“شارع الفن”.. هل تتحول وسط البلد الي متحف للمشاة فقط؟

من حق كل مواطن، أن ينعم بمساحة نابضة بالحياة تجمع بين المتعة والراحة النفسية ممزوجة بالإبداع والجمال وروح المجتمع بشكل “مجاني”وما بين الهوية البصرية والقيم الفنية تم عمل مشروع “شارع الفن” بمنطقة مثلث البورصة وشارع الشريفين في وسط البلد، لتتحول فيه الجدران والأرصفة إلى لوحات مفتوحة تعكس ثقافة المكان وهويته الفنية.

والهدف من الشارع استقطاب الزوار والفنانين من مختلف الأعمار، بما يقدمه من عروض تشكيلية وموسيقية ومشاهد إبداعية تمنح المارة تجربة بصرية وثقافية مميزة.

الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، أشار إلى أن مبادرة”شارع الفن” تمت في إطار تفعيل بروتوكول التعاون المشترك بين محافظة القاهرة وأكاديمية الفنون بوزارة الثقافة، الموقع تحت عنوان: “التعاون الفني المشترك ضمن استراتيجية جسور الإبداع لإتاحة الفنون واحتضان المواهب في ربوع القاهرة”، وتنفيذ عدد من المبادرات النوعية، من أبرزها مبادرة “شارع الفن”، التي تستهدف تحويل شوارع العاصمة إلى منصات مفتوحة للإبداع والفنون، إلى جانب مشروع “كشك الموسيقى والفنون” لتقديم عروض موسيقية وفنية داخل الحدائق والمتنزهات العامة.

تأهيل المبدعين الشباب لسوق العمل الفني الاحترافي

إنشاء مركز متخصص للدعم الفني والتقني، وتأهيل المبدعين الشباب لسوق العمل الفني الاحترافي، يضيف صابر، بما يسهم في اكتشاف المواهب ورعايتها، وتحويل الطاقات الإبداعية إلى قوة داعمة للتنمية والوعي المجتمعي.

ووفقُا لنصوص البرتوكول، تتولى محافظة القاهرة توفير الدعم اللوجستي والمالي والتسويقي، وتأمين مواقع الفعاليات، واستخراج التصاريح اللازمة، فيما تتولى أكاديمية الفنون الإشراف الفني والأكاديمي، وإعداد البرامج والأنشطة الفنية، واختيار الكوادر والمواهب المشاركة، بما يضمن تقديم محتوى راقٍ يعكس الهوية الثقافية المصرية ويحافظ على التراث الوطني.

وأوضح محافظ القاهرة، أن ذلك يأتي في إطار توجه الدولة نحو دعم الصناعات الثقافية والإبداعية، وتعزيز دور الفنون في بناء الإنسان المصري وترسيخ الهوية الوطنية، بما يسهم في رفع مستوى الذوق العام واستعادة جمال الماضي، حينما كانت الحدائق والشوارع مسارح مفتوحة للفنون والأغاني الراقية التي ترتقي بالذوق العام.

تحويل بعض شوارع وسط البلد للمشاة فقط

وأكد صابر أن النشاط الثقافي أصبح من أسرع القطاعات نموًا، ومحركًا رئيسًا للنمو الاجتماعي، الأمر الذي جعله يحظى بأولوية ضمن استراتيجيات التنمية، لما له من دور محوري في دعم الثراء الثقافي، وتأسيس منظومة قيم إيجابية تحترم التنوع، وتعزز الانتماء والهوية الوطنية.

وفي السياق ذاته، قال المتحدث باسم مجلس الوزراء، المستشار محمد الحمصاني، إن مبادرة “شارع الفن” ضمن عملية تطوير منطقة وسط البلد بالقاهرة، وذلك من خلال بروتوكول تعاون بين محافظة القاهرة ووزارة الثقافة لإقامة عدد من الفعاليات الفنية بمنطقة وسط البلد وتحديدا في عدد من المناطق مثل شارع الفن.

وبشأن إمكانية تحويل بعض شوارع وسط البلد للمشاة فقط، لفت الحمصاني إلى التركيز في المرحلة الحالية على تطوير الشوارع والمحاور الرئيسية في منطقة وسط البلد، حيث تم الانتهاء من 3 مراحل ويتبقى المرحلة الرابعة والتي ستنتهي قبل نهاية العام الجاري.

غلق الشوارع أمام حركة السيارات مثل العديد من دول العالم

دراسة إمكانية غلق الشوارع أمام حركة السيارات وليس بالضرورة أن تغلق بالكامل، ولكن يمكن إغلاقها في ساعة معينة مثل العديد من دول العالم وإتاحتها للمشاة، يوضح الحمصاني، مؤكدا على أن الموضوع خاضع للدراسة سواء لأسلوب الغلق أو الشوارع التي سيتم غلقها.

