أثار الأستاذ وائل توفيق، في سياق نقاش ثري حول دور الدولة ومؤسساتها، سؤالًا يستحق التوقف عنده:من يكتب قواعد اللعبة؟،وهو سؤال مشروع، لأنه يلفت الانتباه إلى أن المؤسسات لا تنشأ في فراغ، بل تتشكل داخل سياقات سياسية وتاريخية تعكس توازن القوى والمصالح القائمة؛ لكنني أظن أن هذا السؤال، على أهميته، ليس نهاية النقاش، بل بدايته.
وأودّ، قبل أن أستكمل، أن أسجل ملاحظة حول طريقة إدارة الأستاذ وائل لهذا الحوار، فحين رد على استدعائي لدوغلاس نورث، لم يكتفِ بالاعتراض من خارج هذا الإطار، بل تعمّق أكثر في رؤية نورث نفسها، واستخرج منها وجهًا لم أتناوله.وفي الحقيقة فهذا مسلك محترم جدًا في إدارة الخلاف الفكري بأن يرد عليك الاخر بعمق من داخل المنطلقات نفسها التي اخترتها أنت، ولهذا أقدّم ما يلي استكمالًا لحجته هو نفسه عن التأسيس، لا ردًا آخر عليها.
فإذا كانت كل مؤسسة نتاج لحظة تاريخية معينة، فهذا الوصف لا يقتصر على جهاز دون آخر، فالوزارات، والهيئات، والدساتير، بل والدولة الحديثة نفسها، كلها نشأت في ظروف سياسية محددة تأثرت بموازين القوى السائدة في زمانها.
وكلما تتبعنا سؤال “من كتب القواعد؟” إلى الوراء، وجدنا قواعد أقدم، ثم أسبق، حتى نصل إلى لحظة تأسيسية لا نجد فيها، في أي تجربة تاريخية، إجماعًا خاليًا من أثر القوة أو المصلحة، ولهذا فإن تعليق شرعية أي مؤسسة على نقاء لحظة ميلادها يقود إلى طريق مسدود، لأن هذا المعيار لن يقتصر على الأجهزة الجديدة، بل سيمتد إلى الوزارات والهيئات التي نعدها اليوم جزءًا من البناء الدستوري الطبيعي للدولة.
ومن هنا، فبدلًا من أن نسأل: من كتب القاعدة أول مرة؟ – وهو سؤال تاريخي لا نهاية له، يمكن أن نسأل: هل يملك المتأثرون بهذه القاعدة اليوم وسائل حقيقية لمراجعتها وتعديلها؟ وهنا ينتقل مفهوم الشرعية من كونه حدثًا وقع في الماضي، إلى كونه عملية مستمرة تجري في الحاضر.
جذرهذا الفهم في تراثنا: ابن خلدون والعصبية المتجددة
سبق ابن خلدون، في كتابه “المقدمة”، هذا الفهم بأكثر من ستة قرون، حين لاحظ أن المُلك لا يثبت لصاحبه بمجرد أن يحوزه، بل يحتاج إلى “العصبية” – الرباط الاجتماعي الذي يجمع الحاكم بمن حوله.
وهذه العصبية ليست معطى ثابتًا يُكتسب عند التأسيس ثم يبقى إلى الأبد، بل قوة تتآكل مع توالي الأجيال، فالجيل المؤسس يكون قريبًا من عصبيته، ثم يبدأ الجيل التالي بالانفصال عنها بحكم الترف والاستئثار بالسلطة، حتى تصل الدولة، بعد ثلاثة أو أربعة أجيال كما يقدّر ابن خلدون، إلى فقدان اتصالها بقاعدتها الاجتماعية، فتضعف وتتهاوى مهما كانت قوتها الأصلية.
وقد عبّر عن اشتراط العدل لدوام المُلك في سلسلته المعروفة، بأن “المُلك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل“، وفي فصل عنوانه “الظلم مؤذن بخراب العمران” يبيّن فيه أن انتشار الظلم يضعف الإنتاج ويدفع الناس للهجرة فينهار العمران تدريجيًا.
ورغم اختلاف السياق التاريخي والمفاهيمي، يقترب هذا التحليل من فكرة أن بقاء السلطة لا يعتمد على لحظة التأسيس وحدها، بل على قدرتها المستمرة على الحفاظ على أسباب بقائها.
من شارف إلى أوستروم ونورث الشرعية كعملية
وفي ميدان آخر، وجدت إلينور أوستروم أن نجاح مجتمعات إدارة الموارد المشتركة – كأنظمة الري والغابات – لم يكن مرهونًا بكمال قواعدها عند النشأة، بل بقابليتها للمراجعة من قبل مستخدمي المورد أنفسهم كلما تغيرت الظروف.
وقدّم دوغلاس نورث، مع واليس ووينجاست، تصورًا مكملًا: وينبغي الإقرار بداية (كما نوه الأستاذ وائل ) بأن نورث أقرّ بوضوح بأن المؤسسات لا تُصمم في فراغ، بل هي نتاج صراع تاريخي وموازين قوى، وهذا وصف دقيق.
القاعدة ليست تأسيسية، لكن وجود الأطر لايكفي وحده
فما الذي يظل غائبًا إذن؟ السؤال الإجرائي – من يملك، اليوم، حق تعديل القاعدة؟ – له إجابة واضحة نسبيًا نظريًا: دستور قابل للتعديل، برلمان يشرّع ويراقب، قضاء يراجع القرارات، جهاز مركزي للمحاسبات، لكن وجود هذه الأطر قانونًا لا يعني بالضرورة أنها تعمل دائمًا بالكفاءة أو الاستقلال المطلوبين؛ فتوزيع القوة الفعلي قد لا يسمح لها دائمًا بالمراجعة الحقيقية.
