من يحكم إيران الآن؟ الستة الكبار وأصحاب القرار في “الجمهورية الثالثة”

إسراء أبو النصر

رغم اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في الـ28 من فبراير 2026، ومعه العديد من القيادات والشخصيات البارزة في النظام، خلال غارات عسكرية أمريكية إسرائيلية، ومع هذه الخسائر التي تكبدها النظام الإيراني، واصلت الحكومة أداء مهامها بفاعلية في الحرب الدائرة منذ 28 فبراير، وتتمتع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ببنية سلطة معقدة تعتمد على الإطار المؤسسي واسع النطاق بدلا من حصرها في يد أفراد قليلين.

ونجد أنه عقب اشتعال الحرب الأخيرة أصبح الحرس الثوري صاحب النفوذ الكبير في صناعة القرار السياسي الإيراني، نتيجة السلطات الواسعة التي تحصل عليها على امتداد السنوات الماضية، وينظر له الآن أنه صاحب السلطة الحقيقية في البلاد، ويعمل بالتوازي مع القوات المسلحة، وقد استعد الحرس الثوري لتغيير قياداته باستقلالية ما يسمح له باستبدال القادة المفقودين بكفاءة، ويمتلك الحرس الثوري خبرات تاريخية في الصراعات العسكرية السابقة التي خاضها كالحرب الإيرانية العراقية، ما سمح له بتعزيز قدراته العملياتية، كما أن الحرس يمتلك خيوط الأذرع الإيرانية في الخارج، وكذلك هو من يقود العميليات العسكرية حاليًا، وله صلاحيات تفوق الجيش الإيراني الرسمي.

ولم يمنع سيطرة الحرس الثوري على مقاليد الأمور في طهران من بروز أسماء في تسلسل السلطة تمتلك من أدوات في تسيير القرار في الجمهورية الثالثة عقب اغتيال المرشد الأعلى، إلا أن ذلك لا يُعني أنها محكومة بإطار شخصي، بل نجد أن النفوذ والقوة ممتدة بحكم المؤسسات ومن يقودها مثل رئيس البرلمان، أو مجلس الأمن القومي، أو الحرس الثوري بالإضافة لشخصية المرشد الأعلى، والذي يعد أعلى قيمة سياسية وروحانية بحكم طبيعية النظام الإيراني الدينية.

الستة الكبار
تسلل القيادة مهم في هيكل الجمهورية الإسلامية، ومع كم الاغتيالات التي عانت منها إيران منذ بداية العمليات العسكرية، والتي طالت المجالات السياسية والاستخبارات والأمن الداخلي والجيش، من شأنها أن تحدث تغييرات، لكن لقياس مدى التأثير الكامل لتلك الاغتيالات سيتسغرق معرفة تأثيره وقتًا قبل أن يظهر، ونجد أن الوضع الحالي يمكن استباط منه من هم أصحاب النفوذ في الجمهورية الإسلامية.

أحمد وحيدي.. النفوذ العسكري
قائد الحرس الثوري وهي الهئية العسكرية والأيديولجية للنظام الإيراني، البالغ من العمر 67 عامًا، وهو شخصية سياسية وعسكرية مخضرمة، وشغل العديد من المناصب المختلفة في المؤسسة الدفاعية الإيرانية، ويمارس وحيدي دور القائد الفعلي للبلاد بلا منازع، وتتجاوز سلطاته سلطة الحكومة المدنية، كما يسيطر على الاستراتيجيات العسكرية، ويقود الحكومة وعلى رأسها الرئيس مسعود بيزشيكان.

فُرضت عليه عقوبات من واشنطن في العام 2010 لصلته بالبرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية، ولايزال على القائمة الحمراء لدوره في تفجير مركز آميا في العام 1994، وتفجيرات ثكنات بيروت في العام 1983، وهجوم أبراج الخبر عام 1996، وهجوم السفارة الأمريكية في اليمن عام 2008 ، ووقع عليه الاتحاد الأوروبي عقوبات في عام 2022 لاستخدامه الذخيرة الحية في قمع المتظاهرين.

محمد باقر قاليباف
رئيس البرلمان الإيراني ورئيس بلدية طهران السابق والقائد الأسبق في الحرس الثوري والشرطة الوطنية البالغ من العمر 64 عامًا،  حيث اكتسب شهرة ونفوذًا ضخمًا منذ بداية العمليات العسكرية على إيران، ورأس وفد إيران في الجولة الأولى من المحادثات الإيرانية الأمريكية في إسلام آباد.

 ورغم أن “قاليباف” لم يكن له دورًا بارزًا قبل تفجر الحرب مع أمريكا، لكن الفراغ  بعد اغتيال غالبية القادرة أعطى له نفوذًا، خاصة أن لديه قدرة على التعامل مع الدبلوماسيين والعسكريين على حد سواء، بحكم نفوذه وعلاقته السابقة بالحرس، وبالإضافة لصلاحياته السياسية بحكم رئاسة البرلمان.

خليفة “لاريجاني”
يشغل محمد باقر ذو القدر حاليًا رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، خلفًا لعلي لاريجاني ، البالغ من العمر 72 عامًا، وهي الهيئة المسئولة عن تنسيق الشئون العسكرية والاستخباراتية والسياسة الخارجية لإيران، والتأثير في قرارات الحرب والأمن الداخلي والبرنامج النووي، ساهم “ذو القدر” في وضع أسس شبكة طهران الخارجية للوكلاء والتي تطورت لاحقًا لتصبح “فليق القدس”، كما شغل منصب نائب قائد الحرس الثوري من عام 1997 إلى 2005، وأشرف على العمليات الداخلية والخارجية.

