
أثار ما جرى تداوله مؤخرًا بشأن وثائق أمريكية رفعت عنها السرية، تعود إلى عام 1952، وتتضمن إشارات إلى وجود معبد سري تحت تمثال أبو الهول، حالة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات حول مدى صحة تلك الادعاءات وما إذا كانت تستند إلى أدلة أثرية حقيقية.
وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة مونيكا حنا، أستاذة علم المصريات والآثار، أن هذه الروايات ليست جديدة، بل تُعاد صياغتها كل فترة في إطار ما وصفته بـ”نظريات المؤامرة المرتبطة بالحضارة المصرية القديمة”، قائلة إن الحديث عن وجود معبد أو غرف سرية أسفل أبو الهول يُثار منذ عقود، مضيفة أن:” هذا الموضوع قديم جدًا، ويتكرر باستمرار بأشكال مختلفة، لكنه لا يستند إلى أي دليل علمي حقيقي”.
وأوضحت لـ “ليبرالي” أن هناك بعثات علمية متخصصة أجرت في السابق عمليات “Coring”، وهي تقنية تعتمد على أخذ عينات ودراسات من باطن الأرض والصخور المحيطة بالموقع الأثري، للتأكد من طبيعة التكوينات أسفل المنطقة المحيطة بأبو الهول، متابعة أنه تم بالفعل إجراء دراسات علمية وفحوصات ميدانية في المنطقة، ولم يتم العثور على أي شيء يشير إلى وجود معبد أو مدينة مخفية أسفل أبو الهول”.
وأكدت “حنا” أن مثل هذه الادعاءات تنتشر عادة بسبب الغموض التاريخي المحيط بالآثار المصرية، إلى جانب انجذاب الجمهور لفكرة الأسرار الحضارية المفقودة، مشددة على أن البحث الأثري يعتمد على الأدلة العلمية الموثقة، وليس على التكهنات أو الروايات المثيرة.
افتتاح أفرع للمتحف المصري الكبير بالخارج
وحول دراسة مقترح مصري بشأن افتتاح أفرع للمتحف المصري الكبير في الخارج ونقل بعض القطع الأثرية إليها، قالت مونيكا إن فكرة تكرار نموذج المتحف المصري الكبير خارج مصر، أو نقل قطع أثرية فريدة لإقامة معارض دائمة بالخارج، تثير العديد من المخاوف الأثرية والاقتصادية، مضيفة:” بصراحة، فكرة إننا نكرر فكرة المتحف المصري الكبير برة مصر أو نعمل معارض دائمة لآثاره في الخارج دي فكرة سيئة جدًا”.
وأوضحت أن نقل القطع الأثرية النادرة وتحريكها بشكل متكرر يمثل خطرًا حقيقيًا عليها، حتى مع وجود إجراءات التأمين والحفظ الحديثة، مؤكدة أن أي عملية نقل قد تعرض القطع للتلف أو الفقد، خاصة عندما يتعلق الأمر بآثار فريدة لا يمكن تعويضها، متابعة:” القطع دي مش مجرد معروضات عادية، دي تراث إنساني فريد، وأي مخاطرة بنقلها المستمر لازم تتحسب بدقة شديدة”، مؤكدة أن العائد الاقتصادي الحقيقي للآثار المصرية يتحقق عندما يأتي السائح إلى مصر بنفسه، وليس عبر مشاهدة بعض القطع في معارض خارجية.
وأضافت أستاذة علم المصريات والآثار:” لو بصينا للغة الأرقام وإحصائيات السياحة العالمية، هنلاقي إن السائح لما بيسافر مصر بنفسه، العائد الاقتصادي والمبالغ إللي بيصرفها داخل البلد بتوصل من 40 إلى 100 ضعف مقارنة بمجرد تذكرة لمعرض مؤقت في بلده”، مشيرة إلى أن إنفاق السائح لا يقتصر على تذكرة دخول المتحف، بل يمتد إلى الفنادق والطيران والمطاعم والبازارات ووسائل النقل، وهو ما يخلق ما وصفته بالتأثير المضاعف الذي ينعش الاقتصاد المحلي ويوفر فرص عمل لقطاعات واسعة من المصريين.
وشددت على أن الحفاظ على مركزية التجربة الثقافية داخل مصر هو جزء أساسي من حماية القيمة الحضارية والاقتصادية للآثار المصرية، معتبرة أن المتحف المصري الكبير يجب أن يظل عنصر جذب يدفع العالم لزيارة مصر، لا أن تنتقل التجربة نفسها إلى الخارج.
