صراع الكبار على خشبة المسرح “الملك لير” و”بودي جارد”عروض صنعت جماهيرية “الزعيم” و”الفخراني”

بين تراجيديا “شكسبير” الخالدة وكوميديا “الزعيم” الساخرة، يمتلك المسرح العربي محطات استثنائية تجاوزت فكرة العرض المؤقت لتتحول إلى ظواهر تاريخية عاصرت أجيالاً وتبدلت على خشبتها مصائر ووجوه، وفي قراءة لدفاتر المسرح المصري، يبرز اسمان حطما الأرقام القياسية في الاستمرارية والجماهيرية، الفنان القدير يحيى الفخراني في روائعه التراجيدية “الملك لير”، والزعيم عادل إمام في آخر ملاحمه المسرحية “بودي جارد” حيث نجح كلاهما في رفع ستار العرض لقرابة العقد من الزمان، في معادلة فنية صعبة قوامها عشق الجمهور وموهبة لا تشيخ.

الملك لير” ربع قرن من التنقل بين “القومي” و”القطاع الخاص

لم تكن مسرحية “الملك لير” للفنان يحيى الفخراني مجرد عرض عابر، بل تحولت إلى علامة فارقة في تاريخ المسرح المصري، ممتدة عبر مواسم متباعدة على مدار نحو 25 عاماً منذ إطلاقها الأول عام 2001، ولم تأتِ هذه الاستمرارية في دورة واحدة، بل رصدت التقارير ثلاث محطات رئيسية.

المحطة الأولى الزمن الذهبي للمسرح القومي انطلق العرض الأول عام 2001 واستمر بنجاح ساحق لـ 7 سنوات متتالية حتى عام 2008 العرض الذي أنتجه مسرح الدولة وأخرجه الراحل أحمد عبد الحليم، شارك في بطولته أشرف عبد الغفور، وسوسن بدر، وريهام عبد الغفور، وتجاوزت إيراداته ملايين الجنيهات محققاً أكثر من 100 ليلة عرض في مواسمه الأولى..

المحطة الثانية مغامرة القطاع الخاص، في إبريل 2019، أُعيد إحياء النص برؤية عصرية مغايرة مع شركة “كايرو شو” ومن إخراج تامر كرم، استمر العرض قرابة السنتين (2019 – 2020) وشهد جولات عربية بارزة بموسم الرياض، وشارك في بطولته الراحل فاروق الفيشاوي، ورانيا فريد شوقي، وأحمد فؤاد سليم.

المحطة الثالثة العودة إلى الجذور، عاد المسرح القومي ليرتدي عباءة “لير” مجدداً، حيث بدأت التحضيرات والبروفات المكثفة لإعادة إحياء العرض بإنتاج جديد في أواخر عام 2024، ليفتتح أبوابه رسمياً للجمهور بعد إنهاء الترتيبات الإدارية والميزانيات برؤية المخرج شادي سرور.

محصلة “لير” عند حساب السنوات الفنية الفعلية التي أضاءت فيها المسرحية أنوار الخشبة، نجد أنها غطت ما يقرب من 9 إلى 10 سنوات عرض فعلي مجتمعة ممتدة من مطلع الألفية وحتى يومنا هذا.

بودي جارد” 11 عاماً من الصمود المتواصل في وجه الأزمات

في المقابل، يتربع الزعيم عادل إمام على عرش أطول فترات العرض المتواصل بدون توقف في تاريخ المسرح العربي بمسرحيته الشهيرة “بودي جارد”، والتي ظلت لافتة “كامل العدد” مصاحبة لها طيلة 11 عاماً متتالية من عام 1999 وحتى عام 2010

وقد مرت المسرحية التي انطلقت من تأليف يوسف معاطي وإخراج رامي إمام إنتاج فرقة الفنانين المتحدين لسمير خفاجي بمحطات درامية مثيرة كواليسها إذ بدأت الرحلة بقوة على خشبة مسرح الهرم، قبل أن تواجه صدمة كبرى عام 2000 بوفاة الفنان مصطفى متولي المفاجئة بعد عام واحد من العروض، ليحل مكانه الفنان محمد أبو داوود في ليلة وصفت بأنها الأصعب في تاريخ الفرقة، كما شهدت خشبة المسرح ما يشبه “لعبة الكراسي الموسيقية” على صعيد البطولة النسائية، حيث افتتحت الفنانة شيرين سيف النصر العروض، ثم اعتذرت لتحل مكانها الفنانة رغدة لعام كامل، قبل أن تعود شيرين مجدداً، لتستقر المسرحية في محطتها الأخيرة عند “رغدة” التي قامت بتصوير العرض تليفزيونياً.

