منيرة المهدية.. غنت لسعد زغلول وقدمت فيلمًا وحيدًا وانتهت جنازتها بـ5 أشخاص

نهاد شعبان

“سلطانة الطرب” التي كسرت التقاليد وفتحت باب المسرح للنساء

في زمن كانت المرأة فيه تجلس بالمقاعد الخلفية، خرج صوت من قلب الريف المصري ليشق طريقه إلى مسارح القاهرة، ويعلن ميلاد أول امرأة تقف على خشبة المسرح في مصر والعالم العربي، لم تكن مجرد مطربة عابرة، بل حالة فنية واجتماعية وسياسية صنعت لنفسها مكانًا في تاريخ الفن المصري، إنها منيرة المهدية، المرأة التي عرفها الجمهور بلقب “سلطانة الطرب”، وعرفت هي جيدًا كيف تحول صوتها إلى قوة لا يستطيع المجتمع تجاهلها.

طفولة اليتم.. والبداية من الشرقية
ولدت زكية حسن منصور، الشهيرة لاحقًا باسم منيرة المهدية، في 16 مايو عام 1885 بمحافظة الشرقية، لم تعرف الطفلة الصغيرة دفء العائلة طويلاً، فقد فقدت والدتها وهي رضيعة، ثم رحل والدها قبل أن تُكمل عامها الثاني، لتنتقل بعدها إلى الإسكندرية حيث تكفلت شقيقتها الكبرى بتربيتها.

كبرت الفتاة وسط ظروف قاسية، لكن الله منحها ما سيغير حياتها بالكامل، صوتًا قويًا وعذبًا جذب الأنظار مبكرًا، وفي أحد لقاءاتها النادرة، كشفت منيرة أنها غيرت اسمها الحقيقي حفاظًا على تقاليد العائلة، فأصبحت “منيرة المهدية” بدلاً من زكية حسن منصور.

وحين بلغت الخامسة عشرة، عادت إلى الشرقية، وهناك بدأت تغني في حفلات السيدات، قبل أن تنتقل إلى الغناء في القرى والمدن المجاورة، لم تكن تدرك أن تلك الحفلات البسيطة ستكون الخطوة الأولى نحو صناعة أسطورة فنية كاملة.

من مقهى صغير إلى نجمة القاهرة
في إحدى حفلاتها بالقاهرة، تصادف وجود محمد فرج، صاحب مقهى صغير قرب باب الشعرية، أعجب بصوت الفتاة الريفية وطلب منها الغناء في مقهاه، ومن هناك بدأت الحكاية الحقيقية، حيث تحول المقهى إلى محطة يتوافد إليها عشاق الطرب، وصار اسم منيرة يتردد في أوساط القاهرة الفنية، كان صوتها مختلفًا، يحمل قوة الأداء الشعبي مع إحساس الطرب الكلاسيكي، لذلك حرص كبار الفنانين على حضور حفلاتها، وعلى رأسهم الشيخ سلامة حجازي.

ومع ازدياد شعبيتها، افتتحت منيرة مقهاها الخاص “نزهة النفوس”، الذي تحول إلى ملتقى للفنانين والمثقفين والسياسيين والصحفيين، وهناك بدأت الصحافة تمنحها ألقابها الشهيرة: “الست منيرة”، “مطربة الأزبكية الأولى”، ثم اللقب الذي التصق بها حتى رحيلها “سلطانة الطرب”.

المرأة التي كسرت أبواب المسرح
في بدايات القرن العشرين، كان ظهور المرأة على المسرح أمرًا صادمًا للمجتمع المحافظ، حتى إن أدوار النساء كانت تُقدم أحيانًا بواسطة رجال، لكن منيرة قررت أن تكسر القاعدة.

صعدت خشبة المسرح للمرة الأولى مع فرقة عزيز عيد، لكنها اضطرت في البداية إلى تقديم أدوار الرجال بسبب العادات والتقاليد، وحين بدأ المجتمع يتقبل تدريجيًا وجود النساء على المسرح، ظهرت بشخصيتها الحقيقية، لتصبح أول سيدة تقف على خشبة المسرح في مصر والوطن العربي.

لم يكن الأمر مجرد خطوة فنية، بل ثورة اجتماعية كاملة، واجهت هجومًا من المتشددين، لكنها استمرت، وكأنها كانت تدرك أنها لا تدافع عن نفسها فقط، بل تفتح الباب لجيل كامل من النساء بعدها.

المسرح الغنائي.. مشروعها الفني الأكبر
لم تكتف منيرة بالغناء، بل خاضت تجربة التمثيل المسرحي وأسست فرقتها الخاصة، وأعادت تقديم أعمال الشيخ سلامة حجازي مثل “صلاح الدين” و”ضحية الغواية” و”علي نور الدين”، قبل أن تقدم عروضًا جديدة مثل “كله يومين”، و”كلام في سرك”، و”الغندورة”، و”صاحبة الملايين” و”حرم المفتش”.كانت تدير فرقتها بوعي فني وتجاري متقدم بالنسبة لزمنها، وتعاملت مع الفن باعتباره مشروعًا متكاملًا، لا مجرد حفلات غنائية، كما لعبت دورًا مهمًا في اكتشاف ودعم عدد من كبار الملحنين الذين أصبحوا لاحقًا علامات في الموسيقى العربية، حيث تعاونت مع سيد درويش ومحمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي.

أما على شاشة السينما، فقدمت فيلمًا وحيدًا عام 1935 بعنوان الغندورة، المأخوذ عن مسرحيتها الشهيرة بالاسم نفسه.

