تشييع جثمان الأب.. هل يستطيع المرشد الغائب إعادة الشرعية المهزوزة لنظام الجمهورية الإسلامية؟

في مشهد تجاوزت درجة حرارته الـ 36 درجة مئوية تحت أشعة الشمس طهران الحارقة التي سطعت على الشوارع المكتظة بالمشيعين دخلت مراسم تشييع جثمان المرشد الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي يومها الثاني، ومن المتوقع أن تستمر حتى يوم الخميس المقبل، في درجات حرارة قد تجاوز الـ 40 درجة مئوية، والتي تمثل اختبار إضافي للمشيعين الذين اكتسوا بالسواد، حيث قامت شحنات الإطفاء برش الحضور المارة بالمياه، كما عرضت الأكشاك المشروبات الباردة والبطيخ، وانطلقت الأناشيد الدينية الحماسية من مكبرات صوت ضخمة، بينما كان الباعة يبيعون أعلاماً تحمل صورة المرشد الأعلى الراحل مبتسماً.

بدأت مراسم التأبين الجمعة الماضية، حيث وضع نعش خامنئي في طهران. وانضم ثلاثة من أبناء خامنئي (مصطفى – مسعود – ميثم) إلى جانب “غلام علي حداد عادل” والد زوجة مجتبى، و”محمد محمدي غلبايغاني” صهر خامنئي، الذي وريت ابنته “زهرة” البالغة من العمر أربعة عشر شهراً الثرى في نعش صغير، إلى مراسم العزاء الجماعية في طهران.

بعد موكب جنائزي في طهران يوم الإثنين، سينقل جثمان آية الله إلى مدينة قم، ثم إلى كربلاء والنجف في العراق؛ وتحظى المدن الثلاث بمكانة مقدسة لدى المسلمين الشيعة. ويوم الخميس، سيدفن جثمانه في مسقط رأسه مشهد.

غياب مجتبى

أظهرت لقطات مصورة بثتها وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية أن قادة إيرانيين، من بينهم الرئيس “مسعود بيزشكيان” ورئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين في المحادثات “محمد باقر قاليباف”  صلّوا على النعوش، كما ظهر قائد فيلق القدس “إسماعيل قاآني” والجنرال “أحمد وحيدي” القائد العام للحرس الثوري الإيراني، مجدداً في جنازة خامنئي اليوم، في ثاني ظهور علني له خلال أشهر.

لكن لم يحضر خليفته “مجتبى خامنئي” حيث يعتقد أن مجتبى قد أصيب بجروح خطيرة في ذلك الهجوم، الذي أودى بحياة والدته وزوجته أيضاً، ولم يظهر خامنئي علناً بعد بصفته قائداً، مما يزيد من الشكوك حول صحته ويثير تساؤلات حول من يقود البلاد.

يجد مجتبى نفسه أمام لحظة أشبه بلحظة الصين بعد ماو، فالنظام برمته يدرك الحاجة إلى التغيير، فقد كان والده يتبع استراتيجية “اللاحرب، اللاسلام”، بينما مجتبى بصلاته مع الحرس الثوري وتشدده، يقف على حافة الهاوية بين يقينيات الماضي وآفاق المستقبل داخليًا وخارجيًا، أمام لحظة تاريخية، قد تمكنه من إعادة بناء الشرعية المهزوزة لنظام الجمهورية الإسلامية، فهل سيستطيع مجتبى وقادته استغلال الفرصة التى لا تأتي في العمر كثيراً لإعادة البناء؟

يملك مجتبى فرصة سانحة، لكن الحذر مطلوب، حيث يوجد سيناريو يلوح في الأفق في ظل اتفاق وقف إطلاق النار الهش، وهو أن تستمر المفاوضات طويلاً ولا يتم التوصل إلى أى اتفاق، ما يؤدي إلى نفاذ صبر ترامب ويأمر بالضربة الثالثة، خاصة أن الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل مضيق هرمز، والحرب في لبنان، فضلًا عن الآراء المتشددة الراسخة في كل مكان، لازالت تلقي بظلالها.

وكما فعل والده، فقد نأى مجتبى بنفسه عن القرارات التي قد تأتي بنتائج عكسية. فعلى سبيل المثال، أعرب علنًا عن تحفظاته بشأن مذكرة التفاهم التي وقعتها حكومته مع الولايات المتحدة، لكنه سمح بالمضي قدمًا فيها مستندًا إلى ضمانات من مرؤوسيه.