ولم يسدل الستار على هذه الملحمة إلا في عام 2010 نتيجة الركود الاقتصادي ومشاكل التسويق التليفزيوني، بالتزامن مع تفرغ الزعيم لفيلم “زهايمر”، لتبقى المسرحية حبيسة الأدراج سنوات طويلة، حتى أفرجت عنها منصة “شاهد” الرقمية في عرضها الأول للجمهور.

في النهاية، تُثبت الأرقام والتواريخ أن “الملك لير” و”بودي جارد” لم يكونا مجرد مواسم ترفيهية، بل هما وثيقتان فنيتان تعكسان قدرة “القمم الفنية” المصرية على صياغة ظواهر جماهيرية عابرة للزمن، لتبقى خشبة المسرح شاهدة على عصر ذهبي قاده الفخراني والزعيم.

أكد الناقد الفني جرجس شكري أن المقارنة بين عرضي “الملك لير” للنجم يحيى الفخراني، و”بودي جارد” للزعيم عادل إمام، تكشف عن فوارق جوهرية كبيرة بين التجربتين، معتبراً أن تفوق “الملك لير” يمثل انتصاراً للقيمة الدرامية، في حين استمدت “بودي جارد” قوتها من الكاريزما الاستثنائية لبطلها.

لغز استمرار “بودي جارد”

وأوضح شكري أن استمرار مسرحية “بودي جارد” لمدة 11 عاماً متتالية لم يكن بسبب جودة النص، بل يعود بالدرجة الأولى إلى الحضور الفذ للفنان عادل إمام، وما يمتلكه من مواهب أدائية متفردة وأدوات تمثيلية طاغية كمؤدي كوميدي، رغم أن “بودي جارد” ليست أفضل أعمال عادل إمام المسرحية، وإذا ما قورنت بروائعه السابقة مثل “شاهد ما شفش حاجة”، “الزعيم”، و”مدرسة المشاغبين” سنجدها الأقل أهمية، إلا أن شخصية الزعيم وحدها كانت الوقود الفعلي لاستمرار العرض طوال هذه السنوات.

الملك لير” ثلاثية النجاح وعوامل الصدارة

وفي سياق متصل، أشار الناقد الفني إلى أن روائع “الملك لير” قُدمت ثلاث مرات، الأولى مع المخرج أحمد عبد الحليم، والثانية في إطار مسرح القطاع الخاص، بينما تُعرض في المرة الثالثة حالياً على خشبة المسرح القومي برؤية إخراجية جديدة.

وجزم شكري بأن النسخة الأولى “للمخرج أحمد عبد الحليم” تظل هي الأفضل والأقوى، نظراً لتوافر مقومات فنية استثنائية لم تتكرر، ومن أبرزها، عبقرية النص المكتوب بصياغة الكاتب العالمي وليم شكسبير.

الرؤية الإخراجية المتميزة والعميقة للأستاذ أحمد عبد الحليم، التناغم الكبير بين كتيبة الممثلين المحترفين الذين شاركوا في البطولة، مثل أشرف عبد الغفور، سوسن بدر، سلوى محمد علي، وريهام عبد الغفور.

انحياز الجمهور للدراما الإنسانية

واختتم شكري تحليله بالإشارة إلى أنه على الرغم من العلاقة الوطيدة والطيبة التي تجمع الفنان يحيى الفخراني بجمهوره، إلا أن سر الانجذاب الجماهيري لـ “الملك لير” يختلف تماماً عن سر نجاح عروض عادل إمام، حيث ينحاز الجمهور هنا إلى الفكرة الإنسانية والدراما العائلية الصادمة التي يطرحها النص، لا سيما قضية “عقوق الأبناء”، وهي الفكرة المأساوية التي مست قلوب المشاهدين وجعلتهم يتعاطفون بعمق مع العرض.