غير أن هذا لا يُسقط قيمتها، بل يعني أن معركة الإصلاح لا تبدأ من فراغ، وإنما من تفعيل هذه الأطر وتوسيع قدرتها الفعلية على المراجعة والمساءلة، لا من إعادة اختراعها من الصفر.
وأعترف أن من الصعب تقييم كل هذا في شكل بحثي أو نظري بحت، منفصل عن سياق اقتصادي عالمي يتغير بسرعة، فالاتجاه الحالي لسياسات الصناعة الوطنية – من الدعم الأمريكي للرقائق والطاقة النظيفة، إلى “الاستقلالية الاستراتيجية” الأوروبية، إلى برامج الحوافز الصناعية في آسيا – يوسّع دور الدولة كمالكة وممولة في كثير من الاقتصادات الكبرى، بصرف النظر عن توجهها الأيديولوجي، وهذا يعني أنه لم يعد الخلاف العملي يدور حول مبدأ تدخل الدولة في حد ذاته، بقدر ما يدور حول حدوده وأدواته وقواعده.
أربعة أسئلة متدرجة الصعوبة
ولعل أفضل تلخيص لموقع الاتفاق والاختلاف بيننا يكون عبر تفكيك النقاش إلى أربعة أسئلة متتالية، تزداد صعوبة كلما تقدمنا فيها.
أولها سؤال الحوكمة: هل نحتاج فصلًا وظيفيًا، وشفافية، ومؤشرات أداء؟ وهذا سؤال أظن أننا متفقون عليه، فلا اشتراكي ولا ليبرالي يرفض هذه المبادئ من حيث المبدأ.
وثانيها سؤال القواعد بمعناها الأشمل: هل ينبغي أن تحكم أي سلطة اقتصادية قواعد واضحة تمنع تضارب المصالح؟ وهذا أيضًا موضع اتفاق بيننا، وإن اختلفنا في تفاصيله.
وثالثها سؤال من يكتب هذه القواعد، وهو ما يدور حوله جزء كبير من هذا الحوار، وهنا لا ينبغي أن نتجاهل أن ثمة رقابات وهيئات وقوانين مكافحة احتكار قائمة بالفعل، تمثل شبكة ضمان حقيقية وإن لم تكن كاملة، وأن تفعيلها جزء من الإجابة على هذا السؤال، لا بديلًا عن طرحه.
أما رابعها، وهو الأصعب فعلًا: لصالح من تُكتب هذه القواعد؟، وهذا سؤال لا أظن أن أي اتجاه فكري يستطيع الادعاء بأنه حسمه وحده، لأن تعريف دور الدولة نفسه كما ذكرت سابقا لم يُحسم مجتمعيًا بعد،كما أن هذا السؤال لا تستطيع أدوات التصميم المؤسسي وحدها أن تحله، لأنه سؤال سياسي بامتياز، يحتاج نقاشًا عامًا أوسع من أي مقال أو تعديل تشريعي بعينه او تسمية جديدة.
ولعل هذا هو ما أفهمه من التقليد الليبرالي، وهو فهم لا ينطلق من افتراض أن السلطة ستكون رشيدة، بل من افتراض أنها قد تُساء ممارستها أيًا كان من يمسك بها، ولهذا فالاهتمام الأساسي منصب على بناء مؤسسات تُخضع كل سلطة للمراجعة، لا على افتراض حسن نية القائمين عليها.
وإذا كان اليسار يخطئ أحيانًا حين يختزل المشكلة في سؤال الملكية، فإن بعض الليبراليين يخطئون أيضًا حين يختزلونها في سؤال السوق؛ فالسلطة قد تتركز داخل الدولة كما قد تتركز داخل السوق، ووظيفة المؤسسات ليست الانحياز لأحدهما ضد الآخر، بل منع أي مركز قوة من أن يصبح فوق المساءلة، خاصة وأن المجتمع الحر لا يقوم على افتراض أن أحدا يملك الحقيقة النهائية، بل على افتراض أن الجميع قد يخطئون، ولذلك تُبنى المؤسسات بحيث تسمح باكتشاف الخطأ وتصحيحه.
قبل أن أختم، لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر للأستاذ وائل توفيق على هذا الحوار الجاد والمحترم، الذي تجاوز تبادل المواقف إلى مناقشة الأفكار ومنطلقاتها. فالخلاف الفكري حين يُدار بهذه الجدية لا يثري أطرافه فحسب، بل يثري المجال العام أيضًا، وأرجو أن يكون هذا المقال خاتمة مؤقتة لحوار يستحق أن يستمر.
هل ما زال باب المراجعة مفتوحًا؟
ختاما فسؤال “من كتب القاعدة؟” يبقى سؤالًا مشروعًا لا ينبغي التقليل من أهميته، لكن تحويله إلى الشرط الوحيد للحكم على شرعية المؤسسات يجعلنا أسرى بحث لا ينتهي عن لحظة تأسيسية مثالية لم تعرفها أي دولة في التاريخ، أما السؤال الذي يمكن للمجتمعات أن تجيب عنه كل يوم فهو: هل ما زال باب المراجعة مفتوحًا؟ هل تخضع السلطة، أيًا كان مصدرها، للمساءلة والتصحيح؟، فالسلطة التي لا تقبل المراجعة لا يكفيها أن تستند إلى الماضي؛ لأن الشرعية لا تُورث، بل تُجدد.






