خاص/ بحارة مدنيون “مصريون وسوريون” في مرمى الحرب الروسية الأوكرانية

السفن التجارية في مرمى الحرب.. كيف تحولت رحلة الرزق إلى مأساة في البحر الأسود؟

قتلى ومصابون من طاقم السفينة السورية بعد استهدافها داخل ميناء أوكراني.. و”ليبرالي” يرصد شهادات حصرية من البحارة وأسر الضحايا

السفينة عايدة AIDA التي تعرضت للقصف في ميناء أوكراني-اليوم بتاريخ 13 يونيو

تعرضت السفينة التجارية السورية “عايدة”، “AIDA”، الإثنين، لهجوم بطائرة مسيرة أثناء رسوها في ميناء بيفديني “Yuzhnyi” التجاري جنوب أوكرانيا، في واقعة أسفرت-وفق المعلومات الأولية- عن سقوط قتلى ومصابين من أفراد الطاقم، بينهم بحارة مصريون وسوريون إلى جانب جنسيات أخرى، ويأتي الهجوم في ظل تصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة التجارية في المنطقة.

ويعد الهجوم أحدث حلقة في سلسلة استهداف السفن التجارية المتجهة إلى الموانئ الأوكرانية، حيث سبق أن تعرضت، في 22 يونيو 2026، سفينة الشحن “فيكتريس” (Vectis) لهجوم بطائرات مسيرة أثناء توجهها إلى أحد الموانئ الأوكرانية، ما أسفر عن مقتل بحار مصري يبلغ من العمر 58 عامًا، فيما جرى إجلاء ثمانية بحارة آخرين من الجنسيتين التركية والهندية بواسطة سفينة إنقاذ، في حادثة أعادت تسليط الضوء على المخاطر المتزايدة التي تواجه أطقم السفن العاملة في المنطقة.

وتسلط الحادثتان الضوء على تصاعد المخاطر التي تواجه السفن التجارية وأطقمها في الموانئ الأوكرانية المطلة على البحر الأسود، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، كما تزيد هذه التطورات المخاوف بشأن سلامة الملاحة التجارية وأمن البحارة المدنيين، وتثير تساؤلات حول مدى امتثال أطراف النزاع لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما ما يتعلق بحماية الأعيان المدنية وضمان أمن الملاحة البحرية الدولية.

البحرية الأوكرانية تنقذ بحارة مصريين -بتاريخ 22 يونيو 2026-موقع ukranews-والبحرية الأوكرانية

حصل “ليبرالي” على مقطع فيديو يوثق لحظات أعقبت استهداف السفينة التجارية السورية “عايدة” (AIDA) بطائرة مسيرة، حيث يظهر في المقطع أحد البحارة المصريين وهو يستغيث قائلاً:”إحنا اضربنا يا جماعة.. استر يا رب”، في مشهد يعكس حالة الذعر التي سيطرت على أفراد الطاقم عقب القصف.

ووفقًا لمعلومات متداولة على صفحات متخصصة في شئون البحارة، إلى جانب منشورات لبحارة مصريين وسوريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تعرضت السفينة التجارية السورية “عايدة” (AIDA) لهجوم بطائرات مسيرة أثناء استعدادها لشحن شحنة من الذرة في أحد الموانئ الأوكرانية.

وبحسب المعلومات الأولية المتداولة، أسفر الهجوم عن مقتل خمسة من أفراد الطاقم، بينهم قبطان السفينة، وإصابة أربعة بحارة آخرين، وتضمنت أسماء الضحايا المتداولة، القبطان فادي منصور، إلى جانب “الشيف” و”الشيف أوفسر”، فيما لم تصدر حتى الآن قائمة رسمية ونهائية بأسماء جميع الضحايا.

وفي إطار التحقق من ملابسات الحادث، تواصل “ليبرالي” مع نجل القبطان فادي منصور، الذي أكد وفاة القبطان أثناء وجوده على متن السفينة خلال رسوها في أحد الموانئ الأوكرانية، قائلاً:” حسبي الله ونعم الوكيل، توفى والدي بسبب مرور مسيرة في المكان الذي كان يتواجد فيه أثناء أداء عمله، اختاره الله شهيدًا، والحمد لله رب العالمين، وحتى الآن لا يزال مكان الجثمان غير معلوم”.

