ما بعد صندوق النقد.. هل تنجح الحكومة في بناء اقتصاد يقوده الإنتاج والقطاع الخاص؟

  • مصادر تكشف لـ«ليبرالي» عن لجنة حكومية لإعداد برنامج اقتصادي جديد بمشاركة القطاع الخاص والمجتمع المدني، وخبراء يدعون إلى إصلاحات هيكلية تعزز الإنتاج والتصدير والاستثمار.

تسير مصر بخطى متسارعة لتعويض تأثيرات الحرب الإيرانية الصهيوأمريكية وما تلاها من تداعيات اقتصادية وإقليمية؛ من خلال اطلاق برنامج اقتصاد وطني لمراحل ما بعد إتمام برنامج التسهيل الممدد مع صندوق النقد الدولي بتوجيه من الرئيس عبد الفتاح السيسي.

تأتي تكليفات القيادة السياسية للحكومة بتحريك الاقتصاد القائم على التنافسية بعد انتهاء برنامج المراجعة السادسة والسابعة من صندوق النقد الدولي؛ من خلال تشجيع الانتاج و تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر لتحقيق التنمية الشاملة.

لجنة اقتصادية لتنفيذ تكليفات الرئيس

كشفت مصادر حكومية لـ ليبرالي، عن بدء تشكيل لجنة داخل المجموعة الاقتصادية لوضع تصور لإعداد برنامج اقتصادي مدعوم من القطاع الخاص والمجتمع المدني.

أوضحت المصادر أن تلك اللجنة ستضم وزارات ” المالية، الاستثمار والتجارة الخارجية، التخطيط والتنمية الاقتصادية، التنمية المحلية والبيئة،الصناعة،النقل والمواصلات،الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، السياحة، جهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة” بالإضافة لشراكة البنك المركزي المصري والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدنى بخلاف الاتحادات النوعية بما في ذلك الاتحاد المصري لجمعيات المستثمرين و الاتحاد العام للغرف التجارية.

قالت المصادر إن اللجنة ستكون بمثابة مجموعة عمل مشتركة تتضمن وضع مؤشرات دورية و أهداف محددة لدعم قطاعات اقتصادية محددة تركز على دعم الصناعة والانتاج لتوفير المزيد من فرص العمل و دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، موضحة أن اللجنة ستعمل علي توسيع نطاق المشروعات الريادية القائمة على التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي.

ستعمل اللجنة بحسب المصادر على وضع جداول زمنية لعرض مشكلات المستثمرين والاستثمار في مصر للترويج للفرص الاستثمارية بالبلاد؛ بما في ذلك المشكلات الضريبية وتخصيص الأراضي بالإضافة لآليات سداد مديونيات بعض المستثمرين وغيرها.

أضاف أن اللجنة ستعمد لوضع حوافز وتيسيرات لدعم بيئة الاستثمار وتفتح آفاق أمام صغار المستثمرين المحليين بهدف جذب الاستثمارات الأجنبية.

تحديات أمام الحكومة

وعلي سياق متصل قال حسام عيد ،مساعد رئيس حزب العدل للشؤون الاقتصادية والخبير الاقتصادي؛ إن اعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي بوضع مخطط لما بعد صندوق النقد الدولي، يعد خطوة استراتيجية مهمة في مسيرة الجمهورية الجديدة.

وأوضح لـ ليبرالي، أن  البرنامج الاقتصادي الوطني في حال تنفيذه بكفاءة وشفافية، يمكن أن يحول مصر إلى اقتصاد ناشئ قوي قادر على تحقيق نمو مستدام ينعكس إيجابًا على حياة المواطنين. النجاح يعتمد على التنفيذ الدقيق والتكيف المستمر مع المتغيرات.

واعتبر “عيد” أن هذا التحول ليس مجرد برنامج اقتصادي، بل عقد اجتماعي جديد يعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن بالإضافة إلي أنه يعكس نضجًا في الرؤية الاقتصادية، حيث يربط الاستقرار المالي مباشرة بتحسين معيشة المواطن (الوظائف، الأجور الحقيقية، الخدمات). هذا الربط ضروري لتعزيز الشرعية الاجتماعية والاستدامة.

وطلب ” عيد” من الحكومة بضرورة العمل والتركيز على مرونة الاقتصاد أمام الصدمات الجيوسياسية (مثل أزمات الطاقة، سلاسل التوريد، والتوترات الإقليمية) يعزز قدرة مصر على الصمود.

وأوضح أن تنفيذ البرنامج يبنغي أن يكرس لفكرة الانتقال من الاستقرار إلى النمو يتطلب إصلاحات هيكلية عميقة تحسين بيئة الأعمال، مكافحة البيروقراطية، تطوير البنية التحتية، بالإضافة لتمكين القطاع الخاص من خلال  اتاحة حوافز حقيقية مثل تسهيل التمويل، حماية الاستثمار، تقليل المنافسة غير العادلة من الكيانات الحكومية.

