
ضحايا التنقيب عن الذهب
أعادت الأحداث الدامية المتداولة إعلاميًا وشعبيًا باسم “مجزرة الدهابة” التي وقعت نهاية الأسبوع الماضي، فتح واحد من أخطر الملفات المرتبطة بالتنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية، خاصة مع تصاعد الحديث عن انتشار طواحين الذهب غير المرخصة في عدد من مدن ومراكز البحر الأحمر، وعلى رأسها قفط وقوص وحجازة والأشراف القبلية، وانتشار العاملين في البحث عن الذهب في الجبال سواء المتعاقدين مع الشركات المُرخصة أو غير ذلك والمتواجدين في محافظات قنا أسوان، وتعرضهم لمخاطر أمنية وصحية واستغلال نفوذ بعض الشخصيات المحلية للسيطرة على منابع الذهب والتنقيب، مما يعكس الإنفلات الأمني وتعرض “عمال الدهابة” لخطر الموت بتواطىء من الجهات التنفيذية والمسؤولة.
ارتفعت الصرخات بداخل القرية بعد أن عرفت الأسرة رحيل “م،ن” البالغ من العمر 40 عامًا أثناء محاولته البحث عن الذهب، الأخبار كثيرة في القرية الصغيرة الهادئة، التي تحولت إلى عويل وصراخ بعد أن فقدت الأسرة الأب والعائل لها، ماذا حدث وكيف حدث الجميع في استغراب! تساؤلات أهل القرية لم تنتهي ولكنها حالت دون الإجابة وسط مشهد الفُراق الأليم، لم ينتهي المشهد عند ذلك، بل سبعة شباب آخرين من قرية دفعوا ثمن أرواحهم مقابل البحث عن الذهب، وسط سطوة من شخصيات نافذة تستغل الموقف وسط توطىء من الجهات التنفيذية والترخيص للعمل لصالح شركات دون أخرى للبحث والتنقيب عن الذهب وتصدير الأزمة وتلفيق التهم على الأيدي العاملة بدلا من تقنين أوضاعهم وحمايتهم.

يكشف التقرير المُعمق لليبرالي ” اقتصاد الظل للذهب” في جبال البحر الأحمر والصحراء الشرقية، عبر تتبع سلاسل توريد الخام من مناطق التنقيب وحتى طواحين المعالجة والأسواق غير الرسمية، في ظل بيئة معقدة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع النفوذ المحلي.
يرصد التقرير المخاطر الأمنية ، وتعرضهم للمخاطر الموت أثناء البحث أو السرقة من آخرين، إلى جانب تسليط الضوء على اتهامات متداولة بشأن استغلال شخصيات محلية نافذة لامتلاك
أو إدارة طواحين الذهب، والجدل المثار حول منح تراخيص التنقيب لشركات محددة دون غيرها.
فضلا عن التساؤلات المتزايدة بشأن دور الجهات التنفيذية في احتواء الأزمات المتكررة المرتبطة بملف “الدهابة” والتنقيب غير المشروع.
رحلة الذهب من الجبل إلى الطاحونة
بحسب مصادر تعمل في مجال الدهابة، تبدأ الرحلة من مناطق التنقيب العشوائي في جبال الفواخير والعلاقي وأم الحويطات ومرسى علم ورأس غارب، حيث يتم استخراج خامات الكوارتز الحاملة للذهب بواسطة مجموعات تعمل بشكل غير رسمي، قبل نقلها عبر طرق ومدقات جبلية إلى
مناطق داخل قنا وقوص وقفط، أو مجموعات تعمل بشكل رسمي عبر التعاقد مع الشركات بعقود بالمخالفة بالقانون ” بمثابة ميثاق عمل” يسمح للعامل التعاون مع الشركة في مناطق امتيازاتها التي منحتها وزارة البترول وهيئة الثروة المعدنية وفق عقود الإمتياز والإشتراطات التي وضعتها للشركة الممنوحة لحق التنقب عن الذهب.
تشير روايات متداولة من أهالي إلى وجود عشرات الطواحين التي تعمل في طحن خامات الذهب القادمة من جبال البحر الأحمر والصحراء الشرقية، وسط اتهامات باستغلال أراضي أملاك الدولة، واستخدام مواد شديدة الخطورة في عمليات الاستخلاص، بجانب تهريب الخامات عبر المدقات الجبلية بعيدًا عن نقاط التفتيش، وتعرض العمال لمشاكل صحية وأمنية أو الضياع في الجبال.
تُستخدم في تلك العمليات سيارات دفع رباعي تسلك مسارات بعيدة عن الأكمنة الأمنية، فيما تصل الخامات إلى طواحين منتشرة داخل مزارع ومناطق جبلية، أبرزها – وفق رواية المصدر –، وبعض المزارع الخاصة بقفط وحجازة والأشراف القبلية.
