نهاد شعبان

تحل اليوم الثلاثاء، الذكرى الحادية عشرة لرحيل الفنان القدير حسن مصطفى، أحد أهم أعمدة الكوميديا العربية، والرجل الذي ارتبط اسمه في ذاكرة الجمهور بشخصية “الناظر” في مسرحية مدرسة المشاغبين، حتى ظهر وكأنه لم يكن يؤدي الدور، بل كان يجسد حالة كاملة من الهيبة الممزوجة بخفة الظل، وفي 19 مايو 2015، غاب حسن مصطفى عن عالمنا، لكن حضوره لم يغب عن الشاشات ولا عن قلوب المشاهدين، فما زالت أعماله تُعرض يوميا، وما زال الجمهور يضحك من القلب أمام مشاهده التي جمعت بين البساطة والذكاء، وبين الكوميديا الهادئة والإنسانية العميقة.

بدايات المسرح
وُلد حسن مصطفى في 26 يونيو 1933، وتخرج من المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1957، ليبدأ رحلة طويلة داخل عالم الفن، تدرج خلالها من خشبة المسرح إلى قلوب الملايين، وعمل مع فرق كبرى مثل فرقة إسماعيل يس، وفرقة الفنانين المتحدين، ومسارح التليفزيون، حتى أصبح واحدًا من أبرز نجوم المسرح الكوميدي في مصر والعالم العربي.
ورغم عشرات الأعمال التي قدمها، ظل المسرح بيته الأول، والمكان الذي شعر فيه بأنه الأقرب إلى الجمهور، وكان دائم الاعتزاز ببداياته المسرحية، معتبرًا أن مسرحية “أصل وصورة” كانت نقطة التحول الحقيقية في حياته الفنية، لأنها عرفت الجمهور باسمه ومنحته مكانة مختلفة على الساحة الفنية، ولم يكن يُخفي حبه الكبير لمدينة الإسكندرية التي قُدم فيها العرض، حيث كان يراها مدينة التفاؤل والبدايات الجميلة.

رؤية خاصة
حسن مصطفى لم يكن مجرد ممثل كوميدي يطلق الإفيهات لتنطلق الضحكات، بل كان صاحب فلسفة فنية واضحة تقوم على احترام عقل الجمهور، ففي أحاديثه النادرة، كان يؤكد دائما أن المشاهد هو “الرقيب الحقيقي”، وأن الفنان الحقيقي لا يستهين أبدًا بذوق الناس أو وعيهم، لذلك ظل حريصا طوال مشواره على تقديم أعمال نظيفة وبسيطة وعميقة في الوقت نفسه.
هذه الفلسفة انعكست بوضوح على اختياراته الفنية، سواء في المسرح أو السينما أو التلفزيون، ففي الوقت الذي كان يمكنه الاكتفاء بتكرار نجاحه الكوميدي، فضل التنويع وتقديم شخصيات مختلفة تحمل روحًا إنسانية خاصة.

مجد المسرح
على خشبة المسرح، صنع حسن مصطفى مجدا استثنائيا بأعمال أصبحت جزءا من ذاكرة المصريين والعرب، مثل مدرسة المشاغبين، والعيال كبرت، وسيدتي الجميلة، وحواء الساعة 12، وكانت طريقته الخاصة في الأداء سببا في تفرده، حيث امتلك قدرة نادرة على صناعة الضحك دون افتعال، وعلى فرض حضوره حتى في الأدوار المساعدة.
أما في السينما، فقدم مجموعة كبيرة من الأفلام المهمة، من بينها نص ساعة جواز، وغريب في بيتي، ومرجان أحمد مرجان، وأضواء المدينة، ويوميات نائب في الأرياف، وغيرها من الأعمال التي أثبتت أن الممثل الحقيقي لا تقاس قيمته بحجم الدور، بل بقدرته على ترك أثر لا يُنسى.

حكمة الحياة
ورغم النجاح الكبير الذي حققه، ظل حسن مصطفى إنسانا بسيطا، يؤمن بأن الحكمة الحقيقية تكمن في الإنصات أكثر من الكلام، وكان يقول إن البصيرة وحسن الاستماع من أهم الصفات التي ساعدته في اتخاذ قراراته طوال حياته، مؤكدا أنه لم يشعر يوما بالندم تجاه أي محطة مر بها، لأنه كان يفكر جيدا قبل أن يختار.
كما كشف في أحد أحاديثه عن حلم فني كان يتمنى تحقيقه، وهو تقديم عرض مسرحي غنائي استعراضي متكامل بموسيقى حية على المسرح، وبدأ بالفعل في التحضير للفكرة، لكن الظروف لم تمنحه فرصة تنفيذ هذا المشروع.

ميمي جمال
وربما كانت أكثر المحطات تأثيرا في حياته، قصة حبه مع زوجته الفنانة ميمي جمال، في واحدة من أشهر قصص الحب داخل الوسط الفني، بدأت العلاقة بصداقة داخل فرقة التليفزيون المسرحية، قبل أن تتحول إلى قصة حب قوية واجهت كثيرا من العقبات، أبرزها اعتراض أسرة ميمي جمال بسبب فارق السن، إضافة إلى كونه متزوجا سابقا، لكن إصرار ميمي جمال وتمسكها بحبه جعلا الزواج يتم في 26 يونيو 1966، بالتزامن مع عيد ميلاده، ليستمر قرابة نصف قرن كامل، في علاقة نادرة داخل الوسط الفني اتسمت بالهدوء والوفاء والتفاهم، وأثمرت عن توأم هما نجلاء ونورا.
وبعد 11 عامًا على رحيله، لا يبدو حسن مصطفى مجرد فنان من زمن جميل، بل قيمة فنية وإنسانية يصعب تكرارها، فقد نجح في أن يكون “ناظر الكوميديا” الحقيقي، ليس فقط داخل “مدرسة المشاغبين”، بل في مدرسة الفن المصري كله، حيث تجد الاحترام يسبق الضحك، والإنسانية تسبق الشهرة.







