لم يكن ليمر الأسبوع الأول لعرض الفيلم السينمائي الجديد «أسد» مرور الكرام، فبينما يواصل العمل زحفه السريع نحو قمة الإيرادات، فتح باب واسعاً ومؤجلاً للنقاش حول قضية العبودية باعتبارها ميراثاً ثقيلاً في التاريخ الإنساني، وحول الطريقة التي يتعين على السينما المحلية تناول هذا الملف الشائك بها دون الوقوع في فخ “الاستيراد الثقافي” أو إسقاط سرديات غربية على واقع مصري مغاير.
وعلى صعيد شباك التذاكر، واصل فيلم “أسد” بطولة “محمد رمضان” وإخراج “محمد دياب” تربعه على عرش الصدارة، محققاً في رابع أيام عرضه إيراداً يومياً ضخماً بلغ 4 ملايين و29 ألف جنيه (بواقع 25 ألف تذكرة)، ليرفع إجمالي حصيلته في 4 أيام فقط إلى 17 مليوناً و432 ألف جنيه.
هذه الصدارة المطلقة تركت بقية الأعمال المتنافسة في مراكز متباينة، حيث حلّ في المركز الثاني فيلم “الكلام على إيه” محققاً 2 مليون و611 ألف جنيه (بواقع 16 ألف تذكرة)، ليصل إجمالي إيراداته بعد 4 أيام عرض إلى 10 ملايين و636 ألف جنيه، في حين استقر فيلم “برشامة” بالمركز الثالث محققاً 414 ألف جنيه (ألفي تذكرة)، لكنه واصل كتابة التاريخ السينمائي بعد 8 أسابيع عرض بإجمالي إيرادات ضخم بلغ 208 ملايين و726 ألف جنيه، ليصبح رسمياً في المركز الثاني بقائمة الأفلام الأعلى إيراداً في تاريخ السينما المصرية من حيث القيمة الاسمية، متجاوزاً الرقم المسجل باسم فيلم “سيكو سيكو” (185 مليوناً)، وملاحقاً المتصدر التاريخي “ولاد رزق “الذي تربع على القمة بـ 260 مليون جنيه.
دراما التمرد.. 6 سنوات من التحضير لوجه مغاير لـ”رمضان”

تتمحور أحداث “أسد” في مصر خلال القرن التاسع عشر، حول طفل يختطف من أسرته في إفريقيا ويباع في مصر ليصبح عبداً يحمل روحاً متمردة وصلبة، تنقلب حياته رأساً على عقب إثر قصة حب “محرمة” تجمعه بامرأة حرة، مما يشعل شرارة ثورة غضب ومواجهة مباشرة مع أسياده للمطالبة بحريته وسلبهم عناصر قوتهم.
وفي تصريحات خاصة، كشف مخرج العمل محمد دياب أن الفيلم استغرق 6 سنوات من التحضير والتنفيذ الشاق بين تصميم الديكورات والأزياء التاريخية المعقدة، وأثنى دياب على الشجاعة الفنية للفنان محمد رمضان، مؤكداً أنه يقدم في هذا العمل وجهاً مغايراً تماماً لما اعتاده الجمهور، حيث يتخلى عن قالب البطل الشعبي التقليدي ليغوص في أبعاد إنسانية مركبة فرضتها طبيعة الشخصية التي يشارك في تجسيد صراعاتها نخبة من النجوم، أبرزهم “ماجد الكدواني”، “رزان جمال”، “علي قاسم”، “كامل الباشا”، “إسلام مبارك”، و”أحمد داش”.
الفخ الغربي والخلط التاريخي.. لماذا يثير الفيلم الجدل؟
رغم النجاح الجماهيري الكاسح، تفجرت أزمة نقدية وفكرية حادة حول الفيلم، فالعمل الذي يعلن صناعه أنه “روائي خيالي لا يستهدف التوثيق”، واجه اتهامات بوقوعه في فخ “تغريب الصراع الاجتماعي” ونقله عن النموذج الأمريكي.
ويرى منتقدو الفيلم أن السيناريو استدعى نموذجاً بصرياً ودرامياً أقرب إلى تجربة العبودية في مزارع القطن الأمريكية “عبيد سود، أقفاص، إذلال جسدي، ومعاملة حيوانية تعقبها ثورة خلاص جماعي”، وهي مفردات تنتمي للوعي الغربي وتاريخ الولايات المتحدة، ولا تتقاطع مع السياق التاريخي والاجتماعي المصري في القرن التاسع عشر.
ويشير باحثون إلى أن التاريخ الإسلامي عرف بالفعل واحدة من أعنف ثورات الرق، وهي “ثورة الزنج” بقيادة علي بن محمد (255هـ – 270هـ) في عهد الدولة العباسية، والتي أسست كياناً مستقلاً يُدعى مدينة “المختارة” وقتل فيها عشرات الآلاف لكن تلك التجربة وقعت في سياق عراقي عباسي محدد لارتباطها بمستنقعات البصرة، ولم تشهد مصر رغم تاريخها الطويل مع الحركات السياسية والاجتماعية ثورة عرقية بهذا المفهوم، أو بالمنطق البصري المقتبس من السينما الغربية في فيلم “أسد”.
شاشات لا تبحث عن براءة.. حدود الخيال والمسؤولية الفنية

لا يستهدف النقاش المثار حول الفيلم تبرئة التاريخ المحلي من ممارسات الرق المظلمة فمصر لم تكن خارج التاريخ الإنساني، لكن الإشكالية بحسب آراء النقاد تكمن في مسؤولية الصورة.
إن ربط الخيال السينمائي بمكان حقيقي مثل القاهرة وحقبة تاريخية معلومة، يحمل بالضرورة مسؤولية أخلاقية وفنية، فالسينما وإن لم تكن كتاب تاريخ، إلا أنها ليست بريئة من أثر الصورة في تشكيل الوعي الجماعي، لا سيما حين تتعرض لقضايا الهوية وصورة مصر في محيطها الإفريقي. وبعيداً عن منطق المنع والوصاية، فإن الأزمة الحقيقية التي فجرها “أسد” تثبت أن السينما المصرية في حاجة ماسة للتعامل مع التاريخ بجرأة مغلفة بالدقة والحساسية، فالمطلب ليس تحويل الشاشات إلى حصص مدرسية أو وثائق أرشيفية، بل الكف عن “استسهال استيراد القوالب البصرية الجاهزة”، فالتاريخ والذاكرة المجتمعية لا يُحميان بالإنكار، ولا يُفهمان بالتزوير، ولا يُنصفان أبداً بـ “الاستيراد
ب