بعدها يتم طحن الصخور واستخلاص الذهب الخام بوسائل بدائية أو شبه صناعية، في عمليات تحقق أرباحًا ضخمة لأصحاب الطواحين والسماسرة، حيث تداول ارتباط شخصيات محلية ذات نفوذ تعمل على جلب العمالة بمخالفة القانون ودون وجود تأمين لهم أو أقل درجات الحماية للعمل في مجال الدهابة وسط تواطىء من الأجهزة التنفيذية وتجاهل حل ملف الدهابة والتي تتكرر مشاكلهم كل حين والآخر.
خطر الموت
يتعرض عمال الدهابة والبحث عن الذهب لمخاطر، الملاحقة الأمنية، السرقة، التهديد بالأسلحة، الضياع في الصحراء، كما يتعرضوا إلى استخدام مادة السيانيد في استخلاص الذهب، وهي مادة شديدة السمية قد تؤدي إلى تلوث التربة والمياه وتهديد صحة المواطنين حال استخدامها دون ضوابط بيئية صارمة.
يؤكد متخصصون أن استخدام السيانيد في التعدين يخضع عالميًا لإجراءات رقابية معقدة، بسبب خطورته العالية، بينما تؤكد الروايات المحلية أن بعض عمليات الاستخلاص تتم بطرق بدائية ودون رقابة بيئية أو صحية.
.
اشتباكات وصراعات دامية
تربط مصادر محلية بين انتشار التنقيب العشوائي وبين وقوع اشتباكات مسلحة بين مجموعات تعمل في استخراج الذهب، بسبب الخلاف على مناطق التعدين أو تقسيم الأرباح.
بالأمس، يوم الخميس بتاريخ 30 أبريل، سقط ثمانية أثناء عملهم في قرية الحويطات بمدينة سفاجا بالبحر الأحمر-من سكان محافظة قنا-، وسط غياب بيانات رسمية تفصيلية حتى نشر تقرير ليبرالي، فيما تم القبض على مرتكب الواقعة الرئيسي وهو قيد التحقيقات الجارية.
منطقة أم الحويطات والمناطق الجبلية المحيطة بها من أبرز بؤر التنقيب الأهلي عن الذهب في الصحراء الشرقية، حيث تنتشر مجموعات “الدهابة” التي تعمل في استخراج خامات الذهب بصورة غير رسمية، بالإضافة لانتشار الباحثي عن الذهب في جبال الأقصر وأسوان.
وسط كل تلك المخالفات الأمنية الجسيمة، يرى متابعون أن غياب التنظيم القانوني الكامل لبعض أنشطة التنقيب غير الرسمي ساهم في خلق بيئة موازية تتحرك خارج الإطار المؤسسي، بما يحمله ذلك من مخاطر أمنية واقتصادية واجتماعية، بالإضافة إلى الفساد الذي ظهر في سلاسل التوريد والبحث والتنقيب عن الذهب، فضلًا عن التساؤلات المتزايدة بشأن دور الجهات التنفيذية في احتواء الأزمات المتكررة المرتبطة بملف “الدهابة” والتنقيب غير المشروع.
الثروة المعدنية: الجهة الرسمية الوحيدة
وفق القوانين الدستورية والتنفيذية، تُعد الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية الجهة الوحيدة المختصة بإصدار تراخيص البحث والتنقيب عن الذهب والمعادن، سواء للشركات المحلية أو الأجنبية، ووضع شروط وامتيازات بخصوص الشركات المرخصة.
تقوم الدولة خلال السنوات الأخيرة بتوسيع مشروعات التعدين الرسمية، خاصة في مناطق الصحراء الشرقية، مع طرح مزايدات عالمية للتنقيب عن الذهب بهدف جذب الاستثمارات وزيادة مساهمة قطاع التعدين في الاقتصاد الوطني.
لكن في المقابل، لا تزال أنشطة التنقيب العشوائي قائمة في بعض المناطق الجبلية، مدفوعة بارتفاع أسعار الذهب والأرباح الكبيرة التي يحققها العاملون في المجال، مع المخاطر التي يقع العاملون بها في هذا المجال.

لماذا يطالب البعض بالتقنين؟
يقول مصطفى عبد الحميد، من سكان محافظة قنا “لابد من تقنين العمالة في مجال الدهابة وزيادة التأمين وفتح الفرص للشباب لعمل شركات أهلية ومحلية”. ويرى عدد من المهتمين بالملف أن الحل لا يقتصر فقط على حملات الإزالة والملاحقات الأمنية، بل يتطلب فتح نقاش أوسع حول إمكانية تقنين بعض أنشطة البحث الأهلي عن الذهب تحت رقابة الدولة، يعتبر أصحاب هذا الطرح أن التقنين قد يحقق عدة أهداف، منها، تقليل عمليات التهريب والتنقيب غير المشروع، حماية البيئة من الاستخدام العشوائي للمواد الكيميائية، إدخال النشاط ضمن الاقتصاد الرسمي، خلق فرص عمل قانونية للشباب بالمناطق الصحراوية.