منيرة المهدية واكتشاف عبد الوهاب
يُنسب إلى منيرة المهدية فضل اكتشاف محمد عبد الوهاب، فبعد وفاة سيد درويش قبل استكمال ألحان مسرحية “كليوباترا”، أسندت منيرة المهمة إلى الشاب عبد الوهاب، ومنحته دور البطولة أيضًا.

وقف عبد الوهاب على المسرح في دور “أنطونيو”، وكانت تلك فرصة ذهبية صنعت انطلاقته الحقيقية، ومع مرور الوقت، بدأ نجم عبد الوهاب يلمع بقوة، حتى صار حضوره أحيانًا يطغى على حضور منيرة نفسها.

الفن والسياسة.. صوت يغني للوطن
لم يكن فن منيرة بعيدًا عن السياسة، خلال ثورة 1919، تحولت أغانيها إلى رسائل وطنية ضد الاحتلال الإنجليزي، كانت تتمتع بعلاقات واسعة مع رجال السياسة والنخبة، كما امتلكت شخصية قوية جعلت الاحتلال يتجنب الصدام المباشر معها.

وفي الوقت الذي كان فيه مجرد ذكر اسم الزعيم سعد زغلول جريمة قد تؤدي إلى السجن والجلد، غنت منيرة له بحيلة ذكية قائلة:

شال الحمام حط الحمام

من مصر السعيدة لما السودان

زغلول وقلبي مال إليه

أنده له لما أحتاج إليه”

وبذلك تحول صوتها إلى وسيلة مقاومة شعبية، بينما أصبحت المسرحيات الغنائية مساحة للتعبير الوطني.

حياة خلف الأضواء
عاشت منيرة حياة اجتماعية مضطربة، تزوجت أربع مرات، وكانت حياتها الشخصية دائمًا محط اهتمام الصحافة والجمهور، ومن زوجها الثالث حسن كمال أنجبت ابنتها الوحيدة “نعمات”، التي اعتبرتها أعظم هدية في حياتها.

وكانت شهرتها طاغية إلى درجة أن إحدى شركات الدخان وضعت صورتها على علب السجائر تحت اسم “دخان منيرة”، في واقعة تعكس حجم حضورها الجماهيري وقتها.

كما عُرفت منيرة بجرأتها ودفاعها عن تحرير المرأة، حيث رفضت الصورة التقليدية المفروضة على النساء، وفرضت نفسها داخل عالم كان يسيطر عليه الرجال بالكامل.

أم كلثوم.. بداية النهاية
في عشرينيات القرن الماضي، بدأت مطربة شابة قادمة من الريف تلفت الأنظار في القاهرة وهي أم كلثوم، سمعت منيرة عن الفتاة الجديدة التي بدأت تستقطب جمهور “السميعة”، فذهبت متخفية إلى إحدى حفلاتها مرتدية “الملاية اللف” والبرقع، وما إن شاهدت تفاعل الجمهور الكبير حتى غادرت الحفل قبل نهايته.

تقدمت أم كلثوم سريعًا إلى الصدارة، بينما بدأ نجم منيرة يتراجع تدريجيًا مع تغير الذوق الفني وظهور الإذاعة والسينما بشكل أوسع، وترددت وقتها شائعات عن استخدام منيرة للصحافة في الهجوم على أم كلثوم، لكن الحقيقة المؤكدة أن المنافسة بينهما كانت انعكاسًا لتحول كبير في شكل الغناء المصري.

أول صوت نسائي في الإذاعة
رغم تراجع نجوميتها لاحقًا، ظلت منيرة صاحبة سبق تاريخي مهم، فقد كانت أول مطربة تغني في الإذاعة المصرية، كما كانت من أوائل من سجلوا الأسطوانات الموسيقية.

ومن أشهر أغانيها “أسمر ملك روحي”، و”يا زهر البساتين”، و”حبك يا سيدي”، و”يمامة حلوة”، و”جوز الحمام”،  لكن معظم تسجيلاتها القديمة وصلت إلى الأجيال التالية بجودة ضعيفة، بسبب عدم إعادة تسجيلها بتقنيات أحدث.

العودة الأخيرة.. حين بكت أم كلثوم
بعد سنوات من الابتعاد، قررت منيرة العودة إلى المسرح عام 1948 عبر حفل خاص، لكن الزمن كان قد تغير كثيرًا، ظهرت سلطانة الطرب متعبة، شاحبة، تسعل كثيرًا أثناء الغناء بسبب ولعها الشديد بالشيشة.

لم يتفاعل الجمهور كما اعتادت، وأدركت هي للمرة الأولى أن لكل فنان زمنه الخاص، أُسدل الستار على الحفل، وقررت بعدها الاعتزال نهائيًا.

وفي إحدى “البنورات” داخل المسرح، جلست امرأة تبكي تأثرًا بالمشهد، كانت تلك المرأة هي أم كلثوم نفسها، التي شاهدت النهاية الحزينة لنجمة كانت يومًا تملأ الدنيا طربًا.

النهاية الحزينة لسلطانة الطرب
في سنواتها الأخيرة، عاشت منيرة المهدية وحيدة داخل منزلها، تحيط بها الأوسمة وشهادات التكريم، بينها وسام العلوم والفنون الذي منحها إياه الرئيس جمال عبد الناصر.

لكن المجد القديم لم يمنع قسوة الوحدة، وفي 11 مارس 1965، رحلت منيرة المهدية عن عمر ناهز 79 عامًا، في جنازة لم يحضرها سوى خمسة أشخاص فقط هم حفيدها، وموظف من نقابة الفنانين، وثلاثة من أصدقائها، لتنتهي حياة المرأة التي هز صوتها المسارح يومًا، وغنت للوطن والحب والثورة، لكنها بقيت رغم النهاية الحزينة، واحدة من أهم علامات الفن المصري الحديث.