كيف أصبح البريكس تحالفًا اقتصاديًا لتشكيل توازن للقوى العالمية بمشاركة عربية؟

ـ يُمثل أكثر من35% من الاقتصاد العالمي ويضم أكثر من 45% من سكان العالم

يُعتبر تجمع البريكس واحدًا من أهم التكتلات الاقتصادية والسياسية الصاعدة، تأسس بمشاركة البرازيل، روسيا، الهند، الصين ثم توسع بانضمام جنوب أفريقيا، قبل أن يشهد توسعًا وانضمامًا لدول عربية وإقليمية وفي مقدمتها مصر، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، في خطوة اعتبرها خبراء الاقتصاد والسياسة تحولًا مهما في ميزان القوى العالمية نحو نظام دولي متعدد الأقطاب.

تشير بيانات اقتصادية صادرة من صندوق النقد الدولي، وتقارير بحثية دولية، إلى أن دول البريكس تُمثل أكثر من35% من الاقتصاد العالمي وفقًل لتعادل القوة الشرائية، بينما تضم أكثر من 45% من سكان العالم، كما تستحوذ على نسب ضخمة من احتياطات الطاقة والمعادن وسلاسل الإمداد العالمية، وقد أوضح تقرير صادر عن مؤسسة أوبرزرفر للأبحاث أن توسع البريكس جعل التكتل يقترب من تمثيل نحو 40% من التجارة العالمية، خاصة بعد انضمام القوى النفطية العربية.

وينظر إلى انضمام الدول العربية إلى البريكس باعتباره محاولة لتنويع الشركات الدولية وتقليل الاعتماد الكامل على الغرب والمؤسسات المالية مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وقد ركزت قمم البريكس الأخيرة على تعزيز استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري بدلا من الدولار الأمريكي، وهو ماوصفه باحثون بأنه توجه نحو تقليل الهيمنة الغربية على النظام المالي العالمي، كما ناقشت المجموعة إنشاء منصات مالية جديدة وصناديق ضمان استثماري لدعم التجارة والاستثمارات بين الدول الأعضاء.

ومن أبرز أدوات التعاون الاقتصادي داخل بريكس -بنك التنمية الجديد- الذي أُسس برأسمال بلغ 100 مليار دولار لتمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة والتنمية المستدامة في الدول الأعضاء.

 وتشير البيانات الرسمية إلى أن البنك قدم تمويل بأكثر من 80 مشروعًا بقيمة تجاوزت 30 مليار دولار، مع توسع واضح في تمويل مشروعات دول الجنوب العالمي.

وتعقيبا على ذلك، يشرح المحلل الاقتصادي حسام عيد أهمية دول البريكس وانعكاس تواجد الدول العربية بها، قائلًا: أرى البريكس قوة تآزرية استراتيجية وليس تحالفًا متماسكًا بالكامل، فهو ليس بديلاً شاملاً عن النظام القائم، بل عامل تسريع للمنافسة العالمية الإيجابية، يدفع الغرب إلى تقديم تنازلات وإصلاحات، ويمنح الدول النامية خيارات تمويلية وتجارية أوسع، مما يعزز الاستقرار العالمي طويل الأمد.

يعتبر البريكس “BRICS” أحد أبرز الظواهر الجيوسياسية والاقتصادية في العقود الأخيرة، ويُمثل مواجهة جوانب الهيمنة الغربية في النظام الاقتصادي العالمي، ويساهم بشكل ملموس في إرساء أسس نظام متعدد الأقطاب، ومع ذلك، فإنه ليس ثورة جذرية فورية، بل عملية تدريجية تواجه تحديات داخلية وخارجية جوهرية.


نشأ تجمع البريكس كـBRIC عام 2009 بمبادرة من البرازيل وروسيا والهند والصين، كرد فعل على الأزمة المالية العالمية 2008 وهيمنة مجموعة السبع الصناعية “G7″، وانضمت جنوب أفريقيا عام 2010، ثم شهد التجمع توسعًا نوعيًا في السنوات الأخيرة بإضافة مصر، الإمارات، المملكة العربية السعودية، وإندونيسيا، ليصبح BRICS قوة تضم أكثر من عشر دول رئيسية.