صورة البحار قبطان فادي منصور الذي فُقدت جثته في قصف اليوم بميناء الأوكراني

كما تواصل “ليبرالي” مع أحد البحارة المتضررين، الذي تحدث عن المخاطر التي يواجهها البحارة العاملون على السفن المتجهة إلى الموانئ الأوكرانية، قائلاً:” مشكلتنا كبحارة سوريين ومصريين، بشكل عام، مع بعض ملاك السفن السوريين الذين يستغلون الظروف الاقتصادية الصعبة التي نعيشها، وخلال شهر واحد تعرضت عدة سفن للقصف وسُجلت إصابات، ومن خلال صفحاتنا الخاصة بالبحارة، كنا نناشد القباطين وأفراد الأطقم رفض الإبحار في الرحلات المتجهة إلى أوكرانيا، لكن ما حدث اليوم على متن السفينة السورية (عايدة) كان أشبه بكارثة بحق البحارة، جميع أفراد الطاقم نُقلوا إلى المستشفى، وهناك ثلاث وفيات، ولا يزال الاتصال بأفراد الطاقم منقطعًا حتى الآن، فيما ترد المعلومات إلينا عبر أطقم سفن أخرى موجودة في الميناء ذاته”.

وتعكس إفادات البحارة حالة القلق المتزايدة بين العاملين في قطاع النقل البحري بشأن سلامة الرحلات المتجهة إلى الموانئ الأوكرانية، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، كما تعيد هذه الحوادث تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه أطقم السفن التجارية العاملة في مناطق النزاع، وتثير تساؤلات بشأن إجراءات السلامة وحماية البحارة المدنيين أثناء أداء مهامهم.

ضحايا لقمة العيش
ضحايا الواقعة لم يكونوا جنودًا على جبهة قتال، بل بحارة يؤدون عملهم على متن سفينة تجارية، ووفقًا للمعلومات الأولية المتداولة، فإن ضحايا الهجوم كانوا من أفراد طاقم السفينة، الذين يتولون تشغيلها وإدارة رحلتها، بدءًا من القبطان المسؤول عن قيادة السفينة وسلامة طاقمها، مرورًا بكبير المهندسين المشرف على أنظمة التشغيل، وصولا إلى الضباط وأفراد الطاقم الذين يضمنون استمرار العمل على متنها.

ورغم أن مهامهم تقتصر على تسيير السفينة ونقل البضائع، وجدوا أنفسهم في قلب صراع عسكري لم يكونوا طرفًا فيه، لتتحول رحلة عمل اعتيادية إلى مأساة إنسانية.

سفينة تجارية في قلب الحرب
تكشف واقعة استهداف السفينة “عايدة” (AIDA) عن واقع يزداد تعقيدًا بالنسبة للعاملين في قطاع النقل البحري، حيث لم تعد السفن التجارية بمنأى عن تداعيات النزاعات المسلحة، خاصة عند إبحارها أو رسوها في موانئ تقع داخل مناطق التوتر.

ورغم أن هذه السفن لا تؤدي أي دور عسكري، فإن وجودها في موانئ أو ممرات بحرية ذات أهمية استراتيجية قد يجعلها عرضة لمخاطر العمليات العسكرية، ويبرز البحر الأسود، منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، باعتباره أحد أكثر الممرات البحرية حساسية، نظرًا لدوره الحيوي في تصدير الحبوب والمواد الخام والبضائع إلى الأسواق العالمية.

بين الرزق والموت
لم يحمل أفراد الطاقم سوى أدوات عملهم، ولم يغادروا أوطانهم للمشاركة في حرب، بل بحثًا عن مصدر رزق في واحدة من أكثر المهن اعتمادًا على حركة التجارة العالمية، إلا أن وجودهم في منطقة نزاع جعلهم في مواجهة أخطار تتجاوز طبيعة مهنتهم.وتعيد مأساة السفينة “عايدة” طرح تساؤلات حول أوضاع البحارة المدنيين العاملين في مناطق النزاعات، ومدى كفاية التدابير الدولية الرامية إلى حمايتهم، في وقت تستمر فيه حركة التجارة العالمية رغم تصاعد المخاطر الأمنية.

فخلف كل سفينة تجارية تعبر المياه المضطربة، يقف طاقم من المدنيين ينتظر نهاية الرحلة والعودة إلى أسرهم، لكن في أوقات الحروب، قد تتحول رحلة لكسب الرزق إلى مأساة، ويصبح الوصول إلى الميناء أقل يقينًا من الإبحار نفسه.