تحفُظ من المجلس الرئاسي.. خطوة أممية للتمهيد لإجراء الانتخابات في ليبيا تنتظر توافُق المؤسسات

في الوقت الذي أعلنت فيه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا التوصل خلال اجتماع لجنة”4+4″ في روما إلى اتفاق بشأن إعادة هيكلة مجلس إدارة الهيئة الوطنية العليا للانتخابات، وصفت مجموعة الأزمات الدولية القرار بأنه “اختراقًا تقنيًا محدودًا” لا يكفي لحل القضايا السياسية العالقة والتي تعرقل إجراء الانتخابات، بينما تحفظ رئيس المجلس الرئاسي على عمل لجنة “4+4” وتوليها أمورًا تتعلق بشأن الأسس التي قامت عليها اللجنة وآلياتها.

والتقي البعثة الأممية في روما نهاية أبريل الماضي في العاصمة الإيطالية روما في اجتماع  مع لجنة”4+4″ والتي تجمع ممثلين عن حكومة الوفاق الوطني في طرابلس و”القيادة العامة” للجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، وأوضحت البعثة بأن اللجنة أوصت النائب العام بترشيح عضو معروف بكفاءته ونزاهته وحياده لرئاسة الهيئة الوطنية العليا للانتخابات خلفًا لعماد السايح، على أن يتم التعيين وفقًا للوائح المعمول بها.
وبحسب بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أكد المشاركون على ضرورة إنهاء الجمود السياسي الذي أعاق التقدم في العملية الانتخابية، مشددين على أهمية الاستجابة لإرادة الشعب الليبي، وأشارت البعثة إلى أن نحو 2.8 مليون ناخب سجلو أسمائهم في القوائم الانتخابية لاختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع.

واعتبرت المجموعة الدولية للأزمات أن اجتماع لجنة 4+4″ لم تعين رسميًا من قبل مجلس النواب أو البرلمان الليبي، بل كان بدافع من رئيس الحكومة المؤقتة عبدالحميد الدبيبة، وقائد الجيش الليبي خليفة حفتر، معتبرة أن نتائج اجتماع يظل مرهونًا بموافقة المؤسستين التشريعيتين.

 وقالت المتحدثة باسم المجموعة الدولية كلوديا غازيني، إن الاتفاق يظل ذو طابع فني، وأن إجراء الانتخابات يتطلب إرادة سياسية حقيقة، ووجود توافق على أية خطوة في مسار الانتخابات، حتى لا يحدث كما حدث في تجارب سابقة مثل 2021، بعد أن ظهرت صعوبة في تنظيم الاقتراع دون توافق بين المؤسسات الليبية. 

ما هي لجنة 4+4؟
في سياق الأزمة الليبية يبرز أسماء لجان “4+4″ و”5+5″  و”6+6” كأدوات للوساطة التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ورغم التشابه في الأسماء إلا أن لكل منهما طبيعة ومهمة مختلفة، فنجد أن لجنة 4+4 المسار السياسي والانتخابي، وهي لجنة استشارية مصغرة تعرف باسم “المجموعة المصغرة”، وبرز دورها في عامي 2025 و 2026 ضمن جهود البعثة الأممية لكسر الجمود السياسي، وتضم بداخلها خبراء وممثلين سياسيين، تعقد اجتماعاتها في تونس أو طرابلس، ويتركز عملها على إيجاد حلول للنقاط الخلافية في القوانين الانتخابية كشروط ترشح مزدوجي الجنسية والعسكريين وتصميم خارطة طريق تؤدي للانتخابات، ويتمثل هدفها في وضع الخيارات التقنية والقانونية القابلة للتنفيذ التي تضمن قبول جميع الأطراف بنتائج الانتخابات القادمة، وستضم اللجنة ثمانية أعضاء يمثلون القيادة العامة للجيش الوطني الليبي في طبرق وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، وذلك بهدف تضييق الخلافات حول قوانين الانتخابات والأساس الدستوري.

 وتختلف هذه اللجنة عن لجنة “5+5” وهي اللجنة الأكثر شهرة واستدامة وتعرف رسميًا باسم “اللجنة العسكرية المشتركة “، وهي لجنة عسكرية بحتة تضم ضباط رفيعي المستوى مقرها في مدينة سرت، وتتمثل مهمتها الأساسية الحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2020، وتنسيق الملفات الحساسة، وتضم اللجنة 5 ضباط من القوات المسلحة في الغرب الليبي، و5 ضباط من القوات المسلحة في الشرق الليبي، ومن أبرز صلاحياتها مراقبة وقف إطلاق النار ومنع الخروقات، والعمل على ملف إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية، وتأمين الطريق الساحلي وفتح المعابر بين المدن، وتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية وهو الهدف طويل الأمد.

