نهاد شعبان

في الوقت الذي تتزاحم فيه الحافلات السياحية أمام الأهرامات وتتكدس ساحات المتاحف بالزائرين المصريين والسياح، تظل عشرات المواقع الأثرية الأخرى في صمت تام ما بين الإهمال والنسيان، وكأنها خارج خريطة التاريخ دون أن يمر بها سائح واحد، فبعيدًا عن الصورة الذهنية المعتادة للسياحة في مصر المرتبطة بأهرامات الجيزة أو المتحف المصري الكبير أو معابد الأقصر وأسوان، توجد خريطة أخرى أقل شهرة لمواقع أثرية لا تقل قيمة تاريخية، لكنها لا تجد من يزورها أو يهتم بها أو يروج لها.

كنوز سقارة
ففي منطقة سقارة على سبيل المثال، لا يزور معظم السياح سوى الهرم المدرج الشهير، بينما تمتد عشرات المقابر والمعابد الصغيرة حوله دون اهتمام يُذكر، وعلى بعد دقائق فقط يمكن أن يقضي الزائر ساعات بين نقوش وتماثيل لا تقل روعة عما يراه في المتاحف، لكن غياب الإرشاد السياحي والتسويق يجعل هذه الكنوز شبه مهجورة، والأمر نفسه يتكرر في دهشور، حيث يقف الهرم الأحمر والهرم المنحني في هدوء، ورغم أهميتهما في تاريخ تطور بناء الأهرامات، فإن عدد الزوار يوميًا قد لا يتجاوز العشرات، مقارنة بآلاف يتدفقون على أهرامات الجيزة.

صعيد غائب
وفي صعيد مصر، بمحافظة المنيا، تقع تل العمارنة، عاصمة إخناتون القديمة، التي شهدت واحدة من أهم التحولات الدينية في التاريخ المصري القديم، فذلك الموقع رغم أنه غني بالآثار لكن الطريق إليه صعب والخدمات محدودة والدعاية شبه غائبة، ما يجعله خارج برامج الرحلات السياحية المعتادة، كما تضم منطقة أبيدوس أحد أهم المعابد في مصر القديمة، وهو معبد سيتي الأول، الشهير بنقوشه الدقيقة وقائمة الملوك المنحوتة على جدرانه، كما تحتوي المنطقة على مقابر ملكية تعود إلى بدايات الدولة المصرية، ورغم القيمة الأثرية الكبيرة، لا تحظى أبيدوس بالاهتمام الذي تستحقه مقارنة بمواقع الأقصر، لتبقى زيارتها مقتصرة على قلة من المهتمين أو الباحثين في مجال الآثار.

أطلال تانيس
وفي دلتا النيل، تقع أطلال تانيس، العاصمة القديمة التي خرجت منها كنوز ذهبية تضاهي كنوز توت عنخ آمون، حيث تنتشر التماثيل الضخمة والكتل الحجرية في مساحة واسعة، لكن الموقع يظل بعيدًا عن الخرائط السياحية، حيث أن قلة الدعاية وصعوبة الوصول نسبيًا جعلتا تانيس واحدة من أكثر المواقع تعرضًا للنسيان، رغم كل ما تخفيه من أسرار، كما تحتضن الصحراء الغربية معابد ومقابر تعود للعصرين الفرعوني والروماني، بينما تحتوي الواحات الداخلة على قرى تاريخية ومواقع أثرية نادرة، وهذه الأماكن تمثل مزيجًا بين الطبيعة والتاريخ، لكنها تظل بعيدة عن التدفق السياحي الكثيف، كما أن الوصول إليها يتطلب رحلة طويلة، ما يجعلها خيارًا ثانويًا لشركات السياحة، رغم إمكاناتها الكبيرة.

معبد الرأس السوداء
حتى في المدن الكبرى، توجد مواقع لا تحظى بالاهتمام الكافي، ففي الإسكندرية على سبيل المثال، يعرف الجميع قلعة قايتباي ومكتبة الإسكندرية، لكن تبقى أماكن مثل معبد الرأس السوداء وجبانة الشاطبي شبه غائبة عن الزيارات، رغم أنها تقدم شواهد مهمة على العصور اليونانية والرومانية.

وادي الحيتان
وفي قلب الصحراء الغربية، فيوجد واحد من أغرب وأهم المواقع الطبيعية في العالم، لا أهرامات شاهقة، ولا معابد حجرية، ولا تماثيل ملوك، بل هياكل حيتان كاملة متحجرة فوق الرمال، حيث يقع وادي الحيتان داخل نطاق محمية وادي الريان بمحافظة الفيوم، ورغم أهميته العالمية، لا يزال وادي الحيتان خارج خريطة الكثير من الزوار، وما يجعل وادي الحيتان فريدًا أن الهياكل المكتشفة ليست مجرد عظام متناثرة، بل هياكل شبه كاملة لحيتان بدائية، بعضها لا يزال يحتفظ بتفاصيل دقيقة للأسنان والزعانف والفقرات، والأهم من ذلك وجود أطراف خلفية صغيرة، دليل واضح على المرحلة الانتقالية التي تحولت فيها الحيتان من حيوانات برية تمشي على اليابسة إلى كائنات بحرية كاملة.

ضغط سياحي
وحين يتركز الزوار في عدد محدود من الأماكن، تتكدس المواقع الشهيرة وتتعرض لضغط كبير، بينما تبقى مواقع أخرى بلا استغلال، والنتيجة تصبح خسارة مزدوجة من حيث الضغط على آثار معينة والذي قد يؤدي إلى تلفها، وضياع فرص دخل لمناطق أخرى، كما أن المشكلة لا تتوقف عند قلة الزوار، فالموقع الذي لا يُزار كثيرًا يكون أكثر عرضة للإهمال، وأحيانًا للتعديات أو السرقة، كما أن غياب الصيانة الدورية وندرة التمويل قد يؤديان إلى تآكل النقوش أو انهيار أجزاء معمارية، لذا يجب أن يكون هناك حلولا تتمثل في التسويق الذكي، والحملات الرقمية، وإدراج مواقع جديدة ضمن برامج الشركات السياحية، والتي يمكن أن تعيد الحياة لكثير من الأماكن، كما أن تحسين الطرق والخدمات الأساسية قد يشجع الزوار على خوض تجربة مختلفة بعيدًا عن الزحام، ويمكن أيضًا إشراك المجتمع المحلي في الإدارة، من خلال مشروعات صغيرة وخدمات سياحية، بما يخلق مصلحة مباشرة في حماية الموقع وتنشيطه.