كما شغل منصب نائب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة لشئون تنسيق قوات الباسيج، كما شغل مناصب عليا في السلطة القضائية.

رجل القضاء
يشغل غلام إيجئي البالغ من العمر 69 عامًامنصبرئيس القضاء الإيراني منذ العام 2021، وسبق أن شغل منصب رئيس وزارة الاستخبارات والنائب العام، وانضم بعد وفاة “خامنئي” إلى مجلس القيادة الانتقالية الثلاثي إلى جانب آية الله علي رضا أعرافي، عضو مجلس صيانة الدستور، والرئيس مسعود بيزشيكان إلى أن تم اختيار “مجتبى” خلفًا لوالده في منصب المرشد الأعلى.

وفُرضت على إيجئي عقوبات خلال فتره توليه منصب وزير الاستخبارات في العام 2009، من الولايات المتحدة وبريطانيا بتهمة قمع المتظاهرين، وشهدت إيران ارتفاع في عدد الإعدامات السنوية منذ توليه منصبه في العام 2021، كما أنه يشهد عمليات الإعدام العلنية للمتظاهرين المعتقلين خلال موجة يناير 2026.

خط الدفاع الأول
يعد أحمد رضا رادان، قائد قيادة إنفاذ القانون الداخلية، خط الدفاع الأول للنظام، حيث فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه عام 2010 لدوره كنائب لرئيس قيادة إنفاذ القانون الإيرانية، وكانت الاتهامات حول دوره في القمع العنيف لاحتجاجات عام 2009، سببًا في ملاحقته دوليًا، وعليها اتُخذ قرار ضده من قبل الاتحاد الأوروبي عام 2011، وأبقت عليه المملكة المتحدة عام 2020، ومع استمرار اتهامه بالقمع، فرضت كندا عام 2024 وأستراليا عام 2026 عقوبات مماثلة، مستندةً جميعها إلى مسئولية قيادته عن حملات القمع العنيفة والاعتقال التعسفي.

ويعد دوره في ترهيب الإيرانيين بالغ الأهمية، لا سيما في فترة الحرب، إذ أمر باعتقال أكثر من 21 ألف شخص خلال حرب الأيام الإثني عشر، وأعلن عن أكثر من 500 اعتقال إضافي منذ بدء العمليات العسكرية الحالية، كما هدد المتظاهرين استباقيًا، محذرًا من أن قواته على أهبة الاستعداد لإطلاق النار.

الرئيس المعتدل
لا يزال  مسعود بيزشكيان البالغ من العمر 71 عامًا، أعلى مسؤول منتخب في إيران، لكن هذا المنصب لا يحظى بثقل كبير، وهو من الشخصيات القليلة المتبقية التي تُعتبر معتدلة، خلال احتجاجات يناير، اكتسب “بيزشكيان” شهرة دولية واسعة بفضل تصريحاته للمتظاهرين، والتي اتسمت في البداية بنبرة تصالحية، قبل أن تبدأ حملة القمع التي أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الآلاف على يد قوات النظام، تضاءل نفوذ “بيزشكيان” بشكل حاد منذ بدء النزاع، حيث انتقلت السلطة إلى شخصيات أكثر تشددًا في المؤسسة الأمنية ممن فضلوا التصعيد على المصالحة.

المرشد الغائب
يتمتع المرشد الأعلى، وفقًا لأيديولوجية ولاية الفقيه، بسلطات كاملة على القرارات السياسية، وعلى المرشد أن يكون عالمًا دينيًا يعمل نيابة عن الإمام الثاني عشر للشيعة، ويتولى منصب المرشد الأعلى بعد اغتيال علي خامنئي ابنه مجتبى خامنئي، البالغ من العمر 56 عامًا، ويتمتع بنفس صلاحيات والده.

 ويعد تولي مجتبى أول توريث سياسي للسلطة في الجمهورية الإسلامية، وأصيب مجتبى في الغارات التي قتلت والده، ولم يظهر للعلن منذ توليه منصبه، ما أثار تساؤلات بشأن قدرته على القيادة، ويمتلك مجتبى علاقات وثيقة مع الحرس الثوري، كما أنه يعد أكثر تشددًا من والده.

ولا يزال وضع مجتبى غامضًا، لكن هذا لا يهم أيضًا، فالجماعة العسكرية التي تدير الأمور لا تحتاج إلى رأيه لتكوين توافق في الآراء، فالحرس الثوري هو من أوصل مجتبى خامنئي إلى السلطة، بفضل علاقة طويلة بدأت عندما كان يخدم في الحرب الإيرانية العراقية.

ومن هنا نجد أن التغيير الوحيد الذي طرأ على النظام في طهران عقب هجمات 28 فبراير، هو ترسيخ إضافي للسلطة في أيدي جنرالات الحرس الثوري الإسلامي المتشددين، وليس القادة الأكثر اعتدالا الذين يدعي ترامب تمكينهم، فنحن أمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية الثالثة، وهي نسخة جديدة تختلف عن نظام آية الله الخميني الذي أعقب الثورة عام 1979، ونظام علي خامنئي، الذي كثّف من إجراءات الأمن في النظام، ومنح المزيد من السلطة للحرس الثوري الإيراني، ومنذ اغتياله، ترسخت عملية صنع القرار في إيران في مركز عسكري أمني متماسك نسبيًا.

وتكمن المشكلة في أن لا أحد في إيران سيقبل مطالب الولايات المتحدة، فقطع رأس النظام لن يغيره،وقد تفضي دروس الحرب الحالية إلى إجماع أكثر صرامة داخل النظام، الذي تعرض لهجومين أثناء مفاوضات برنامجه النووي، بشأن الحصول على سلاح نووي أكثر مما مضي.