118 ألف حالة سنويًا و40% من الزيجات.. زواج القاصرات في مصر ينتظر تشريع حاسم

في قرى بعيدة عن عيون القانون، وعلى هامش الأوراق الرسمية، تبدأ حكايات زواج لا تُسجل في الدفاتر، لكنها تترك آثارًا عميقة في المجتمع. فبين نصوص دستورية واضحة تحظر زواج من هم دون 18 عامًا، وواقع ميداني يلتف على القانون بعقود عرفية، تتسع فجوة خطيرة تجعل من زواج القاصرات واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في مصر، حيث تختلط الأبعاد الاجتماعية بالاقتصادية والقانونية في مشهد يستدعي تدخلًا عاجلًا.

أرقام صادمة تكشف حجم الظاهرة

تكشف بيانات رسمية أن زواج القاصرات لم يعد مجرد حالات فردية، بل ظاهرة واسعة النطاق؛ إذ تشير تقديرات إلى تسجيل نحو 118 ألف حالة زواج سنويًا، تمثل ما يقرب من 40% من إجمالي الزيجات، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بينما تظهر الأرقام وجود أكثر من 117 ألف طفلة بين 10 و17 عامًا متزوجة أو سبق لها الزواج.

وتزداد خطورة الظاهرة مع تسجيل حالات زواج لأطفال دون سن 15 عامًا، بلغت نحو 5999 حالة خلال عام واحد، بينها 4458 حالة للفتيات، في مؤشر واضح على أن القانون الحالي لا ينجح في كبح هذه الممارسات.

كما تكشف البيانات أن أكثر من 80% من حالات زواج القاصرات تتركز في الريف، ما يعكس ارتباط الظاهرة بعوامل الفقر، وانخفاض الوعي، والتسرب من التعليم.

فجوة بين القانون والتطبيق

رغم وضوح النصوص القانونية، فإن الواقع يكشف عن ثغرات كبيرة. فالدستور المصري ينص في مادته 80 على أن الطفل هو كل من لم يبلغ 18 عامًا، كما يحظر قانون الأحوال المدنية توثيق الزواج لمن هم دون هذا السن، وهو ما أيدته المحكمة الدستورية العليا عام 2017.

لكن المشكلة لا تكمن في غياب التشريع، بل في التحايل عليه، حيث يتم اللجوء إلى الزواج العرفي أو تأجيل التوثيق الرسمي، وهو ما أكدت عليه الدكتورة سحر السنباطي، رئيس المجلس القومي للأمومة والطفولة في تصريحات سابقة لها، مشيرة إلى أن الظاهرة تستمر عبر “عقود غير موثقة” تخلق واقعًا موازيًا خارج الإطار القانوني.

كشفت الدكتورة سحر السنباطي، رئيس المجلس القومي للأمومة والطفولة، عن ارتفاع معدلات زواج القاصرات في مصر، موضحة أن 5.7% من الفتيات تزوجن في سن 15 عاماً، فيما يتركز أكثر من 80% من هذه الحالات في الريف، مع وجود 117 ألف طفلة بين سن 10 و17 عاماً متزوجة أو سبق لها الزواج.

وأوضحت «السنباطي» خلال اجتماع سابق بلجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب أن ظاهرة زواج الأطفال تتم عبر عقود غير موثقة، ما يشكل فجوة بين سن القانون وتطبيقه، لافتة إلى أن مسح الأسرة أظهر أن فتاتين من كل 100 فتاة سبق لهن الزواج، مما يؤكد أن الظاهرة ليست هامشية بل مركزة في مناطق محددة.

أضافت أن 79% من المصريين يرون أن الفتاة المتزوجة في سن صغيرة تتعرض لمشكلات، ما يعكس تضارباً في الآراء والثقافات حول القضية ويبرز الحاجة إلى إصدار قانون صارم لمواجهة هذه الظاهرة.

وأشارت السنباطي إلى أن الهدف الأساسي لمواجهة زواج الأطفال هو معالجة أسباب الظاهرة، وعلى رأسها التسرب من التعليم، مؤكدة أن الزواج المبكر يرتبط بترك التعليم ويؤدي إلى مضاعفات اجتماعية واقتصادية وصحية، كما يشكل انتهاكاً لحقوق الطفل ويزيد من معدلات الإنجاب.

وأكدت رئيس المجلس القومي للأمومة والطفولة، أن بعض المأذونين يصدرون تصادقات زواج غير موثقة، مما يؤدي إلى ضياع حقوق الزوجات والأطفال وخلق مشكلات قانونية ومالية واجتماعية بسبب عدم تسجيل الزواج رسمياً.

مشروعان في البرلمان

النائب أحمد بلال البرلسي

خلال الأيام القليلة الماضية تقدم النائبات أحمد بلال وأميرة العادلي كل منها بمشروع مستقل لتجريم زواج القاصرات، حيث سعى بلال في مشروعه إلى سد ثغرات التحايل على التشريعات القائمة، إذ ينطلق من أن المشكلة الرئيسية ليست في غياب النص القانوني، بل في الالتفاف عليه عبر الزواج العرفي أو التوثيق غير الرسمي.

لذلك، يركز المشروع على تجريم أي شكل من أشكال توثيق زواج القاصرات، سواء تم في مكاتب محاماة أو بعقود عرفية، مع فرض عقوبات تتراوح بين الحبس لمدة لا تقل عن سنة وغرامة من 20 إلى 100 ألف جنيه، مع تشديد العقوبة في حالات الإكراه أو الاستغلال.

