تمثل انتخابات المجالس المحلية في مصر أحد أهم الاستحقاقات السياسية والإدارية التي طال انتظارها، وتكتسب في اللحظة الراهنة زخمًا استثنائيًا في ضوء المخرجات التي أفرزتها جلسات الحوار الوطني والتعهدات المستمرة بإصدار قانون جديد للإدارة المحلية، بالنسبة للشباب المصري، لم تعد هذه الانتخابات مجرد استكمال للبناء الدستوري الذي أقرته التعديلات المتعاقبة، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز حيوية لتقييم مدى جدية مسارات الإصلاح السياسي والاقتصادي.
يراقب الجيل الشاب هذه التطورات بعين فاحصة، مدركًا أن غياب المحليات طوال السنوات الماضية ترك فراغًا رقابيًا هائلاً أثر بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية، وتتجاوز تطلعات الشريحة الشبابية في مصر مجرد الحصول على نسب تمثيلية أو مقاعد مضمونة عبر الكوتا الدستورية التي خصصت لهم ربع المقاعد، لتمتد إلى الرغبة العميقة في امتلاك أدوات رقابية وتنفيذية حقيقية وفعالة، يدرك الشباب أن التواجد داخل أروقة المجالس المحلية سيكون بلا قيمة إذا لم يكن مصحوبًا بصلاحيات واسعة تتيح لهم مساءلة المحافظين ورؤساء الأحياء والقيادات التنفيذية بصرامة، لقد سئم هذا الجيل من فكرة المشاركة الصورية أو استخدامهم كديكور سياسي في المشهد العام، وبات يطالب بتشريعات تمنح المجالس المنتخبة حق سحب الثقة من المسؤولين المحليين المقصرين، والمشاركة في صياغة وإقرار الموازنات المحلية بشفافية تامة.
يفرض البعد الاقتصادي نفسه بقوة على أجندة الشباب من انتخابات المحليات، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة التي تشهدها الدولة والضغوط المعيشية المتزايدة، ينظر الشباب إلى الإدارة المحلية باعتبارها إما عائقاً بيروقراطيًا أو مسهلاً استراتيجيًا لطموحاتهم الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، لذا، فإنهم ينتظرون من المجالس القادمة أن تلعب دورًا حاسمًا في تفكيك شبكات التعقيد الإداري والقضاء على الفساد المتجذر في عمليات استخراج التراخيص والتصاريح.
ويسعى الشباب إلى تحويل المحليات من جهات جباية تعرقل الاستثمار الصغير إلى مؤسسات داعمة تخلق بيئة محفزة للعمل الحر، وتوفر مساحات وأراضي للمشروعات الشبابية بآليات شفافة وميسرة، بالإضافة إلى ذلك، يطمح الجيل الجديد في تفعيل الرقابة المحلية الحازمة على الأسواق وضبط الأسعار، ومواجهة الممارسات الاحتكارية على المستوى القاعدي، مما يساهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية عن كاهل الأسر المصرية، ويجعل من المحليات أداة حقيقية لتحقيق التنمية الاقتصادية الموزعة جغرافياً بشكل عادل يحد من الهجرة الداخلية بحثًا عن الفرص.
تتقاطع طموحات الشباب في المجالس المحلية بشكل وثيق مع التحولات العمرانية والمشروعات القومية الضخمة التي شهدتها مصر مؤخرًا، وعلى رأسها المبادرة الرئاسية “حياة كريمة” التي تستهدف تغيير وجه الريف المصري. يرى الشباب أن استدامة هذه الاستثمارات الهائلة وحمايتها من التدهور تتطلب وجود مجالس محلية قوية ومنتخبة تعبر عن الإرادة الشعبية وتتولى مسؤولية المتابعة والتقييم المستمر، إن ضخ مليارات الجنيهات في البنية التحتية والخدمات يحتاج إلى ذراع رقابية شعبية تضمن عدم إهدار هذه الموارد أو تعرضها للإهمال بعد تسليمها.
يمثل التحول الرقمي وتحديث آليات الإدارة المحلية محورًا أساسيًا في رؤية الشباب لمستقبل المحليات في مصر، فهم الجيل الأكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا والأكثر وعيًا بقدرتها على إحداث ثورة في تقديم الخدمات الحكومية، ينتظر الشباب من المجالس المحلية القادمة أن تتبنى استراتيجيات شاملة لرقمنة كافة المعاملات، بما يقضي نهائيا على طوابير الانتظار والمحسوبية والرشوة الصغرى التي لطالما ارتبطت بالأحياء ومجالس المدن.
أخيرًا، تمثل انتخابات المحليات المرتقبة في الوعي الشبابي المعاصر “المدرسة السياسية الأولى” والأكثر أهمية لإنتاج وتدريب الكوادر القيادية المستقبلية للدولة المصرية، ينتظر الشباب أن تكون هذه الانتخابات بمثابة آلية ديمقراطية فعالة لتجديد دماء النخبة السياسية المحلية والوطنية، بعيدًا عن التوريث السياسي أو الاعتماد الحصري على رأس المال والنفوذ العائلي. إن الانخراط في العمل المحلي يتيح للشباب فرصة الاحتكاك المباشر بالمشكلات اليومية للمواطنين، واكتساب مهارات التفاوض، وصياغة السياسات العامة، وإدارة الأزمات على أرض الواقع.





