في الثاني عشر من مايو عام 1964، أُسدل الستار على واحدة من أغرب قصص السينما المصرية والعالمية، لم تكن مجرد وفاة ممثل، بل كانت رحيل “كونت” نمساوي، مخرج رائد، وزوج وفيّ، ترك خلفه إرثاً فنياً تجاوز الـ 380 عملاً، ومحفظة خاوية لا تحتوي إلا على “سبعة جنيهات”.
ابن السفير.. من قصور فيينا إلى “شوارع” شبرا

لم تكن حياة “إستيفان دي روستي” عادية منذ اللحظة الأولى، فهو ابن سفير النمسا بالقاهرة ووالدته إيطالية أرستقراطية، بدأت تراجيديا حياته مبكراً بانفصال والديه، ليجد نفسه بعيداً عن رغد القصور، متنقلاً بين المهن ليعول نفسه، من “بوسطجي” ومترجم، وصولاً إلى راقص في ملاهي أوروبا، قبل أن تصقله الغربة بدراسة التمثيل أكاديمياً في ألمانيا وفرنسا.
المخرج الأول.. ومؤسس “السينما الروائية”

بينما يعرفه الجمهور كـ “الشرير المنافق”، يغفل الكثيرون عن حقيقة تاريخية إستيفان روستي هو أول مخرج روائي في تاريخ السينما المصرية ففي عام 1927، أنقذ فيلم “ليلى” من الفشل بعدما أعاد صياغته وإخراجه للمنتجة “عزيزة أمير”، ليخرج العمل للنور بحضور أمير الشعراء أحمد شوقي وطلعت حرب، معلناً ولادة مخرج عبقري قدم لاحقاً روائع مثل “البحر بيضحك ليه” و”عنتر أفندي”.
“علبة سردين” أحرجت وزير المعارف
من بين كواليس حياته المثيرة، قصة جرت أحداثها في “المدرسة الخديوية” تعكس ملامح ذكائه الساخر، ففي يوم زيارة “سعد زغلول” (وزير المعارف آنذاك) للمدرسة، عوقب إستيفان بوجبة “خبز جاف”، فما كان منه إلا أن اشترى خلسة “علبة سردين” وأكلها في الحصة، حين اكتشف الوزير والمفتش العلبة تحت “التختة”، استغل إستيفان الموقف ليرد الصاع صاعاً لمدرس اللغة الإنجليزية الذي كان يضطهده، مدعياً أنه أكلها في حصته، مما تسبب في مجازاة المدرس ونقله للصعيد وهي الواقعة التي ظل روستي يعتذر عنها علناً في لقاءاته الإذاعية حتى وفاته.
التراجيديا خلف القناع الكوميدي

خلف الضحكة “الروستية” واللزمات الشهيرة، عاش إستيفان حياة حزينة، فقد طفليه (الأول بعد ولادته بأسبوع والثاني في الثالثة من عمره) هذا الفقد أصاب زوجته الإيطالية “ماريانا” بانهيار عصبي مزمن، فظل “الزوج الوفي” يرعاها في المستشفيات لعشرات السنين دون كلل، حتى رحل وتركها وحيدة تعاني الجنون، لتقوم نقابة الممثلين بتسفيرها لأسرتها في إيطاليا.
النهاية رحيل على مقهى وسط البلد
بشكل يجمع بين المفارقة والدراما، وقبل وفاته بأسابيع، انتشرت إشاعة بوفاته وأقيم له حفل تأبين، ليدخل عليهم ستيفان “حياً يُرزق” وسط ذهول الجميع، لكن الموت لم يمهله وقتً طويلاً، فبينما كان يجلس على مقهى بوسط البلد يلعب “الطاولة” مع أصدقائه بعد عرض فيلمه الأخير “آخر شقاوة”، داهمته أزمة قلبية حادة، رحل “البارون” الذي أتقن 4 لغات، والذي مزج الشر بالفكاهة في خلطة كيميائية لم يفك شفرتها أحد بعده، تاركاً خلفه ثروة من الإبداع ورصيداً في البنك لا يكفي ثمن جنازته.