يشير “حسام” أن الثقل الاقتصادي الراهن لتجمع البريكس يتميز بمكانة اقتصادية عالية، حيث يمثل نحو 35-40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحسب تعادل القوة الشرائية “PPP”، متجاوزًا مجموعة السبع، كما يشمل حوالي 45% من سكان العالم، نسب معتبرة من الطاقة والموارد الطبيعية والإنتاج الزراعي والمعدني على المستوى العالمي.

يؤكد”حسام” بالرغم من تفوق الغرب في الناتج الاسمي، فإن الاتجاه التصاعدي يميل بوضوح لصالح البريكس مدفوعًا بنمو الصين والهند وطموحات الأعضاء الجدد.يوضح ، أن البريكس يضع استراتيجية مدروسة لجوانب الهيمنة الدولارية والمؤسسية الغربية، وذلك من خلال، إنشاء تجمع مالي موازي مثل بنك التنمية الجديد ” NDB ” الذي يقدم تمويلًا لمشاريع التنمية دون الشروط السياسية المجحفة التي تفرضها المؤسسات الغربية التقليدية، والترتيب الاحتياطي المشترك ” CRA “، وتعزيز صوت الجنوب العالمي مطالبة بإصلاح جذري للمؤسسات الدولية “صندوق النقد والبنك الدولي” التي لا تعكس الوزن الاقتصادي الجديد للدول الناشئة بل هي إعادة توازن للقوى الاقتصادية.
يعتبر “حسام” أن مجموعة البريكس بحد ذاتها تُمثل نقلة نوعية نحو عالم متعدد الأقطاب، إذ يعكس التحول التاريخي لمركز الثقل الاقتصادي من الغرب نحو الشرق والجنوب، ومع ذلك، فإن هذا التوازن لا يزال محدودًا، مع وجود تحديات جوهرية منها عدم التجانس السياسي والاقتصادي بين بعض الدول التي تمر بتوترات إقليمية.

يُذكر، أن الاستثمارات القادمة من دول بريكس إلى مصر قُدرت بنحو 40.6 مليار دولار خلال العام المالي 2023-2024، بينما بلغت الاستثمارات المصرية داخل دول التكتل نحو 1.7 مليار دولار، و ارتفع حجم التبادل التجاري بينها وبين دول بريكس إلى نحو 50.8 مليار دولار خلال عام 2024 مقارنة بـ42.5 مليار دولار في عام 2023 بنسبة نمو بلغت 19.5% وفق لما أعلنته بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

تشير هويدا محمد ودينا حلمي الباحثتان بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة مجلس الوزراء في بحث منشور لها، أن البريكس يعتمد على استكشاف إمكانية التحول نحو التسوية بالعملات المحلية من خلال اتفاقيات ثنائية لمبادلة العملات، ما يمثل إعادة تقييم أوسع للقوة الاقتصادية العالمية مدفوعًا بالضرورة العملية لتعزيز نظام مالي متعدد الأقطاب يستوعب المصالح الاقتصادية المتنوعة، وذلك في إشارة إلى تداول الصين و روسيا نسبة تقارب 100% بالروبل واليوان”، متجاوزتين بذلك الدولار تمامًا في تجارتهما الثنائية، وهو محاولة لتغير طريقة المعاملات التجارية، من خلال إنشاء آليات صرف العملات المباشرة، إتمام المعاملات التجارية دون الحاجة إلى الدولار كعملة وسيطة. 

وشهدت السنوات الأخيرة توقيع عدد من بروتوكولات التعاون الاقتصادي بين دول بريكس في مجالات الطاقة المتجددة، والربط اللوجستي، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والتبادل التجاري بالعملات المحلية. كما توسعت الشراكات الخليجية داخل التكتل، خاصة مع تنامي التعاون السعودية، الإمارات، الصين، روسيا في مجالات الطاقة والاستثمار والبنية التحتية، وتشير تقارير اقتصادية إلى أن حجم التجارة غير النفطية بين الإمارات ودول بريكس وصل إلى 243 مليار دولار خلال عام 2024 بنمو تجاوز 10%.

ورغم أن بريكس لا يُعد تحالفًا عسكريًا في مواجهة الغرب، فإن مراقبين يعتبرونه تكتلًا اقتصاديًا يسعى إلى إعادة توازن النفوذ العالمي، خصوصًا مع تنامي دور الدول العربية والآسيوية والإفريقية داخله، وتزايد الدعوات لإقامة نظام اقتصادي عالمي أكثر استقلالًا وعدالة للدول النامية.