
في ظل الجدل المتصاعد حول تعديلات قانون الأحوال الشخصية في مصر، خاصة ما يتعلق بمقترح تخفيض سن الحضانة إلى 7 سنوات للولد و9 سنوات للبنت، تتزايد الحاجة إلى مناقشة هذه القضية من منظور يتجاوز الأطر القانونية، ليشمل البعد النفسي للأطفال، بهدف الوصول إلى ما يحقق المصلحة الفضلى للطفل بعيدًا عن صراعات الأبوين.
قبل الوقوف على ما يقوله الطب النفسي بشأن هذه القضية، يفرض الواقع القانوني نفسه، خاصة مع تباين التشريعات المنظمة للحضانة من دولة لأخرى، وهو ما يطرح تساؤلًا مهمًا حول كيفية تعامل القوانين العربية مع سن الحضانة وتوقيت تخيير الطفل، ومدى ارتباط ذلك بمبدأ المصلحة الفضلى للمحضون، وذلك في مقارنة مقارنة تشريعية عن كيفية كيف بعض الدول العربية سن الحضانة.
مصر
ينص القانون الحالي، وفقًا للمادة (20) من قانون الأحوال الشخصية، على انتهاء حق حضانة النساء ببلوغ الطفل (ذكرًا أو أنثى) سن 15 عامًا، مع منح القاضي سلطة تخيير الطفل بعد هذا السن بين البقاء مع الحاضنة دون أجر حضانة، وذلك حتى بلوغ سن الرشد، أو حتى تتزوج الفتاة.
السعودية
بموجب نظام الأحوال الشخصية الجديد، تستمر حضانة الأطفال للأم (للذكر والأنثى) حتى سن 15 عامًا، ثم يُخيّر الطفل بين الوالدين، وتنتهي الحضانة نظامًا عند 18 عامًا، مع إمكانية استمرارها في حالات خاصة كعدم قدرة المحضون على رعاية نفسه.
المغرب
تنص مدونة الأسرة على استمرار الحضانة حتى بلوغ سن الرشد القانوني (18 عامًا) لكلا الجنسين، مع منح الطفل حق اختيار الحاضن عند بلوغه 15 عامًا، مع مراعاة مصلحة المحضون في جميع الأحوال.
تونس
تستمر الحضانة حتى بلوغ الطفل 18 عامًا، مع إمكانية تخييره بين الوالدين عند سن 15 عامًا، وتُسند الحضانة وفقًا لمبدأ مصلحة المحضون الفضلى.
الإمارات
تُمنح الحضانة للأم في المقام الأول، وتستمر حتى سن 11 عامًا للولد و13 عامًا للبنت، مع إمكانية تمديدها إذا اقتضت مصلحة الطفل ذلك.
البحرين
يحدد قانون الأسرة رقم (19) لسنة 2017 سن الحضانة عادة عند 15 عامًا للذكر، وللأنثى حتى الزواج، مع حق التخيير، مع التأكيد على أولوية مصلحة المحضون.
الكويت
تستمر حضانة الأم حتى سن 15 عامًا للولد والبنت، ثم يُخيّر الطفل بين الأبوين، مع مراعاة مصلحة المحضون التي تفصل فيها المحكمة.
وتعكس هذه المقارنات اتجاهًا واضحًا في أغلب التشريعات العربية نحو إطالة سن الحضانة وتأجيل تخيير الطفل لمرحلة أكثر نضجًا، وهو ما يتناقض مع دعوات خفض السن في مصر، ويفتح الباب للتساؤل حول مدى مراعاة هذه المطالب للاعتبارات النفسية ومصلحة الطفل الفضلى.
وفي هذا السياق، نحاول طرح الملف من زاوية الطب النفسي، تمهيدًا للوقوف على ما يقوله الطب النفسي بشأن مدى ملاءمة هذه المقترحات وتأثيرها على الصحة النفسية للأطفال، وذلك من خلال التساؤل حول ما إذا كان تحديد هذا السن مناسبًا نفسيًا لنقل الحضانة، وهل يمتلك الطفل في هذه المرحلة العمرية القدرة على الاختيار بين الأب والأم أم أن نضجه الإدراكي والعاطفي لا يزال غير مكتمل لاتخاذ قرار بهذا الحجم، فضلًا عن بحث التأثيرات النفسية المحتملة لفصل الطفل عن الحاضن الأساسي أو وضعه في موقف المفاضلة بين والديه في سن مبكرة، خاصة فيما يتعلق بالأمان العاطفي والاستقرار النفسي، وصولًا إلى التساؤل عن السن الأنسب لنقل الحضانة من منظور نفسي، وما إذا كان من الأفضل بقاء الطفل مع الحاضن الأكثر ارتباطًا به أم نقل الحضانة لتحقيق توازن بين الأبوين، وأي الآليات يمكن أن تضمن هذا التوازن دون الإضرار بالطفل.
ماذا يقول الطب النفسي؟