بدوره، أوضح المهندس محمد أبو سعدة، رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، أن الجهاز قام بالإشراف والدعم الفني والتصميم لمراحل المشروع المختلفة، بالتعاون مع وزارة الإسكان ومحافظة القاهرة.

ويضيف أبوسعدة، أن المرحلة الأولى تضمنت تطوير شارع الشريفين من خلال ترميم واجهات العقارات المطلة عليه، وتطوير الأرضيات، وتحويل الشارع إلى ممر للمشاة، وقد تم الانتهاء من تلك المرحلة بالكامل.

“شارع الفن” ضمن رؤية مصر 2030

الجهاز يواصل حاليًا دوره الفني في المرحلة الثانية من المشروع، حسب أبو سعدة، منوهًا بأن المرحلة الثانية تشمل ممر القاضي الفاضل وتفرعاته، حيث تم الانتهاء من نحو 95% من أعمال تطوير واجهات المنطقة لعدد 10 عقارات، إلى جانب استمرار أعمال تطوير الأرضيات.

وسردت الدكتورة نبيلة حسن، تفاصيل عن مبادرة “شارع الفن” والتي تأتي في إطار تنفيذ أهداف “رؤية مصر 2030″، التي تستهدف تحقيق التنمية المستدامة وبناء الإنسان المصري.

وأفادت حسن، بأن المبادرة تتضمن إقامة فعاليات فنية وثقافية متنوعة، تشمل الرسم، والعزف، والغناء، والرقص، والرسم على الأرض، وفن عرائس الماريونت، والكاريكاتير، وذلك انطلاقًا من رؤية تستهدف إتاحة الفنون للجمهور في الفضاءات المفتوحة، والارتقاء بالذوق العام، وتنمية المواهب الشابة، وتفعيل التواصل المباشر مع المواطنين.

تخفيف التوتر والقلق..وفرصة للهروب من الضغوط

وفقًا لأطباء ومختصون نفسيون، يُعد الفن أحد الوسائل المهمة للتفريغ الانفعالي وتحسين الصحة النفسية، إذ تساعد المشاهد الجمالية والموسيقى والفنون البصرية على تقليل التوتر والقلق، وتحفيز مشاعر التفاؤل والطاقة الإيجابية.

ويؤكد الدكتور أحمد خيري حافظ، أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس، أن تعميم فكرة شوارع الفن سواء في القاهرة أو المحافظات كافة، سينعكس نفسيًا واجتماعيًا إيجابيًا على المواطن المصري، لما تمنحه من إحساس بالجمال والانتماء والراحة وسط ضغوط الحياة اليومية، فعندما تتحول الشوارع إلى مساحات مليئة بالألوان والرسومات والعروض الفنية، يشعر المواطن بأن مدينته أكثر حيوية وإنسانية، وهو ما ينعكس مباشرة على حالته النفسية والمزاجية.

الفنون البصرية والموسيقية تساهم في تخفيف التوتر والقلق، إذ تمنح الناس فرصة للهروب من الضغوط النفسية، يضيف حافظ، كما تعزز شوارع الفن الشعور بالفخر بالمكان، خاصة عندما تعبر الرسومات والعروض عن الهوية المصرية والتراث الشعبي لكل محافظة، فيشعر المواطن بأن ثقافته وتاريخه حاضران في تفاصيل حياته اليومية.

استغلال شوارع الفن في المحافظات التي تعاني من الضغوط الاقتصادية

ومن الجوانب المهمة أيضًا، كما يشير حافظ، أن هذه الشوارع تشجع على التفاعل المجتمعي والتقارب بين الناس، حيث تتحول إلى نقاط تجمع للعائلات والشباب والفنانين، ما يخلق حالة من التواصل الإيجابي ويقلل من مشاعر العزلة والغضب.

وتمنح شوارع الفن، الشباب مساحة للتعبير عن أفكارهم ومواهبهم بطريقة حضارية، وهو ما يعزز الثقة بالنفس والإحساس بقيمة الإبداع.

ويشر حافظ إلى أنه يكمن استغلال شوارع الفن في المحافظات التي تعاني من الزحام أو الضغوط الاقتصادية لاستمتاع وراحة نفسية للمواطن “مجانًا” لدقائق أو ساعة أو ساعتين، تعيد شحن طاقته، بحيث تصبح شوارع الفن متنفسًا نفسيًا وثقافيًا يخفف من حدة الضغوط اليومية، كما يؤكد حافظ، ويُعيد للإنسان علاقته بالجمال والأمل.

وشدد حافظ على أن انتشار شوارع الفن في مصر، لن ينعكس فقط على الشكل الحضاري للمدن، بل يمتد تأثيره إلى بناء مواطن أكثر توازنًا وارتباطًا بمجتمعه ووطنه.