المصري بالخارج مش مجرد مواطن بيعيش بعيد عن وطنه، ولا دوره يقتصر على تحويل الأموال لأسرته أو متابعة أخبار مصر من خلال وسائل الإعلام،فهناك كفاءات مصرية تعمل في مختلف دول العالم، واكتسبت خبرات وتجارب ممكن يكون لها دور مهم في مستقبل الدولة، لو وجدنا الطريقة المناسبة للاستفادة منها.
ومع حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي، عن إعداد قادة للمستقبل وتأهيل كوادر قادرة على تحمل المسؤولية، بالتزامن مع التطورات المتسارعة في منطقة الخليج، أعتقد أن هناك سؤالين مهمين لازم نفتح حولهما نقاش حقيقي: هل للمصريين بالخارج مكان في مشروع إعداد قيادات المستقبل؟، وما رأيهم في الدور المصري تجاه ما تشهده المنطقة من صراعات وتحديات؟.
فيما يتعلق بإعداد القيادات، فالموضوع لا يتوقف عند برامج التدريب أو اختيار مجموعة من الشباب لتأهيلهم للمناصب القيادية، لكنه يرتبط بفكرة أوسع، وهي كيف نستفيد من كل الكفاءات المصرية دون النظر إلى مكان عملها أو إقامتها؟.
هناك مصريون بالخارج يعملون في مجالات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والإدارة، وبعضهم شارك في تجارب ناجحة داخل مؤسسات دولية، هؤلاء يمتلكون خبرات يمكن الاستفادة منها في تطوير العمل الحكومي، وطرح حلول لمشكلات قائمة، والمشاركة في تدريب وتأهيل أجيال جديدة.
لكن السؤال هنا: هل لدينا آلية واضحة تتيح لهذه الكفاءات المشاركة؟، وهل يمكن أن تكون هناك قاعدة بيانات حقيقية للمصريين بالخارج، لا تقتصر على تسجيل الأسماء والتخصصات، وإنما تربط الخبرات باحتياجات الدولة الفعلية؟.
من وجهة نظري، فإن إعداد قادة المستقبل يجب ألا يكون مسارًا مغلقًا على فئة بعينها، بل فرصة متاحة لكل من يمتلك الكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية، وفق معايير واضحة تضمن تكافؤ الفرص، فالمناصب لا تحتاج إلى شهادات تدريب فقط، وإنما إلى خبرة ورؤية وقدرة على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه.
أما الملف الثاني، فهو ما يحدث في منطقة الخليج، وما يرتبط به من تساؤلات حول الدور المصري، خاصة في ظل إعلان الرئيس استعداد مصر لمساندة المملكة العربية السعودية إذا تطلب الأمر ذلك.
بالتأكيد، أمن الخليج يرتبط بالأمن القومي المصري، والعلاقات بين مصر ودول الخليج ليست علاقات مصالح اقتصادية فقط، بل تمتد إلى اعتبارات تاريخية واستراتيجية، فضلًا عن وجود ملايين المصريين الذين يعملون ويعيشون في هذه الدول.
لكن في الوقت نفسه، فإن أي تطورات عسكرية محتملة تفرض علينا التفكير في طبيعة الدور المصري وحدوده، وكيفية تحقيق التضامن العربي مع الحفاظ على المصالح المصرية وتجنب اتساع دائرة الصراع.
وهنا أعتقد أن الاستماع إلى المصريين المقيمين في الخليج أمر مهم، فهم يتابعون الأوضاع عن قرب، ويعرفون طبيعة المخاوف الموجودة على الأرض، ولديهم وجهات نظر قد تساعد في فهم تأثير هذه التطورات على حياة الناس والاستثمار وفرص العمل.
وبالطبع، لا يعني ذلك أن يكون للمصريين بالخارج دور في اتخاذ القرارات العسكرية، فهذه مسؤولية مؤسسات الدولة وفقًا للدستور والقانون، لكن من حقهم أن يشاركوا بآرائهم وأن يجدوا مساحة حقيقية للتعبير عن رؤيتهم لما يحدث.
فالتضامن العربي مهم، وحماية الأمن القومي المصري أولوية، لكن دراسة البدائل وتقدير المخاطر والتكاليف تظل أمورًا أساسية في أي قرار يتعلق بالحرب أو التدخل العسكري.
وأعتقد أن الوقت قد حان للتفكير في شكل جديد للعلاقة بين الدولة والمصريين بالخارج، علاقة لا تقوم فقط على تحويلاتهم المالية، وإنما على الاستفادة من خبراتهم ومقترحاتهم وقدرتهم على التواصل مع العالم.
يمكن أن نبدأ بمجلس استشاري يضم كفاءات مصرية من مختلف الدول والتخصصات، يقدم رؤى ومقترحات في الملفات الاقتصادية والاستراتيجية، إلى جانب فتح المجال أمام هذه الكفاءات للمشاركة في برامج إعداد القيادات، وإنشاء منصة جادة للحوار حول القضايا الوطنية المهمة.
المهم ألا تتحول هذه الأفكار إلى مجرد كيانات شكلية أو لقاءات تنتهي بانتهاء المناسبة، وإنما تكون هناك آلية واضحة لدراسة المقترحات ومتابعتها، وإعلان ما يمكن تنفيذه منها.
في النهاية، أنا أرى أن المصري بالخارج يجب أن يكون جزءًا من النقاش حول مستقبل بلده، سواء تعلق الأمر بإعداد القيادات الجديدة أو بموقف مصر من التطورات الإقليمية، ليس مطلوبًا منه أن يتفق مع كل قرار، ولا أن يعارض كل شيء، وإنما أن يكون لديه مساحة للتعبير عن رأيه وتقديم خبرته في إطار من المسؤولية والاحترام.
والسؤال الذي أعتقد أننا بحاجة إلى طرحه بوضوح: إذا كنا نتحدث عن إعداد قادة المستقبل، ونتعامل مع مرحلة إقليمية دقيقة، فلماذا لا يكون للمصريين بالخارج دور أكثر تنظيمًا وفاعلية في الحوار حول مستقبل مصر ومصالحها؟.
فمصر لديها من الكفاءات ما يمكن أن يساعدها على مواجهة تحدياتها، والمطلوب هو أن نفتح الأبواب أمام هذه الكفاءات، وأن نحول الانتماء للوطن من مجرد شعور إلى مشاركة حقيقية في بنائه.