وفقاً لنظرية سيجموند فرويد في التحليل النفسي، علاقة الطفل بأمه في سن صغيرة علاقة متعمقة، حيث لا تُعد الأم مجرد مقدمة للرعاية الجسدية، بل هي المحور الأساسي في التكوين النفسي للطفل، ويمكن تلخيص ذلك في النقاط التالية فهي أول موضوع حب، وهي أول شخص يوجه إليه الطفل مشاعره وعواطفه، وتصبح نموذجاً لكل علاقات الحب المستقبلية، كما أنها المصدر الأساسي للتكوين النفسي فحب الأم والأمان الذي توفره يمثلان حجر الزاوية في بناء الثقة بالنفس والنمو النفسي السليم، وهي أيضا علاقة شديدة التعلق حيث يميل الطفل للاستئثار بالأم، وهو ما يفسره فرويد في “عقدة أوديب” للذكور أو عقدة إليكترا للإناث، حيث يسعى الطفل للتخلص من أي منافس بما في ذلك الأب في أحيان معينة لينفرد بحب أمه، كم أنها مصدر الغذاء والأمان فهي المصدر الرئيسي للاحساس بالأمان والرضا في مراحل الرضاعة الأولى.
خفض سن الحضانة تحت مجهر الطب النفسي

أكد أخصائي طب النفسي الدكتور أحمد النجار، أنه من واقع خبرات طب نفس الأطفال، فإن تقليل سن الحضانة إلى 7 و9 سنوات لا يتوافق مع ما هو معروف عن مراحل نمو الطفل، ففي هذه السن يكون الطفل في مرحلة شديدة الأهمية لبناء ثقته بنفسه، وهي المرحلة التي وصفها عالم النفس الألماني إريك إريكسون بأنها مرحلة الجدارة مقابل الشعور بالنقص، وخلال هذه المرحلة، يُعد الاستقرار داخل المنزل والمدرسة إلى جانب انتظام الروتين اليومي، العامل الأساسي الذي يمنح الطفل شعورًا بالقدرة والنجاح. ومن ثم، فإن أي تغيير كبير ومفاجئ مثل نقل الحضانة قد يؤدي إلى اهتزاز هذا الإحساس، ويظهر ذلك في صورة تراجع دراسي أو توتر نفسي أو مشكلات سلوكية.
أهمية التعلّق كمصدر للأمان
وأضاف النجار أن نظريات التعلّق، التي أسسها عالم النفس جون بولبي، توضح أن الطفل يحتاج إلى علاقة مستقرة مع الشخص الذي يتولى رعايته بشكل يومي، والذي يمثل بالنسبة له مصدر الأمان، وبالتالي فإن الفصل المفاجئ عن هذا الشخص لا يؤدي بالضرورة إلى اضطراب مرضي، لكنه غالبًا ما يسبب حالة واضحة من القلق وانعدام الشعور بالأمان، وهو ما ينعكس على سلوك الطفل وتوازنه النفسي.
إشكالية تخيير الطفل مبكرًا

وفيما يتعلق بمسألة تخيير الطفل في هذه المرحلة العمرية، أشار إلى أنها غير مناسبة من الناحية النفسية، فبحسب نظرية جان بياجيه، يستطيع الطفل في هذه السن فهم ما يدور حوله، لكنه لا يكون قادرًا بعد على تقدير العواقب طويلة المدى للقرارات المصيرية. كما أنه قد يتعرض لما يُعرف بـ”صراع الولاء”، حيث يشعر أن اختياره لأحد الوالدين يعني خسارة الآخر، وهو ما يمثل ضغطًا نفسيًا كبيرًا عليه.
الاستقرار أهم من نقل الحضانة
وأوضح أن الدراسات الحديثة في طب الأطفال وعلم النفس تتفق على أن العامل الأهم لضمان السلامة النفسية للطفل بعد الانفصال هو تحقيق الاستقرار وتقليل حدة الصراع بين الأبوين، وليس مجرد نقل الحضانة من طرف إلى آخر، ولهذا، تتجه معظم الرؤى الدولية إلى ضرورة الاستماع إلى رأي الطفل دون تحميله مسؤولية اتخاذ قرار كهذا، مع التأكيد على أن أي تغيير جذري قبل مرحلة المراهقة يجب أن يتم دراسته بشكل فردي لكل حالة.
التوازن بين الأبوين دون الإضرار بالطفل