كما يواجه النظام تحديات أكثر إلحاحًا، مثل إثبات تعافي مجتبى خامنئي من الإصابات التي لحقت به في الضربة التي أودت بحياة والده، وقدرته على تولي كافة المهام، بما في ذلك الظهور العلني الذي يصاحب منصب المرشد الأعلى.

يقول “نورمان رول” ضابط سابق في وكالة المخابرات المركزية وخبير في الشؤون الإيرانية إن مجتبى هو رئيس الدولة، وزعيم ديني، وهذه جنازة والده. إن عدم حضوره جنازة والده، وعدم مشاركته في الحداد العلني، وعدم إظهار قيادته، سيفسر من قبل الكثيرين داخل إيران وخارجها على أنه دليل على ضعفه الشخصي، أو عجزه البدني، أو حتى وفاته.

غضب المشيعين

قال الشاعر “محمد رسولي” في قصيدة ألقاها قبيل تلاوة الدعاء في مراسم الوداع، قبل صلاة الجنازة على جثمان خامنئي: “لماذا لا نقتل من قتل إمامي وقائدي؟” وأضاف: “إنه لعار علينا ألا نقتل قاتلكم”. وحث “رسولي” خلال كلمته أمام الحضور، على ترديد هتافات “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”، وقال: “قتل ترامب واجبنا”. كما استقبل بالتصفيق بعد أن سأل الحشد: “لماذا لا يزال أحقر رجل في العالم على قيد الحياة؟”

ورفع علم أحمر كتب عليه “يا لثأر الحسين” فوق قبة مصلى طهران خلال المراسم. ويرمز هذا العلم إلى السعي للثأر لمقتل الحسين بن علي، ثالث أئمة الشيعة. كما حمل العديد من المشاركين أعلامًا حمراء كرمز للقصاص. وشوهدت ملصقات وشعارات تدعم فكرة قتل ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش المراسم.

تصريحات ترامب

على الجانب الآخر كان الرئيس الأمريكي ترامب يلقي خطابًا في الوقت نفسه في العاصمة واشنطن، بمناسبة الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة.

وفي مقابلة مع موقع “أكسيوس” قال ترامب أن محادثات السلام قد توقفت لمدة أسبوع بسبب مراسم الجنازة. وإنه يراقب جنازة خامنئي، وقال ترامب للموقع: “جميعهم هناك. طلقة واحدة تكفي للقضاء عليهم جميعاً، لكننا لن نفعل ذلك لأنه حينها لن يكون لدينا من نتفاوض معه”.

وفي غضون ذلك، يعتزم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو زيارة واشنطن للقاء ترامب في أقرب وقت يوم الإثنين لمناقشة الملف الإيراني واتفاقية أمنية جديدة بين إسرائيل والولايات المتحدة، وذلك وفقًا لمصدر إسرائيلي. وستكون هذه الزيارة السابعة لنتنياهو إلى الولايات المتحدة للقاء ترامب، وهو رقم قياسي بين جميع زعماء العالم. لكنها الأولى له منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الضربات الأولى للحرب على إيران في أواخر فبراير.

وصرح ترامب لموقع “أكسيوس” أن نتنياهو “يعرف من هو صاحب القرار”. لكن نتنياهو يسعى للتأثير على هذه القرارات، لا سيما مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في أواخر أكتوبر، والتي يتأخر فيها ائتلافه في استطلاعات الرأي.

تعتبر جنازة أية الله علي خامنئي بمثابة اختبار حاسم لثقة النظام في قدرته على حمايته، وستخضع لتدقيق المحللين في وكالة المخابرات المركزية ووكالات الاستخبارات الأخرى، تمامًا كما قاموا بفحص لقطات العروض العسكرية السوفيتية واجتماعات المكتب السياسي خلال الحرب الباردة، بحثًا عن أدلة حول حالة الزعيم المختفي.

وحتى بعد إعلان وقف إطلاق النار المبدئي في أبريل، أظهرت إيران أنها لا تزال مستعدة لاستئناف استخدامها للقوة العسكرية. إن استخدام القوة وهو موقف عدواني، ساعد النظام الإيراني على انتزاع تنازلات اقتصادية جوهرية من الولايات المتحدة، ومكنه من صياغة رواية داخلية مفادها انتصاره في الحرب، فالقيادة الإيرانية تفيض ثقة بالنفس. فهى لم تنجو فحسب، بل أعادت اكتشاف مضيق هرمز كأداة ضغط قوية، وهم تعتقد حقاً أن بإمكانها فرض شروطها.

فما بين جنازة الخميني وقاسم سليماني إلى جنازة خامنئي تبقى هذه المشاهد معلقة في أذهان الإيرانيين، لما يمكن أن يكلفهم العداء مع الولايات المتحدة وإسرائيل.