كما توجد لجنة أخرى تعرف باسم “لجنة 6+6″، وهي صاحبة القرار التشريعي وتشكلت بتوافق “ليبي – ليبي” (مجلس النواب والدولة)، تأسست في 2023 وتتمثل مهمتها في صياغة القوانين الانتخابية “قانون انتخاب الرئيس وقانون انتخاب البرلمان”، وهي التي تقرر شروط الترشح وكيفية توزيع المقاعد والنظام الانتخابي، وتمتلك صلاحيات قانونية ودستورية ومخرجاتها ملزمة من الناحية التشريعية لفتح باب الانتخاب.

خارطة الطريق لجنة 4+4
تقوم خارطة الطريق على ثلاثة محاور أساسية، تتمثل في إقرار إطار قانوني للانتخابات الرئاسية والنيابية، واستقلالية المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بالإضافة إلى توحيد المؤسسات عبر سلطة تنفيذية واحدة، ومواصلة “الحوار المهيكل” لمعالجة ملفات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية.

إلا أنه بعد ثمانية أشهر من إعلان خارطة الطريق، لم يتمكن كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة من إتمام المرحلتين الأوليين، على الرغم من الجهود المبذولة، مما استدعى البحث عن مقاربات بديلة لدفع العملية السياسية قدمًا.

وستعمل اللجنة على أول خطوتين في خارطة الطريق وهما تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات وتعديل البنود الشائكة في القوانين المتعلقة بالآن، كما أكدت مبعوثة الأمم المتحدة أن مجموعة 4+4 هي أداة لكسر الجمود وليست بديلاً عن العملية الأساسية.

موقف المجلس الرئاسي من لجنة 4+4
أبدى رئيس المجلس الرئاسي محمد منفي، تحفظاته بشأن الأسس التي قامت عليها اللجنة وآلياتها، مؤكدًا على ضرورة أن يستند أي حوار أو ترتيبات سياسية وخاصة المتعلقة بالعملية الانتخابية إلى إطار قانوني ودستوري واضح يضمن النزاهة والشرعية.

وشدد “منفي” على أن إشراك جهات خارج الأطر المؤسسي المعترف به في معالجة هذه المسائل قد يخل بالتوازن المؤسسي، فقضايا الانتخابات وقوانينها تقع ضمن الاختصاص السيادي للمؤسسات التشريعية، وهو ما وضعته لجنة 6+6، كما شدد “منفي” على أن ليبيا تقف عند مفترق طرق حاسم بين ترسيخ سيادة القانون واحترام المؤسسات، أو الانزلاق نحو فرض أمر واقع، وما يترتب على ذلك من مخاطر على استقرار البلاد ووحدتها المؤسسية.

كما رفض المجلس الأعلى للدولة في ليبيا اقتراحًا أمريكيًا يقضي بتولي نائب قائد الجيش الوطني الليبي صدام حفتر، منصبي رئيس المجلس الرئاسي والقائد الأعلى للجيش الليبي، بينما يتولى رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، منصبي رئيس الوزراء ووزير الدفاع في آن واحد.

لماذا روما الآن؟
ترسخ إيطاليا مكانتها كجهة مُيسرة وفاعلة في آن واحد، إذ تتواصل مباشرة مع طرابلس بالتزامن مع استضافتها لعملية موازية في الأمم المتحدة، ويشير هذا التزامن إلى مسعى لتحويل الزخم التقني إلى زخم سياسي، كما يعزز دور روما في المشهد الخارجي المتزايد التنافس حول ليبيا.

وتراهن إيطاليا على استراتيجية ذات مسارين لدفع ليبيا قدمًا هما التواصل المباشر مع حكومة طرابلس ودعم مسار انتخابي بقيادة الأمم المتحدة، ويبقى السؤال المحوري وهو هل يمكن للتقدم التقني أن يفضي في نهاية المطاف إلى حلٍ سياسي مستدام يمهد لإجراء الانتخابات والعمل على استقرار الأوضاع في ليبيا؟.