واختتم حديثه بالتأكيد على أن الطفل في هذه المرحلة العمرية يحتاج إلى الاستقرار والشعور بالأمان أكثر من أي شيء آخر، وأن تحقيق التوازن بين الأب والأم يظل أمرًا مهمًا، لكنه يتحقق من خلال تنظيم العلاقة بينهما وتحديد دور كل طرف في حياة الطفل، وليس عبر نقله بشكل مفاجئ من بيئة إلى أخرى.
الحضانة بين النص القانوني ومعايير الأهلية النفسية

أكدت أخصائي علم النفس الإكلينيكي وتعديل السلوك الدكتورة بسمة محمود، أن النظريات النفسية تتفق على الأهمية البالغة لدور الأم في المراحل الأولى من حياة الطفل، لما لذلك من تأثير مباشر في الحفاظ على النمو النفسي السليم، موضحة أنه رغم هذا الاتفاق، فإن تلك النظريات تختلف في تفسيرها لمراحل النمو النفسي، حيث استندت بعض المدارس إلى زوايا مختلفة؛ فعلى سبيل المثال اعتمد فرويد على مفهوم النمو النفسي الجنسي، بينما ركز چان بياچيه على الجوانب المعرفية في تفسير تطور الطفل.
وأضافت أنها لا تختلف مع هذه النظريات، بل تحرص على الاستفادة من مختلف توجهاتها العلمية، بما يضمن الأخذ في الاعتبار جميع جوانب النمو النفسي للوصول إلى أفضل أساليب التنشئة السليمة.
أهلية الحاضن

وطرحت بسمة محمود تساؤلًا جوهريًا حول واقع تطبيق قوانين الحضانة، قائلة: ماذا لو كانت الأم غير مؤهلة نفسيًا لحضانة الطفل في المراحل الأولى من النمو، رغم أن القانون يمنحها هذا الحق؟ وعلى الجانب الآخر، ماذا لو كان الأب الذي ستنتقل إليه الحضانة غير مؤهل نفسيًا؟ وكيف يُترك الفصل في مثل هذه القضايا الحساسة للقانون وحده؟
وشددت على أن الأصل في تكوين الأسرة، وفقًا للفطرة، هو وجود الأب والأم والأبناء، بحيث يؤدي كل طرف دوره وفق ما تفرضه الطبيعة البيولوجية والنفسية تجاه الأبناء، مؤكدة أن فكرة الحضانة المطلقة لطرف واحد دون مشاركة الآخر قد تعني حرمان الطفل من عنصر أساسي ومهم في حياته.
وتري ضرورة إدخال معايير أكثر دقة في قضايا الحضانة، تتضمن إجراء اختبارات نفسية للشخص الذي ستؤول إليه الحضانة، إلى جانب إعداد دراسة حالة متكاملة من قبل الأخصائيين الاجتماعيين، لبحث الأبعاد الاجتماعية والبيئة التي سينتقل إليها الطفل. كما أكدت أهمية المتابعة الدورية من الجانبين النفسي والاجتماعي، ضمانًا لسلامة الطفل النفسية.
وقائع تكشف خطورة غياب التقييم
وفي سياق توضيح أهمية الفحص النفسي والاجتماعي، استعرضت واقعة مأساوية حدثت مؤخرًا، حيث كان الأطفال في رعاية الأب وزوجة أبيهم، وتوفيت إحدى البنات نتيجة التعنيف، وعند التحقيق، قامت زوجة الأب بإقناع الطفل الأكبر بالاعتراف بالجريمة بدلاً منها، بحجة أنه لن يُحاسب لصغر سنه، وهو ما حدث بالفعل حيث تم إيداعه دار رعاية، وأنه لاحقًا تكرر الاعتداء على الطفل الأصغر، إلى أن كُشف الأمر مصادفة أثناء زيارة عمته، التي لاحظت تعرضه لانتهاكات جسدية ونفسية واضحة، مما أدى إلى إعادة فتح التحقيق في الواقعتين.
الدعوة لإجراءات استباقية
كما أثارت إشكالية انتقال حضانة الفتاة عند بلوغها إلى الأب، متسائلة عن مدى ملاءمة ذلك من الناحية النفسية، خاصة فيما يتعلق بخصوصية الفتاة واحتياجاتها في هذه المرحلة الدقيقة، مؤكدة أن إسناد هذا الدور لأطراف أخرى كالجدة أو العمة لا يعوض غياب الأم، وقد يمثل انتهاكًا واضحًا لخصوصية الفتاة.






