في ذكرى ميلاده الثمانين «الساحر» رحلة النجومية من الدوامة إلى أبوهيبة

تحل اليوم، الرابع من يونيو، الذكرى الثمانون لميلاد “ساحر السينما المصرية” الفنان القدير محمود عبد العزيز، ورغم رحيله عن دنيانا في نوفمبر 2016 عن عمر ناهز 70 عاماً، إلا أن مدرسة التشخيص التي أسسها بأدائه الفريد لا تزال حية في وجدان الجماهير، كشاهد على أن الفن الحقيقي لا يطويه الغياب.

من تربية النحل إلى ساحات الفن البداية والإبحار

ولد محمود عبد العزيز عام 1946 في حي “الورديان” العريق بالإسكندرية، لأسرة متوسطة، وعلى الرغم من دراسته العلمية وحصوله على بكالوريوس الزراعة من جامعة الإسكندرية ثم درجة الماجستير في “تربية النحل”، إلا أن شغفه بالتمثيل الذي بدأ على مسرح الجامعة غيّر مجرى حياته تماماً.

انطلق قطاره الفني في بداية السبعينيات عبر الشاشة الصغيرة في مسلسل “الدوامة” برفقة النجمين محمود ياسين ونيللي، وتحت قيادة المخرج نور الدمرداش، وفي عام 1974، سجّل بوابته الذهبية نحو السينما في الفيلم الكلاسيكي “الحفيد”، تلاها بأول بطولة مطلقة في فيلم “حتى آخر العمر” عام 1975، ليقدم في سنواته الأولى نحو 25 فيلماً جسد فيها أدوار الشاب الرومانسي والوسيم.

ثورة التمرد والتحول: عبقرية “التشخيص الكامل

مع بداية الثمانينيات، تمرد “الساحر” على أدوار الفتى الوسيم، ودخل مرحلة النضج الفني ليتحول إلى ما وصفه النقاد بـ “رئيس جمهورية التشخيص” مناصفة مع الراحل أحمد زكي، تلونت أدواره بين الواقعية، الكوميديا السوداء، والفانتازيا، مقدماً ما يقارب 84 فيلماً سينمائياً، اختيرت 3 منها ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.

“خامس” محطات سينمائية وتلفزيونية صاغت أسطورة الساحر

الشيخ حسني “الكيت كات” بعد أكثر من ثلاثة عقود على الفيلم المأخوذ عن رواية “مالك الحزين”، يظل مشهد قيادة الشيخ حسني الضرير للدراجة النارية أحد أعظم مشاهد الفانتازيا والدراما في تاريخ السينما العربية، حيث فجّر من خلاله المخرج داود عبد السيد طاقات عبد العزيز الإبداعية.

“رأفت الهجان” الملحمة الوطنية الأبرز في تاريخ الدراما العربية المأخوذة من ملفات المخابرات المصرية، صاغ محمود عبد العزيز ملامح “رفعت الجمال” باقتدار، ولا يزال مشهد بكائه الصامت عند سماع نبأ عبور أكتوبر 1973 في قلب إسرائيل محفوراً في الذاكرة الجمعية.

عبد الملك زرزور “إبراهيم الأبيض” في واحد من أواخر أدواره السينمائية، فاجأ الجمهور بتقديم شخصية زعيم العصابة العجوز المهيب بسلاسة مرعبة وقدرة فائقة على المغامرة الفنية والتجدد.

محمود “سيداتي آنساتي” بالتعاون مع المخرج الفيلسوف رأفت الميهي، قدم تجربة كوميدية جريئة تناقش أزمة السكن وتبادل الأدوار بين الرجل والمرأة، مجسداً دور دكتور في الفيزياء تضطره الظروف للعمل “ساعياً” والزواج من أربع سيدات دفعة واحدة.

أحمد “السادة الرجال” ثنائية فريدة جمعته بالراحلة معالي زايد في فيلم فانتازي جريء، لعب فيه دور الزوج المصري البسيط المغلوب على أمره أمام زوجته التي تقرر التحول إلى رجل.

شهادات: إنسانية طاغية خلف الكاميرا

لم تكن نجومية الراحل وليدة موهبته الفنية الفذة فحسب، بل بفضل طاقته الإنسانية التي تركت أثراً عميقاً في كل من اقترب منه، وفي شهادات سابقة لنجوم الفن عبر إذاعة «نجوم إف إم»، استعاد ذكرياتهم معه، “مصطفى أبو سريع” العمل معه في مسلسل “رأس الغول” كان حلم حياتي ونقلة فنية كبرى، لقد رشحني بنفسه بعد متابعته لأعمالي القصيرة، وكان أباً ومعلماً في البلاتوه، “سلوى خطاب” امتدت رحلتنا من “رأفت الهجان” إلى “الساحر” و”جبل الحلال”، محمود عبد العزيز كان مخلصاً ومبدعاً بشكل مبهر، وكان قريباً من قلوب الجميع لخفته ودفئه، “مي سليم” جسدت دور ابنته في “جبل الحلال”، وكان يتمتع بقدرة استثنائية على احتواء الوجوه الشابة، ومخلصاً بشدة لعمله وخفيف الظل، “محمد نجاتي” هو وأحمد زكي رؤساء جمهورية التشخيص، مدرسة التقمص لديه جعلت كل دور يختلف تماماً عن الآخر، محمود المصري ليس هو الهجان، ولا يشبه “زرزور” أو “الشيخ حسني”.

تكريمات الدولة والوصية الأخيرة

حصد الساحر خلال مسيرته عشرات الجوائز المحلية والدولية، من أبرزها جائزة أفضل ممثل عن أفلام “الكيت كات”، “القبطان”، و”الساحر” من مهرجان دمشق السينمائي، وأفضل ممثل عن “سوق المتعة” من مهرجان القاهرة السينمائي، كما حظي اسم الراحل بتكريمات رفيعة بعد وفاته، كان أبرزها تكريم الرئيس عبد الفتاح السيسي لاسمه في المؤتمر الوطني للشباب بالإسكندرية باعتباره رمزاً من أبناء المدينة، بجانب تكريم اسمه في مهرجان القاهرة للدراما بمدينة العلمين الجديدة.

الوصية والأمتار الأخيرة

في لقاء تلفزيوني سابق، كشف نجله الفنان محمد محمود عبد العزيز عن الوصية الأخيرة لوالده قبل رحيله في 12 نوفمبر 2016، حيث أوصى بأن يُدفن في مسقط رأسه وحبه الأول، حي الورديان بمحافظة الإسكندرية، وأن تُرش مياه البحر الأبيض المتوسط على قبره، ليعود “قبطان السينما المصرية” إلى مرساه الأخير بجوار البحر الذي ألهمه سحر الإبداع.