
أظهرت محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العديد من التكهنات والافتراضات حول المشهد السياسي ونظريات المؤامرة وتاريخ الاغتيالات السياسية.
وفق محللون لمشهد “إطلاق النار في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض” مابين كونه حقيقي أو مسرحية، فقد علق البعض على ثبات الملامح وكأن البعض على علم بما سوف يحدث، وأيضا ثبات المصور لالتقاط صور وفيديوهات واضحة للمشهد دون حراكه أو إنقاذ نفسه.
نظريات الاغتيال
في قلب المشهد السياسي الأمريكي، لا تظهر نظريات الاغتيال فجأة، بل تُبنى تدريجيًا على أرضية من وقائع حقيقية، قد تكون نتاج لمشاهد حقيقية أو يتم نسجها عبر أجهزة أمنية، أو يعاد صياغتها واستخدامها وفق متطلبات المشهد السياسي، تلك السرديات التي يتم تضخيمها أو إعادة تفسيرها لتخدم روايات موازية، سرديات لا تتحرك فقط بدافع الفضول الشعبي، بل يتم تحريكها عمدًا إما لأنها أدوات للتأثير السياسي، أو لخدمة وإعادة توجيه الرأي العام بعيدًا عن القضايا الحساسة.
الأحداث والاستقطاب
البداية غالبًا ما تكون حدثًا حقيقيًا أو أزمة غامضة، تاريخيًا، شكّل اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي عام 1963 نموذجًا لقائمة الاغتيالات الكلاسيكية، حيث أدت الثغرات المعلوماتية والتناقضات في الشهادات إلى إنتاج مئات النظريات التي استمرت لعقود حتى الآن، رغم تحقيقات لجنة آليات صناعة السردية.
يظهر الاستقطاب السياسي الحاد بيئة مثالية لازدهار لهذه السرديات، فقد كان الرئيس الأسبق باراك أوباما هدفًا لنظريات تشكك في مكان ميلاده وهويته، وهي السرديات التي ساهم في ترويجها لاحقًا دونالد ترامب قبل وصوله إلى السلطة.
ترامب ونظريات المؤامرة
وعقب توليه الرئاسة، اتُهم ترامب نفسه بتعزيز مناخ نظريات المؤامرة، سواء عبر التشكيك في نتائج الانتخابات أو الترويج لروايات غير مثبتة حول خصومه. في هذا السياق، برزت حركة “كيو أنون” التي قدمت سردية واسعة حول “مؤامرة داخل الدولة”، واضعة ترامب في موقع “المنقذ”.
لم تعد هذه السرديات مجرد نقاشات نظرية، بل امتدت إلى وقائع ميدانية، أبرزها أحداث اقتحام مبنى الكابيتول 2021، التي جسدت كيف يمكن لتحويل الروايات غير المثبتة إلى قناعات راسخة أن يؤثر مباشرة على الاستقرار السياسي، والتي يٌعيد مشهدها اليوم محاولة الاغتيال الفاشلة لترامب.
الحدث الصادم غير المكتمل
الجدير بالذكر، أن أي واقعة تحمل غموضًا سواء اغتيال أو محاولة اغتيال أو حتى تسريب سياسي تخلق فراغًا معلوماتيًا بعدها، ويتحول سريعًا إلى مساحة خصبة لإعادة السرد والتأويل.
يشير عماد أحمد، الباحث السياسي والباحث في الشؤون الدولية، أن اقتطاع أجزاء من الحقيقة أو إعادة تقديمها ضمن سياق مختلف، يعد تصريحًا مبتورًا قد يتم تقديمه إلى دليل يدعم رواية أكبر مثل مايقال في مفهوم “إعادة التأطير الإعلامي”
تجميع الخيوط تحت مظلة “الدولة العميقة”
وفق مايشير عماد، يُستخدم مفهوم تجميع الخيوط تحت مظلة الدولة العميقة يُعد في إطار الأداة التي توم بالتفسير الشامل، إذ تربط بين مؤسسات وأفراد دون أدلة مباشرة، ما يمنح النظرية تماسكًا ظاهريًا، وفق ما يتوارد في نظريات المؤامرة لتنفيذ سياسة معينة أو توجيه الرأي العام لإتجاه مٌحدد.
التضخيم الرقمي
يترابط مع ذلك، صعود المنصات الرقمية، إذ أصبحت الخوارزميات تميل إلى تعزيز المحتوى المثير للجدل، حيث تشير دراسات صادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن الأخبار الكاذبة تنتشر بوتيرة أسرع من الأخبار الدقيقة، خصوصًا في القضايا السياسية، يما فيه إعادة التدوير التاريخي للأحداث حيث أن النظريات لاتخفتي بل تُعاد مرة أخرى بشكل مختلف و يعاد إنتاجها مع كل أزمة، في إشارة إلى البنية السردية التي ظهرت في ستينيات القرن الماضي، إذ تعود اليوم بصياغات جديدة.
السياق النفسي والسياسي
في نفس السياق، تشير أبحاث في علم النفس السياسي أن نظريات المؤامرة تمنح الأفراد شعورًا بالسيطرة على واقع معقد، حتى لو كانت التفسيرات غير دقيقة. لكنها سياسيًا تؤدي وظائف أكثر تعقيدًا، منها تشتيت الانتباه عن أزمات اقتصادية أو عسكرية، وتعبئة الجماهير عبر خلق “عدو خفي”، وإعادة تشكيل السرد الإعلامي لخدمة أجندات محددة.
بين الحقيقة والاستغلال
يُشير بحث منشور على موقع مسيتيك، للخبير الأمريكي جان روك، أن الخط الفاصل بين الوقائع والنظريات ليس دائمًا واضحًا، في بعض الأحيان، تبدأ القصة بحدث حقيقي لم تُستكمل تحقيقاته، ما يفتح الباب أمام التأويل، لكن الخطر يكمن في الانتقال من التساؤل المشروع إلى بناء سرديات كاملة على فرضيات غير موثقة، كما تشير تقارير من جامعة هارفارد إلى أن غياب الشفافية أو تأخر المعلومات الرسمية يعزز من انتشار هذه النظريات، حيث يملأ الفراغ محتوى غير دقيق.
يضيف البحث، أن نظريات الاغتيال في السياسة الأمريكية ليست مجرد قصص هامشية، بل جزء من صراع أوسع على “من يملك الرواية”، فبينما تظل الوقائع محكومة بما تكشفه التحقيقات، تستمر السرديات الموازية في التوسع، مدفوعة بالغموض، والاستقطاب، وسرعة انتشار المعلومات، إذ لا يكون السؤال فقط: “هل حدث اغتيال؟” بل الأهم: “كيف ولماذا يتم توظيف فكرة الاغتيال في تشكيل وعي الجمهور وإدارة الصراع السياسي؟”.





