“النينيو” تطرق أبواب مصر.. صيف أطول وحرارة أشد وضغط على الكهرباء

“الأرصاد الجوية”: “النينيو” ترفع الإحساس بالحرارة حتى 4 درجات مئوية

د. محمود شاهين: ظاهرة متكررة يختلف تأثيرها من دولة لأخرى

مركز معلومات تغير المناخ: “النينيو” تعيد ترتيب مواعيد الزراعة بمصر والمانجو تدفع ثمن تداخل الفصول


بينما يضبط المواطن التكييف في منزله لمجابهة موجات الحر غير المسبوقة خلال فصل الصيف، كانت أجهزة الاستشعار عن بُعد التابعة لهيئة الأرصاد، ترصد نمطًا مغايرًا في الغلاف الجوي، متمثلًا في ظاهرة “النينيو”، والتي أصبحت لاعبًا أساسيًا في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن المصري، لاسيما خلال فصل الصيف وفترات ارتفاع درجات الحرارة.

وحذرت الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، سيليست ساولوط، من تداعيات ظاهرة النينيو المتمثلة في ارتفاع درجة حرارة المحيط الهادئ، وتأثيراتها على الزراعة، وإمدادات الطاقة، والتجارة، والموارد المائية، وسلاسل التوريد، مناشدة جميع الدول بالعمل على تعزيز أنظمة الإنذار المبكر لأن هذه الظاهرة، ستؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة “في كل مكان”، ما سيزيد من حدة الظواهر الجوية الشديدة.

وأضافت “ساولوط”، أن ظاهرة النينيو تُعد محركًا رئيسيًا لأنماط الطقس والمناخ العالمية، ويمتد تأثيرها إلى ما هو أبعد من منشئها في المحيط الهادئ، ومع ارتفاع درجات حرارة المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ بمقدار 6 درجات مئوية فوق المعدل، تتزايد المخاوف من أن ظاهرة النينيو الحالية قد تلحق دمارًا بالمجتمعات الهشة وغير المستعدة في جميع أنحاء العالم. ووفقا للمنظمة تبلغ احتمالية ظهور ظروف النينيو 80% بين شهري يونيو وأغسطس، وترتفع إلى 90% بعد ذلك.

تمتد الظاهرة خلال أشهر الصيف وصولا إلى الشتاء
وفيما يخص مصر، أفادت عضو المركز الإعلامي بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، الدكتورة منار غانم، بأن ظاهرة النينيو تعد واحدة من أهم الظواهر المناخية المؤثرة على الطقس عالميًا، حيث ترتبط بارتفاع درجات حرارة سطح المياه في المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ، وهو ما ينعكس على أنماط الطقس في العديد من دول العالم.

وأضافت “غانم” لـ”ليبرالي” أن النينيو ظاهرة جوية مناخية طبيعية تتكرر كل سنتين إلى 5 أو 7 سنوات، وتتسبب في حدوث تغيرات واضحة في الأنماط الجوية والضغط الجوي عالميًا، لافتة إلى أن تأثيرات الموجة الحالية للظاهرة بدأت بالفعل منذ شهر مايو الماضي، ومتوقع استمرارها لفترة زمنية ما تتراوح بين 9 إلى 12 شهرًا لتمتد تلك الظاهرة خلال أشهر الصيف وصولا إلى الشتاء.

وتشير عضو المركز الإعلامي بالهيئة العامة للأرصاد الجوية إلى أن الظاهرة تبدأ بارتفاع درجات حرارة سطح المياه في المحيط الهادئ، منوهة بأن أي ارتفاع في حرارة المحيطات يؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية، ويزيد بشكل مباشر من وتيرة وتسارع التغيرات المناخية.

زيادة فترات الموجات الحارة لتصبح أطول زمنًا
مصر لا تتأثر بالظاهرة بشكل مباشر كدول المحيطات، ولكنها تتأثر بها بشكل غير مباشر عبر عدة ظواهر، وفقًا لـ”غانم”، ومنها تغير نمط الموجات الحارة، حيث كنا نشهد سابقًا موجات شديدة الحرارة تستمر لعدة أيام ثم تنتهي، لكن تحت تأثير “النينيو”، ستشهد مصر زيادة في فترات تكرار واستمرارية الموجات الحارة لتصبح أطول زمنًا، مع تسجيل قيم درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية المعتادة لمثل هذا الوقت من العام.

وواصلت عضو المركز الإعلامي بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، بأن الظاهرة ستؤدي إلى زيادة عمليات البخر، ما يرفع نسب الرطوبة في الجو بشكل كبير، لاسيما في شهري “الذروة” يوليو وأغسطس،  بالتزامن مع منخفض الهند الموسمي، وهو ما يزيد من شعور المواطنين بالحرارة بقيم تفوق درجات الحرارة المسجلة بنحو 2 إلى 4 درجات مئوية.

وأكدت “غانم” أنه مع اقتراب فصل الصيف جغرافيًا في 21 يونيو، لا يوجد عودة لانخفاض درجات الحرارة إلى المعدلات الباردة، وشددت على ضرورة الاستعداد الجيد عبر تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس وقت الظهيرة، والتواجد في أماكن جيدة التهوية.

زيادة فترات الطقس شديد الحرارة خلال أشهر الصيف
وفي السياق ذاته، قال الدكتور محمود شاهين، مدير عام مركز التنبؤات والإنذار المبكر بهيئة الأرصاد، إن النينيو ظاهرة طبيعية متكررة تحدث كل عدة سنوات، لكن تأثيرها يختلف من منطقة لأخرى وفقًا للموقع الجغرافي وطبيعة الأنظمة الجوية السائدة.