جدل الأفروسنتريك وتصوير المصريين القدماء ببشرة سوداء
وحول الجدل المرتبط بتصوير المصريين القدماء ببشرة داكنة، في ظل ادعاءات بعض تيارات الأفروسنتريك بأنهم أصحاب الحضارة المصرية، قالت مونيكا حنا إن الجدل الدائر حول ألوان بشرة المصريين القدماء يتم التعامل معه أحيانًا بطريقة شديدة التبسيط والاختزال، مؤكدة أنه لا توجد مشكلة في أن تظهر الرسومات أو الأعمال الفنية بدرجات بشرة داكنة أو فاتحة، مضيفة:” مفيش مشكلة إن الرسومات تبقى بدرجات داكنة أو فاتحة، وضروري نخرج من فكرة العنصرية البيضاء أو السوداء”.
وأكدت أن الحقيقة التاريخية أكثر تعقيدًا وثراءً من محاولات اختزال الحضارة المصرية القديمة في تصنيف عرقي واحد، سواء من بعض تيارات الأفروسنتريك أو من التيارات المقابلة التي تتبنى تصورًا عرقيًا معاكسًا، قائلة إن:” الحقيقة التاريخية إللي بتنسف ادعاءات الأفروسنتريك إللي فاكرين مصر سودا بس، وكمان الكمايتة المتطرفين إللي شايفينها بيضا ونقية بس، هي إن مصر القديمة عمرها ما كانت بلون واحد”، موضحة أن مصر القديمة كانت مجتمعًا كوزموبوليتانيًا مفتوحًا بحكم موقعها الجغرافي الفريد، حيث شكلت نقطة التقاء بين قارات العالم القديم، ما جعلها بوتقة انصهار حضاري وبشري عبر آلاف السنين، متابعة:” كان فيه كل الدرجات من البشرة الداكنة في الجنوب للبشرة الفاتحة في الشمال، وده شيء طبيعي جدًا بحكم الجغرافيا والتاريخ”.
وشددت على أن المصريين القدماء لم يكونوا ينظرون إلى الهوية من منظور التصنيفات العرقية الحديثة، بل كان معيار الانتماء لديهم مرتبطًا بالثقافة واللغة والولاء للدولة والحضارة، مشيرة إلى أن:” المصريين القدماء لم يكن عندهم هوس التصنيف العرقي الحديث، ولذلك محاولة اختزال الحضارة العظيمة دي في خناقة أبيض وأسود هي قمة السطحية والعنصرية”.

تكرار تشويه الآثار المصرية
وحول تكرار المشكلات الفنية وحالات التشويه التي تتعرض لها بعض الآثار المصرية، أكدت مونيكا حنا أن تطوير قطاع الآثار والحفاظ الحقيقي على التراث المصري يتطلب الاعتماد على المتخصصين والخبراء الأكاديميين وأصحاب الخبرة العلمية، مضيفة أن هناك عددًا كبيرًا من الباحثين والمتخصصين لديهم استعداد كامل للمساهمة في حماية الآثار المصرية وتقديم خبراتهم دون أي مقابل، انطلاقًا من مسئوليتهم تجاه الحضارة المصرية وتراثها الإنساني الفريد، قائلة إن:” الترميم مش مجرد رد فعل بعد الأزمة، لكن لازم يكون فيه إدارة علمية حقيقية للمواقع الأثرية، وخطط وقائية، واستعانة دائمة بالمتخصصين، لأن دي حضارة تخص الإنسانية كلها”.
وشددت على ضرورة وجود منظومة مؤسسية تسمح بإشراك الأكاديميين والباحثين في اتخاذ القرارات المرتبطة بالترميم والحفظ والإدارة الأثرية، بما يضمن الحفاظ على المواقع الأثرية المصرية بصورة تليق بقيمتها الحضارية والتاريخية أمام العالم.
قانون فرنسا لاسترداد الآثار.. خطوة مهمة
وحول رأيها في قرار فرنسا بإقرار قانون يسمح باستعادة الآثار التي خرجت خلال فترات الاستعمار، قالت مونيكا حنا إن مصادقة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على قانون جديد يهدف إلى تسهيل إعادة الأعمال الفنية والقطع الأثرية التي خرجت من بلدانها خلال فترات الاستعمار، تمثل خطوة مهمة وتحولًا لافتًا في ملف استرداد الممتلكات الثقافية عالميًا.