وأوضح أنه يجب ربط البرنامج بمؤشرات ملموسة مثل انخفاض البطالة، زيادة الدخل الحقيقي، وتقليل التضخم المزمن، فأي تأخير قد يؤثر سلبًا على الثقة العامة.

وأشار إلي ضرورة أن تراعى الحكومة خلال تطبيق ذلك البرنامج تأثيرات  ارتفاع أسعار الفائدة،و تقلبات العملات والتوترات الجيوسياسية، بالإضافة لوضع جدول زمني محدد مع مؤشرات أداء رئيسية (KPIs) يُعلن عنها بشفافية.

وأوصي ” عبد ” على ضرورة اتاحة مشاركة مجتمعية تتضمن إشراك القطاع الخاص والخبراء والمجتمع المدني في صياغة التفاصيل لضمان الملكية الوطنية، و كذا التركيز على القطاعات الواعدة مثل الصناعات التحويلية، الزراعة الذكية، السياحة المستدامة، والتكنولوجيا والطاقة المتجددة.

كما ينبغي العمل بالشفافية والحوكمة لتعزيز آليات مكافحة الفساد ومراقبة الأداء لضمان وصول العوائد إلى المواطن المصري .

محاور للتمويل

 من جانبه قال قال المهندس حازم الشريف المحلل المالي والاقتصادي،  إن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بإعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد برنامج صندوق النقد الدولي تمثل نقطة تحول مهمة في مسار الاقتصاد المصري، وتعكس توجه الدولة للانتقال من مرحلة الإصلاحات المرتبطة بتحقيق الاستقرار المالي ومعالجة الاختلالات الاقتصادية، إلى مرحلة تستهدف بناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو المستدام، يعتمد على الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمارات.

وأوضح الشريف أن المرحلة المقبلة تتطلب صياغة رؤية اقتصادية وطنية تنطلق من أولويات الدولة المصرية واحتياجاتها التنموية، مع الحفاظ على ما تحقق من مؤشرات الاستقرار الاقتصادي، والعمل في الوقت نفسه على تعزيز معدلات النمو الحقيقي ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد.

وأضاف أن البرنامج الاقتصادي الجديد ينبغي أن يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية، أولها تعزيز الاعتماد على الموارد الذاتية وتقليل الاعتماد التدريجي على التمويلات الخارجية، بما يسهم في رفع قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلبات والأزمات العالمية، ويعزز مرونة السياسة الاقتصادية.

وأشار إلى أن المحور الثاني يتمثل في إعادة هيكلة الاقتصاد لصالح القطاعات الإنتاجية، من خلال زيادة مساهمة الصناعة والزراعة، إلى جانب الاقتصاد الرقمي وتكنولوجيا المعلومات، باعتبارها القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص عمل مستدامة، وزيادة الصادرات، وتوفير موارد مستدامة من النقد الأجنبي.

وأكد الشريف أن تمكين القطاع الخاص يجب أن يكون ركيزة أساسية في البرنامج الاقتصادي، عبر تسريع تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة، وتعزيز مبدأ الحياد التنافسي، وتبسيط الإجراءات أمام المستثمرين، بما يرفع ثقة القطاع الخاص المحلي والأجنبي ويحفز ضخ استثمارات جديدة في السوق المصرية.

وشدد على أن تحسين مناخ الاستثمار يتطلب استقرارًا تشريعيًا وضريبيًا، وسرعة في إصدار التراخيص وتخصيص الأراضي، إلى جانب تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية، بما يجعل مصر مركزًا إقليميًا للإنتاج والتصدير.

برنامج لدعم الاقتصاد

وأضاف أن إدارة الدين العام يجب أن تظل ضمن أولويات السياسة الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة، من خلال خفض تكلفة الاقتراض، وإطالة آجال الدين، وتوجيه الإنفاق العام نحو المشروعات ذات العائد الاقتصادي المرتفع، مع توسيع القاعدة الضريبية ودمج الاقتصاد غير الرسمي، بما يعزز الإيرادات العامة دون فرض أعباء إضافية على المستثمرين.

وأكد الشريف أن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل عنصرًا حاسمًا في نجاح أي برنامج اقتصادي، من خلال تطوير منظومة التعليم، خاصة التعليم الفني، والارتقاء بالخدمات الصحية، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا، بما يحقق نموًا اقتصاديًا أكثر شمولًا وعدالة.

واختتم الشريف تصريحاته بالتأكيد على أن زيادة الصادرات يجب أن تكون هدفًا استراتيجيًا خلال السنوات المقبلة، عبر فتح أسواق جديدة، خاصة في القارة الأفريقية، وتقديم حوافز للمصدرين، وتطوير سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، بما يعزز تدفقات النقد الأجنبي، ويخفض الضغوط على سوق الصرف، ويدعم تحقيق معدلات نمو مستدامة للاقتصاد المصري.

ؤ