
في وقت تتسارع فيه الأزمات الإقليمية وتتزايد الضغوط الدولية على المنطقة، بدأ السفير المصري المخضرم نبيل فهمي ولايته أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية برسائل تعكس ملامح رؤية مختلفة لإدارة العمل العربي المشترك.
ويرى مراقبون أن خطابه خلال أيامه الأولى ارتكز على ثلاثية رئيسية تتمثل في مركزية القضية الفلسطينية، وحماية سيادة الدول العربية، وتعزيز مفهوم الأمن القومي العربي.
ومنذ اعتماده رسميًا أمينًا عامًا للجامعة في يونيو 2026، ثم تسلمه مهام منصبه مطلع يوليو، حرص فهمي على تقديم خطاب يجمع بين التمسك بالثوابت العربية والدعوة إلى إصلاح مؤسسي يعيد للجامعة دورًا أكثر فاعلية وتأثيرًا.
وخلال أيامه الأولى في المنصب، ولا سيما في مؤتمره الصحفي الأول في 13 يوليو، ثم في مواقفه المعلنة حتى 14 يوليو، رسم الأمين العام الجديد ملامح مرحلة يسعى فيها إلى نقل الجامعة من دائرة إدارة الأزمات إلى فضاء المبادرة وصناعة المواقف، مستندًا إلى خبرته الدبلوماسية الطويلة وزيرًا لخارجية مصر وسفيرًا لدى الولايات المتحدة واليابان.
رسائل البدايات
منذ إعلان تعيينه بالإجماع من مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، أكد فهمي أن العالم العربي يمتلك من الإمكانات البشرية والاقتصادية والجيوسياسية ما يؤهله لصياغة مستقبله بنفسه، داعيًا إلى تجاوز منطق ردود الأفعال، وتبني دبلوماسية عربية استباقية قادرة على التعامل مع التحديات قبل تفاقمها.
كما شدد، في لقاءاته الأولى، على أن قوة الدول لم تعد تقاس فقط بالنفوذ السياسي أو العسكري، وإنما أيضًا بقدرتها على الاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا والابتكار، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يجب أن يكونا ضمن أولويات العمل العربي خلال المرحلة المقبلة.
خريطة طريق للمرحلة الجديدة
في أول مؤتمر صحفي رسمي له، وضع فهمي إطارًا استراتيجيًا لعمل الأمانة العامة، مستندًا إلى خمسة محاور رئيسية هي : بناء دبلوماسية عربية أكثر استباقية و ترسيخ ثقافة التنفيذ والمتابعة.- تطوير وإعادة هيكلة الأمانة العامة والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا و تعزيز الربط بين السياسة والتنمية، مع توسيع مشاركة الشباب والمرأة في صناعة المستقبل.
فلسطين في صدارة الأولويات
جدد فهمي التأكيد على أن القضية الفلسطينية ستظل القضية المركزية للعالم العربي، مع استمرار دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والعمل من أجل إنهاء الاحتلال، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، وفقًا للقانون الدولي.
الأمن القومي والسيادة
أكد الأمين العام الجديد أن الأمن القومي العربي مسؤولية جماعية، مشددًا على أن أي تهديد تتعرض له دولة عربية ينعكس على الأمن العربي بأسره.كما وصف سيادة الدول بأنها «خط أحمر»، معتبرًا أن الدولة الوطنية تمثل حجر الأساس للاستقرار، وأن الحفاظ على مؤسساتها يمثل أولوية لا غنى عنها في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة.
الشفافية والتواصل
وفي رسائل موجهة إلى وسائل الإعلام والرأي العام، تعهد فهمي بانتهاج سياسة تقوم على الوضوح والشفافية والاحترام، مؤكدًا أن ثقة المواطن لا تُبنى بالشعارات، وإنما بما تحققه المؤسسات من نتائج ملموسة على أرض الواقع.
دعم مسارات التسوية
أكد الأمين العام استمرار دعم الجامعة لمسارات التسوية السياسية في السودان وسوريا واليمن وليبيا والصومال، مع التشديد على الحفاظ على وحدة الدول، ووقف النزاعات المسلحة، وتعزيز الاستجابة الإنسانية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين بصورة آمنة وكريمة.
مواقف عززت الرسائل
خلال الساعات التالية لمؤتمره الصحفي، واصل فهمي إصدار مواقف عكست توجهاته الدبلوماسية ورسخت الرسائل التي طرحها منذ توليه المنصب.
ففي الملف الفلسطيني، انتقد تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي بشأن إقامة بؤر استيطانية عسكرية في شمال قطاع غزة، مؤكدًا أن الجرائم بحق المدنيين لا تسقط بالتقادم، وأن مرتكبيها سيخضعون للمساءلة القانونية، كما وصف الحكومة الإسرائيلية بأنها واقعة تحت هيمنة تيار الاستيطان.

وفي ملف الأمن الإقليمي، أدان الاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية، واصفًا إياها بالأعمال الإرهابية المرفوضة.وعلى الصعيد الدبلوماسي، أجرى اتصالًا هاتفيًا مع وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد، تناول خلاله مستجدات الأوضاع الإقليمية، كما وجه رسائل إلى سلوفينيا والاتحاد الأوروبي اعتراضًا على أي توجه يستهدف التراجع عن الاعتراف بدولة فلسطين.
اختبار التنفيذ
تعكس الرسائل التي أطلقها نبيل فهمي منذ توليه منصبه، بحسب مراقبين، محاولة لإعادة تموضع جامعة الدول العربية على أسس أكثر فاعلية، تجمع بين التمسك بالثوابت العربية والانفتاح على أدوات العمل الدبلوماسي الحديثة، مع وضع القضية الفلسطينية والأمن القومي العربي وصون سيادة الدول في صدارة الأولويات.غير أن نجاح هذه الرؤية سيظل مرهونًا بقدرة الأمانة العامة والدول الأعضاء على تحويل هذه المبادئ إلى سياسات وآليات عمل مشتركة، بما يعزز التنسيق العربي ويعيد للجامعة دورها كمنصة فاعلة لصياغة موقف عربي موحد في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة.