وأوضحت أن البرلمان الفرنسي أقر قانونًا يسمح بإعادة الممتلكات الأثرية والفنية التي خرجت من بلدانها الأصلية خلال الحقبة الاستعمارية، في محاولة لإعادة بناء العلاقات الثقافية مع الدول الأفريقية على أسس جديدة تقوم على الاعتراف بالتاريخ والتعاون الثقافي.
وأضافت أن هذه الخطوة تأتي بعد سنوات من النقاشات الرسمية التي بدأت منذ خطاب “ماكرون” في العاصمة البوركينية واغادوغو عام 2017، عندما دعا إلى فتح صفحة جديدة مع أفريقيا تقوم على المصالحة الثقافية وإعادة النظر في وضع الممتلكات الثقافية التي غادرت القارة خلال الحقبة الاستعمارية.
وأشارت إلى أن القانون الفرنسي الجديد يضع إطارًا قانونيًا يسمح بإخراج بعض القطع الأثرية من المجموعات الوطنية الفرنسية وإعادتها إلى بلدانها الأصلية، بشرط إثبات خروجها بطرق غير مشروعة خلال الفترة ما بين 1815 و1972، مع مراجعة الطلبات من خلال لجان علمية وبرلمانية متخصصة، كما يمنح القانون الحكومة الفرنسية صلاحيات أوسع لتسريع إجراءات إعادة القطع الأثرية عبر إصدار مراسيم حكومية مباشرة، بدلًا من الاعتماد على المسارات التشريعية الطويلة التي كانت تستغرق سنوات.
وأكدت “حنا” أن فرنسا تمتلك عددًا كبيرًا من الآثار المصرية، وأن ملف استرداد التراث المنهوب يُعد من أهم الملفات التي يجب العمل عليها بصورة جادة ومنظمة خلال المرحلة المقبلة، قائلة إن:” فرنسا تملك عددًا كبيرًا من الآثار المصرية، وإحنا بنسعى لاستعادتها منذ سنوات”.
وأضافت أن هذا الملف جرى العمل عليه ضمن مشروع بحثي منذ عام 2018 بمشاركة باحثين ومتخصصين في تاريخ الفن والتراث الثقافي، من بينهم باحثون من جامعات أوروبية وفنانون أفارقة، بهدف إعداد دراسات وآليات عملية لاستعادة التراث الأفريقي الموجود داخل المتاحف الغربية.
وأوضحت أن فترة الحملة الفرنسية على مصر شهدت نقل أعداد كبيرة من القطع الأثرية والمخطوطات المصرية إلى الخارج، مشيرة إلى أن اتفاقية استسلام أبو قير تضمنت حصول الجيش الفرنسي على قطع أثرية صغيرة، بينما حصل الإنجليز على عدد من القطع الكبرى، إلى جانب نقل مخطوطات ووثائق من الجامع الأزهر لا تزال محفوظة داخل المكتبة الوطنية الفرنسية.
وأضافت أن من بين الأمثلة الصادمة احتفاظ فرنسا بجمجمة المناضل سليمان الحلبي، والتي استُخدمت لفترات طويلة كنموذج لما كان يُعرف بـ«جمجمة المجرم»، بالإضافة إلى احتفاظها بالخنجر الذي استخدمه في اغتيال القائد الفرنسي جان باتيست كليبر عام 1800.
وأكدت أن الآثار المصرية موزعة اليوم على عدد كبير من المتاحف العالمية، وليس فقط داخل متحف اللوفر، مشيرة إلى أن لدى الفريق البحثي قواعد بيانات ووثائق تتضمن معلومات تفصيلية عن عدد كبير من القطع الأثرية المصرية الموجودة بالخارج، موضحة أن من أبرز القطع التي تسعى مصر لاستعادتها: حجر رشيد، إلى جانب رأس الملكة نفرتيتي الموجود حاليًا في المتحف الجديد ببرلين.
وشددت “حنا” على ضرورة مواصلة العمل لاستعادة ما وصفته بالجرم التاريخي، مؤكدة أن مصر لديها الكثير من الآثار التي تستحق الاسترداد من المتاحف والمؤسسات الدولية المختلفة، معربة عن فخرها بالمشاركة في المشروع البحثي بكلية الآثار والتراث الحضاري تحت عنوان “العمل على استرداد التراث”، والذي ساهم في إنشاء منصات ومواقع متخصصة لدعم جهود استعادة التراث المصري، من بينها موقع استعادة حجر رشيد، وموقع عودة رأس نفرتيتي لموطنها.