أما فيما يتعلق بالعقوبات نص مشروع بلال على، تجريم أي شكل من أشكال توثيق الزواج، سواء رسمي أو عرفي معاقبة من يشارك في إتمام الزواج بعقوبات تصل إلى الحبس لمدة لا تقل عن سنة، غرامة من 20 ألف إلى 100 ألف جنيه، تشديد العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة في حال استخدام الإكراه أو الإغراء.

أما مشروع النائبة أميرة العادلي فنص على قوبات تصل إلى الحبس من 3 إلى 7 سنوات، وغرامة من 100 إلى 200 ألف جنيه، مع اعتبار جميع المشاركين في الزواج شركاء في الجريمة.

تحد تنموي وانتهاك للحقوق

كشفت دراسة صادرة عن المجلس القومي للسكان عام 2020 بعنوان “زواج الأطفال (المبكر – القاصرات).. قضية قانون أم وعي مجتمعي؟” أن الزواج المبكر يُعد من أبرز التحديات التي تواجه الدولة، لما يمثله من عائق أمام جهود التنمية، فضلًا عن كونه انتهاكًا واضحًا للحقوق الإنسانية الأساسية. ولا تقتصر تداعيات هذه الظاهرة على معدلات الإنجاب والنمو السكاني فقط، بل تمتد لتؤثر على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمرأة، بما يكرّس استمرار تدني مكانتها ويسهم في ارتفاع معدلات الخصوبة.

وفقًا لبيانات تعداد مصر لعام 2017، تشير التقديرات إلى أن فتاة واحدة تقريبًا من بين كل 20 فتاة في الفئة العمرية من 15 إلى 17 عامًا سبق لها الزواج، بينما ترتفع النسبة إلى فتاة من بين كل 10 في الفئة العمرية من 15 إلى 19 عامًا، مع وجود تفاوت واضح بين المناطق الريفية والحضرية، حيث تزداد الظاهرة انتشارًا في الريف.

وتُقدّر نسبة الزواج المبكر في المجتمع المصري بنحو 15% من إجمالي حالات الزواج، وهو ما يمثل تحديًا إضافيًا أمام جهود الحد من النمو السكاني.

البعد الدولي وخطورة التفاقم

تتسق هذه الأرقام مع التحذيرات الدولية، إذ يسعى المجتمع الدولي، ضمن أهداف التنمية المستدامة، إلى القضاء على جميع الممارسات الضارة، وفي مقدمتها الزواج المبكر والزواج القسري. وفي هذا السياق، حذر صندوق الأمم المتحدة للسكان من تفاقم الظاهرة عالميًا، متوقعًا أن يتجاوز عدد حالات الزواج المبكر 15 مليون فتاة بحلول عام 2030.

تحركات رسمية وتشريعية

وفي إطار مواجهة هذه الظاهرة، وجّه رئيس الجمهورية خلال احتفالية المرأة المصرية والأم المثالية في مارس 2021 بسرعة إصدار قانون مستقل يجرّم الزواج المبكر، ويحدد بوضوح السن القانونية للزواج عند 18 عامًا، بما يضمن حماية حقوق الفتيات وتعزيز مكانة المرأة في المجتمع.

ويُعرّف الزواج المبكر بأنه أي زواج يتم قبل بلوغ 18 عامًا، وهو التعريف المعتمد دوليًا وفقًا لاتفاقية حقوق الطفل. ورغم تشديد العقوبات في التشريعات المصرية، والتي تصل إلى السجن لمدة 7 سنوات وغرامات مالية، لا تزال هناك محاولات للتحايل على القانون بسبب ضعف التطبيق.

مخاطر صحية تهدد الفتيات

تشير الدراسات إلى أن الفتيات اللاتي يتزوجن قبل سن 18 عامًا أكثر عرضة للعديد من المشكلات الصحية، من بينها: “ارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل، زيادة احتمالات الإصابة بتسمم الحمل، الولادة المبكرة، ارتفاع معدلات التقزم، ونقص فيتامين (د) والحديد وحمض الفوليك

كما أظهرت الدراسات أن أكثر من 80% من الزوجات المراهقات لا يحصلن على خدمات الصحة الإنجابية، مثل تنظيم الأسرة أو متابعة الحمل، ما يعرضهن للحمل غير المخطط له وتكرار الإنجاب خلال فترات زمنية قصيرة، وهو ما يؤدي إلى زيادة عدد الأطفال داخل الأسرة بشكل سريع.

ضعف الوعي بمخاطر الظاهرة

وأوضحت دراسة حديثة أجراها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بالتعاون مع المجلس القومي للسكان أن الوعي بمخاطر الزواج المبكر لا يزال محدودًا؛ إذ أشار نحو 4.61% من النساء في الحضر و4.63% في الريف إلى تأثير الزواج قبل 18 عامًا على صحة الأم والطفل. وترتفع هذه النسب نسبيًا في بعض المحافظات، حيث بلغت 2.59% في الحضر و6.68% في الريف بالمناطق الأقل انخفاضًا في معدلات الإنجاب.

وتؤكد هذه المؤشرات أن الظاهرة لا ترتبط فقط بغياب القانون، بل تمتد إلى نقص الوعي المجتمعي، ما يجعل مواجهتها تتطلب تكاملًا بين التشريع والتثقيف والتدخلات الاجتماعية.