نهاد شعبان

رحل مبكرًا وبقي حضوره خفيفًا في القلوب
يتزامن اليوم مع ذكرى ميلاد الفنان الراحل ممدوح وافي، أحد أبرز فناني جيله الذين امتلكوا قدرة نادرة على الجمع بين خفة الظل وعمق الأداء، فكان ممثلاً قادرًا على انتزاع الضحكة من الجمهور، ثم مفاجأته في اللحظة التالية بأداء إنساني يمس القلب، ورغم أن حياته لم تكن طويلة، فإن حضوره الفني ظل حاضرًا في ذاكرة المشاهد المصري والعربي، باعتباره واحدًا من الفنانين الذين تركوا بصمة هادئة لكنها مؤثرة، دون ضجيج أو بطولة مطلقة.

من موظف بنك إلى عاشق للمسرح
ولد ممدوح محمد علي وافي عام 1951، وعاش سنواته الأولى كأي شاب مصري يبحث عن الاستقرار الوظيفي، فعمل في أحد البنوك الحكومية، لكن داخله كان يميل إلى عالم آخر، عالم المسرح والكاميرا والوقوف أمام الجمهور، فلم يكن الفن بالنسبة له مجرد هواية عابرة، بل حلمًا حقيقيًا قرر أن يمنحه عمره كله، لذلك اتخذ قرارًا غير حياته بالكامل، حين التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية ليصقل موهبته ويمنح شغفه فرصة حقيقية للحياة، وهناك بدأت ملامح الفنان تتشكل، وتعرف على عدد من النجوم الذين سيصبحون لاحقًا علامات مهمة في الفن المصري، وكان من بينهم الفنان الراحل أحمد زكي، الذي ربطته به علاقة صداقة استثنائية استمرت حتى النهاية.

البدايات فوق خشبة المسرح
بدأ ممدوح وافي مشواره الفني من المسرح عام 1979، وكانت خشبة المسرح بالنسبة له المدرسة الحقيقية التي صنعت أدواته الفنية ومنحته الثقة والقدرة على التحكم في تفاصيل الأداء، حيث شارك في عدد من المسرحيات المهمة التي كشفت موهبته مبكرًا، من بينها “التلامذة”، و”حضرات السادة العيال”، و”تزوير في أوراق عاطفية”، واستطاع أن يلفت الأنظار بخفة ظله وحضوره المختلف، فلم يكن يعتمد على الإفيه السهل أو المبالغة، بل كان يملك كاريزما هادئة تجعله قريبًا من الجمهور، حتى في الأدوار الصغيرة.

موهبة نادرة
مع انتقاله إلى الدراما التلفزيونية، أصبح ممدوح وافي واحدًا من الوجوه المألوفة لدى المشاهدين، خاصة أنه امتلك قدرة كبيرة على التنقل بين الشخصيات المختلفة، وظهر في أعمال تركت أثرًا واضحًا في الدراما المصرية، من أبرزها “عائلة الحاج متولي”، و”ونيس”، و”السيرة الهلالية”، و”حارة المحروسة”، و”الزوجة أول من يعلم”، و”قط وفار”.
وفي كل عمل كان يترك بصمته الخاصة، حتى لو لم يكن بطل الحكاية، فقد امتلك تلك الموهبة النادرة التي تجعل المشاهد يتذكر الفنان من مشهد واحد فقط، وكان قادرًا على أداء دور الرجل الطيب البسيط، كما استطاع تقديم الشخصيات المركبة أو الساخرة أو حتى المؤلمة، لذلك ظل مطلوبًا في أعمال كثيرة على مدار سنوات.

صداقته مع أحمد زكي
ورغم خفة ظله التي أحبها الجمهور، فإن المقربين منه كانوا يعرفون أنه إنسان شديد الحساسية والوفاء، خاصة في علاقاته الإنسانية، وارتبط بعلاقة صداقة قوية مع أحمد زكي منذ الدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحية، وظلت هذه العلاقة واحدة من أشهر قصص الوفاء في الوسط الفني، حيث كان ممدوح وافي يعتبر أحمد زكي أكثر من مجرد صديق، بل شقيق عمر ورفيق رحلة طويلة، لذلك ظل قريبًا منه في أصعب لحظات مرضه، ولم يتركه رغم المعاناة التي كان يعيشها كل منهما.

طلب إنساني
وفي سنواته الأخيرة، أصيب ممدوح وافي بمرض السرطان في الجهاز الهضمي، وبدأت رحلته القاسية مع الألم والعلاج، لكن كعادته، حاول أن يخفي أوجاعه خلف ابتسامته المعروفة، ولم يكن يحب أن يظهر ضعيفًا أمام الآخرين، ومع اشتداد المرض، شعر أن النهاية تقترب سريعًا، فطلب طلبًا إنسانيًا مؤثرًا كشف عمق علاقته بأحمد زكي، حيث أوصى بأن يُدفن في مقابر صديق عمره، وبالفعل رحل ممدوح وافي عام 2004، ودُفن في قبر أحمد زكي، قبل أن يلحق به “النمر الأسود” بعد فترة قصيرة، وكأن الموت نفسه لم يستطع أن يفرق بين الصديقين.







