا، وتركزت حول مجموعة أوسع من القضايا والمظالم المحلية.

وفي يوم السبت اندلعت احتجاجات في ميلانو اشتبك خلالها مثيرو الشغب مع الشرطة، وقاموا بنهب المتاجر وإضرام النيران في الممتلكات؛ مما أدى إلى إخلاء ساحة “بيازا ديل دومو” ومجمع تجاري فاخر، في وقت كان من المفترض أن تعج فيه هذه المناطق بالمتسوقين.

بدأت المسيرة التي جاءت احتجاجا على الحروب وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل سلمي، لكن سرعان ما قام محتجون ملثمون بإلقاء الحجارة وقطع الرصف وأشياء أخرى على قوات مكافحة الشغب، كما أشعلوا النيران في حواجز أقاموها باستخدام طاولات المقاهي، وأظهرت صور التقطت بعد الأحداث سيارة تابعة لقوات الكارابينييري (الشرطة العسكرية الإيطالية) وقد لحقت بها أضرار جسيمة.

وذكرت وكالة “لا بريس” (LaPresse) للأنباء أن اثنين على الأقل من عناصر الشرطة أصيبا، بينما تم احتجاز نحو 50 متظاهراً، كان من بينهم عدد كبير من القاصرين.

زر الذهاب إلى الأعلى