زيادة عوائد الدولة من قطاع التعدين
في المقابل، يحذر آخرون من خطورة فتح المجال دون ضوابط صارمة، مؤكدين أن التنقيب العشوائي قد يتحول إلى بؤر نزاع وفوضى مسلحة إذا غابت الرقابة الفنية والأمنية، تواصلت ليبرالي مع الهيئة العامة للثروة المعدنية للتساؤل حول ملف عمال الدهابة والشركات الموكلة لها بالعمل وعملية التعاقد المرفقة بعمليات البحث، ولم يتسنى لنا حتى الآن من الحصول على إجابات -مع التنويه أن حق الرد مكفول لإلحاقه بالتقرير قادمًا-.
من المسؤول عن “مجزرة الحويطات”؟ ولماذا يتكرر نزيف الدم في مناطق الذهب؟
ما حدث في منطقة الحويطات بسفاجا، يكشف حجم الفوضى التي تحيط بملف التنقيب غير الرسمي عن الذهب في الصحراء الشرقية، وهو ملف ظل لسنوات يتحرك بين الاقتصاد الموازي والنفوذ المحلي والصراعات المسلحة، بعيدًا عن تنظيم كامل وحاسم.
ولكن وزارة الداخلية أعلنت أنها تمكنت من القبض على المتهم الرئيسي في حادث مقتل ثمانية أشخاص، وآخرين سودانيين الجنسية، بأم الحويطات بالبحر الأحمر، وكشفت مصادر محلية قيام شاب من قرية البراهمة التابعة لمركز قفط، بالاشتراك مع آخرين من السمطا، استهدف تصفية عدداً من الأشخاص داخل مناطق التعدين بدعوى أحقيته في الذهب الذي قام بجمعه والإستيلاء عليه، مما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا من قبائل البراهمة والأشراف، فضلاً عن سقوط عددًا من الضحايا السودانيين العاملين في مجال التنقيب عن الذهب.
كما تحدث شهود عيان إن الاشتباكات وقعت بين مجموعات تعمل في التنقيب عن الذهب والحراسة داخل المناطق الجبلية، وسط حديث عن استخدام أسلحة نارية ثقيلة خلال المواجهات و سقوط ضحايا من العاملين كـ“خفراء” لدى شركات تعمل في مجال التعدين والتنقيب عن الذهب.
شخصيات محلية وراء استمرار وقائع الفساد
يقول سعيد حسان من مواطني محافظة قنا، مين المسؤول عن المجزرة دي! في شخص من البراهمة أخد عربية ومعاه سلاح متعدد وراح الحويطات وضرب نار على الدهابة وهما نايمين وفي 8 منهم ماتوا من امنطقة الأشراف الغربية، وفي منهم سودانيين تانيين يعني العدد أكبر، ودا عشان كل واحد معندوش مسؤولية أو طمعان شايف أنه له حق أنه ياخذ الذهب، ويتهم سعيد نفوذ بعض الشخصيات المحلية في السيطرة على منابع تنقيب الذهب والاستيلاء عليها قائلا”دول عصابة ، مافيا”وسط سؤاله: لماذا لم يتم تقنين عمل الدهابة ؟، وأكد سعيد أن جميع من سقطوا ضحايا يعملون كخفراء في أحد شركات التنقيب عن الذهب.


ولكن هنا من يتحمل المسؤولية؟
المسؤولية لا يمكن اختزالها في شخص واحد فقط، لأن الأزمة أعمق من مجرد واقعة جنائية، فهناك عدة عوامل ساهمت في الوصول لذلك، ومنها الاستفادة من اقتصاد الظل للذهب والفساد في سلاسل توريد المادة الخام واستغلال نفوذ الشخصيات المحلية في ملف الدهابة وتواطىء الجهات التنفيذية في حل الأزمة وتقنين الأوضاع-وفق معلومات حصلت عليها ليبرالي من مصادر محلية موثقة-.
يرى مراقبون أن تضخم نشاط “عمال الدهابة ” خلال السنوات الأخيرة لم يكن ليحدث بهذا الحجم دون وجود شبكات مصالح واسعة تضم ممولين وتجار خامات وأصحاب طواحين وشخصيات تمتلك نفوذًا محليًا.
شخصيات ذات نفوذ اقتصادي واجتماعي من بعض مناطق قفط وحجازة والكلاحين والأشراف الغربية، تمتلك نفوذًا واسعًا داخل نشاط استخراج وطحن خامات الذهب في الصحراء الشرقية
بين الثروة والفوضى
ومع تكرار الاشتباكات وسقوط الضحايا، أصبح الملف يتجاوز كونه قضية تنقيب غير قانوني، ليتحول إلى قضية أمن واقتصاد وعدالة اجتماعية، بينما تبقى معالجة جذور الأزمة مسؤولية مؤسسات الدولة والتنظيم والرقابة وتطبيق القانون، وهنا نطرح سؤال إجابته قد تكون جزء منا الحل: هل تتجه الدولة نحو تشديد المواجهة فقط؟ أم يتم فتح باب لتنظيم وتقنين بعض أشكال التنقيب الأهلي” لشركات محلية مُرخصة” تحت إشراف رسمي كامل؟ وذلك بسبب استمرار المخاطر التي يتعرض لها الدهابة من التنقيب العشوائي الذي يتحول إلى بؤر نزاع وفوضى مسلحة وسط غياب الرقابة الفنية والأمنية.







