غالبية دول العالم التي تتمتع بنظام ديمقراطي بها نشاط حزب حقيقي، أحزاب لديها برامجها وأهدافها وأيدولوجياتها السياسية، ويحدث السباق على جذب مواطني تلك الدولة للانضمام إلى مشروعها السياسي، ودعم رؤيتها الاقتصادية، ومختلف المجالات التي يهتم بها المواطنون.
لذا نرى تداول للسلطة، ونرى تعددية حزبية في برلماناتها، ولدينا أمثلة كثيرة في بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وغيرها من الدول التي تحكمها حكومة الحزب الواحد، أو ائتلاف من أحزاب، استحقت وجودها بفضل داعميها من المواطنين.
في مصر لدينا أحزاب سياسية، لكن هيمنة حزب واحد على المشهد في البرلمان يتبنى وجهة نظر واحدة، وليس له ظهير شعبي حقيقي، هو أزمة حقيقية، قد يقول البعض أن نظام الانتخابات هو أحد الأسباب، لكن أرى أن السبب الحقيقي هو احتجاب الشعب عن المشاركة الفعالة في العملية الانتخابية، وفقده الثقة في عمل الأحزاب السياسية، ولكن للأسف تلك مشكلة أكبر في عدم المبالاة من جانبهم، فتبعيات كل القرارات الخاطئة تقع عليهم مباشرة وقرارات الأعضاء يجب أن ترتكن لصوت الشعب، وأن يكون الحزب أمين في وساطته بين الحكومة والشعب، لا أن يقوم أعضاؤه بدعم الحكومة بشكل مطلق تحت أي منطق مختلق.
دائمًا بعد نهاية كل حقبة يتم وضعها لميزان النقد والتجريح، والمفترض أن تكون عملية التقويم لحظة بلحظة ومع كل قرار، وأن تكون هناك مراقبة صارمة لقرارات الحكومة.
فترة حكم عبدالناصر برغم مرور عقود على وفاته، مازلنا نعاني من تبعيات أثارها السلبية في بعض الأمور، صحيح نجح في تأميم قناة السويس، وكان لديه مشروع وطني، هو طرد الإنجليز وتحرير الاقتصاد الوطني، ووضع خطته الخمسية، وتوسع في الصناعة، وسعى إلى تحقيق تنمية حقيقية حافظت على استقرار الطبقة الوسطى، وغيرها من الأمور التي كانت وجهة نظره فقط تطغى عليها، ويحققها من خلال رجاله الموثوق بهم، لكن للأسف ضاع كل شيء مع نكسة يونيو، ومازلنا نعاني من تداعيات مواقفه السياسية وعدائه لبعض الدول العربية والأجنبية.
ورث السادات من عبدالناصر، أرضًا مسلوبة وهزيمة حولوها إلى نكسة، ديون ليست بالكثيرة، ضاعفها السادات في عهده أكثر من ستة أضعاف، لذا اختار له مشروع أخر غير مشروع عبدالناصر، بل وتخلص من رجال عبدالناصر، وقاد ثورة التصحيح ليبقى الملك والحاكم المطلق، وتبنى نظرية الانفتاح الاقتصادي الذي أضر بالصناعة المصرية، وأهمل القطاع العام، وسمح لنفسه بالقيام بكل ما رفضه عبدالناصر، وارتمى في طريق الأمريكان الذين يملكون كل خيوط اللعبة في أيديهم كما كان يقول دائمًا، ووقع كامب ديفيد مع إسرائيل وفتح الباب على مصراعيه للمنتجات الأجنبية على حساب الصناعات المصرية، وزاد عدد المصريين المهاجرين إلى البلاد النفطية فتحسن حال بعض المصريين، وأعيد فتح قناة السويس للملاحة، لكنه ارتكب خطأ اعتماده على المعونات الأجنبية وسلم البلاد لصندوق النقد، فترك البلاد لسلفة مثقلة بالديون، ومرتع للجماعات السلفية والإخوانية.
لن أتطرق لفترة حكم مبارك لكني أريد أن أوضح أن وجود الأحزاب التي تمارس عملها بحرية مطلقة والصحافة والإعلام ويسمح لك بقول الحقيقة بكل حرية ما وصل كليهما إلى تلك النقطة البائسة.
فعبدالناصر ألغى الأحزاب السياسية، واعتمد على الاتحاد الاشتراكي، عوضًا عن جميع الأحزاب، فلم يكن لديه إلا صوتًا واحدًا، ورأيًا واحدًا، وحكمًا بالقمع، فخرست الألسن عن الكلام، وكانت النتيجة ترك بلد ضعيفة، وشعب خرج ليطالبه رغم النكسة بعدم التنحي.
السادات تخيل مصر ميت أبوالكوم، فكان هو عمدة مصر ورئيسها، وأب الجميع كبيرًا وصغيرًا، وصاحب الحرب والسلام، وصاحب ثلاثة منابر حزبية هو من تعهدها ورعاها، فسكتت كل الأصوات عن نقد بطل الحرب والسلام.
لذا على الإدارة الحاكمة أن تعتمد على تفيد الواقع، وقراءة مخرجات مراكز الأبحاث والاستشارات والأحزاب السياسية والمتخصصين وخلافه، في تبني وجهة نظرها للمواضيع القومية، لا أريد أن أفند كثير من المشروعات لا جدوى منها، وأن الاعتماد على التصنيع والإنتاج، والأهم بناء الإنسان أهم عامل من عوامل التنمية وتحقيق الرخاء، وفي الحقيقة المواطن يعاني والأسباب واضحة ولكننا نتجاهلها وندور حولها، ونزيف الحقيقة لنقول لأنفسنا نحن الأفضل مما سبق، وأخشى أنه سيأتي يومًا لننتقد أنفسنا بشكل صارخ، ونجلد ذاتنا على تقصيرنا في حق الوطن، لأننا لم نسمع كل الآراء المطروحة لنخرج بالقرار الصائب.