وأضاف “شاهين” لـ”ليبرالي” أن تأثير ظاهرة النينيو على مصر وإن كان محدود نسبيًا إذا ما قورنت مصر بدول أخرى، إلا أن انعكاساتها العالمية تظهر في صورة ارتفاع درجات الحرارة وزيادة فترات الطقس شديد الحرارة خلال أشهر الصيف، لافتًا إلى أن الهيئة تتابع باستمرار المؤشرات المناخية العالمية لإصدار توقعات أكثر دقة بشأن حالة الطقس.

وأكد مدير عام مركز التنبؤات والإنذار المبكر بالأرصاد، أنه على المواطنين الاعتماد على البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للأرصاد الجوية، وعدم الانسياق وراء الشائعات أو التوقعات غير المعتمدة بشأن تأثير الظواهر المناخية المختلفة على مصر.

مدبولي”: صيف هذا العام استثنائيُا
الخطورة لا تكمن في الصيف فقط، كما يري “شاهين”، إلا أن الخطورة لامتداد النينيو لفصلي الخريف والشتاء، عبر دفع التيار النفاث نحو الجنوب، ما يهيئ الفرصة لتشكل حالات عنيفة من عدم الاستقرار الجوي، تترجم على شكل سيول فجائية في سلاسل جبال البحر الأحمر وجنوب سيناء.

وعلى الصعيد الحكومي، لم يكن رئيس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، بمعزل عن هذه الظاهرة، وقال إن”النينيو” ستؤدي إلى موجات حر شديدة في العديد من مناطق العالم، ما يجعل صيف هذا العام استثنائيا من حيث درجات الحرارة والطلب على الطاقة.

وأوضح “مدبولي”، أن الحكومة تركز على تأمين إمدادات الكهرباء والطاقة في ظل التوقعات بارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، وما يترتب عليه من زيادة كبيرة في معدلات استهلاك الكهرباء.

قفزة غير مسبوقة في أحمال الكهرباء
وأضاف “مدبولي”، أن الحكومة تواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في زيادة الاستهلاك المحلي بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، لافتاً إلى صعود أسعار النفط والغاز، ما يرفع فاتورة توفير الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء.

تصريحات رئيس الوزراء تشير إلى تخوف من عودة انقطاع التيار الكهربائي في الصيف، إلا أن وزير الكهرباء، الدكتور محمود عصمت، أكد أن الوزارة لا تضع ضمن خططها أي عودة لانقطاعات التيار الكهربائي خلال صيف 2026، موضحًا أن الحكومة تضع البُعد الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين كأولوية قصوى، وتتحمل الدولة أعباءً إضافية لتأمين استدامة الطاقة دون تحميل المواطن مشقة الانقطاعات في أجواء الصيف الحارة.

وتواجه منظومة الطاقة في مصر خلال فصل الصيف الحالي لعام 2026 تحديا استثنائيا بسبب الارتفاعات القياسية المتوقعة في درجات الحرارة وتأثيرات ظاهرة النينيو المناخية، وتعمل وزارتا الكهرباء والبترول بالتنسيق المباشر لتلبية الطلب القياسي المتوقع.

إدارة مرنة ومشددة لمخزون بحيرة السد العالي
وتشير البيانات الصادرة عن وزارة الكهرباء إلى قفزة غير مسبوقة في أحمال الكهرباء، ومن المتوقع أن يتجاوز متوسط الاستهلاك اليومي حاجز 40 جيجاوات لأول مرة في تاريخ الشبكة الموحدة، مسجلاً زيادة تقدر بنحو 6% إلى 7% مقارنة بالصيف الماضي الذي بلغت ذروته القصوى 39.5 جيجا وات.

ومع دخول الصيف واشتداد موجات الحرارة، ترتفع معدلات استهلاك الوقود اليومية لتأمين الـ 40 ألف جيجاوات، ومتوقع الاستهلاك اليومي للمحطات في الصيف من الغاز الطبيعي سيتراوح ما بين 100 إلى 105 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، بخلاف كميات المازوت، وستتراوح ما بين 13,000 إلى 15,000 طن مازوت يومياً لضمان تشغيل الوحدات بكفاءة في ذروة فصل الصيف.

وحول تأثيرات ظاهرة النينيو على قطاعي المياه والزراعة، في البداية، يوضح الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، استخدم الأقمار الصناعية والنماذج الرياضية بمركز التنبؤ بالفيضانات لرصد سلوك النينيو.

وأشار إلى أن هذه الظاهرة تؤثر على توزع الأمطار في الهضبة الإثيوبية وحوض النيل الأزرق في بعض الدورات، وتسبب جفافاً وفي دورات أخرى تسبب فيضانات عارمة، ما يفرض علينا إدارة مرنة ومشددة لمخزون بحيرة السد العالي لمواجهة أي شح مائي صيفي محتمل ناتج عن زيادة البخر والطلب على مياه الشرب والزراعة.

محصول المانجو تأثر في المواسم الأخيرة بسبب تداخل الفصول
ومن الناحية الزراعية، يؤكد الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة، أن ظاهرة “النينيو” تعيد ترتيب مواعيد الزراعة في مصر، مضيفًا أن الحرارة المرتفعة في غير أوقاتها تسبب ارتباكاً في فيزيولوجيا الزراعات، منوهًا بأن محصول المانجو على سبيل المثال تأثر بشكل مباشر في المواسم الأخيرة بسبب تداخل الفصول وغياب الشتاء البارد المنتظم، ما قلل من إنتاجية الفدان.