تيجراي تقاطع الحوار مع أديس أبابا.. أزمة شرعية تواجه النظام الإثيوبي وتهدد بضرب الاستقرار

لم يكن إعلان حكومة إقليم تيجراي، رفض المشاركة في جلسات الحوار الوطني التي أطلقتها الحكومة الإثيوبية مجرد موقف سياسي عابر، بل يمثل مؤخرًا على أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة الإثيوبية بعد حرب تيجراي، ومستقبل اتفاق بريتوريا، وقدرة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد على إدارة مرحلة ما بعد الحرب.

فالبيان الصادر عن مكتب شؤون الاتصال في حكومة الإقليم تجاوز الاعتراض على آلية الحوار، ليطرح تساؤلات حول شرعية العملية السياسية برمتها، ويعيد فتح ملفات لم تُحسم منذ توقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022.

ورغم أن البيان يعكس موقف حكومة تيجراي، فإنه يكشف أيضًا عن اتساع فجوة الثقة المركز والإقليم، في وقت تسعى فيه الحكومة الفيدرالية إلى تقديم الحوار الوطني باعتباره مدخلاً لبناء توافق سياسي جديد وإنهاء منذ من النزاعات المسلحة.

اتفاق بريتوريا.. السلام الذي أوقف الحرب ولم ينِه الأزمة 

نجح اتفاق بريتوريا في وقف واحدة من أكثر الحروب دموية في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الاتفاق صُمم أساسًا لإنهاء العمليات العسكرية، بينما تُركت الملفات السياسية والأمنية والإنسانية الأكثر تعقيدًا لمرحلة تالية.

ويرى قادة تيجراي أن هذه المرحلة لم تتحقق بالصورة التي كانوا يتوقعونها، مستندين إلى استمرار عدد من القضايا العالقة، مثل أوضاع المناطق المتنازع عليها، وعودة النازحين واللاجئين، وإعادة الإعمار، والتمثيل داخل مؤسسات الدولة.

في المقابل، تؤكد الحكومة الإثيوبية أنها حققت تقدمًا في تنفيذ الاتفاق، وأن الأولوية أصبحت لترسيخ الاستقرار وإطلاق عملية سياسية شاملة عبر الحوار الوطني.

وبذلك؛ أصبح الخلاف لا يدور حول وقف إطلاق النار، بل حول تفسير اتفاق بريتوريا نفسه، ومن يحدد جدول أولويات تنفيذه.

لماذا ترفض تيجراي الحوار الوطني؟

يقرأ كثير من المراقبين رفض تيجراي للحوار باعتباره محاولة للحفاظ على أوراقها التفاوضية، إلا أن القراءة الأعمق تشير إلى أن الإقليم يخشى أن يتحول الحوار الوطني إلى منصة تمنح الحكومة الفيدرالية شرعية سياسية جديدة، دون معالجة الملفات التي يعتبرها أساسية.

كما أن البيان يبعث برسالة واضحة مفادها أن أي حوار لا يسبقه تنفيذ ملموس للالتزامات السابقة لن يحظى باعتراف سلطات تيجراي، وهو ما يعكس أزمة ثقة متجذرة أكثر من كونه خلافًا إجرائيًا حول المشاركة.

ماذا تريد حكومة آبي أحمد؟

منذ انتهاء الحرب، يعمل رئيس الوزراء آبي أحمد على تقديم نفسه باعتباره قائد مرحلة إعادة بناء الدولة الإثيوبية، والحوار الوطني يمثل أحد أهم أدوات هذا المشروع،  إذ تسعى الحكومة إلى جمع القوى السياسية والقومية المختلفة ضمن إطار واحد يخفف من حدة الاستقطاب الداخلي، ويعزز شرعية المؤسسات الفيدرالية.

لكن نجاح هذا المسار يتطلب مشاركة الأطراف الأكثر تأثيرًا، وفي مقدمتها تيجراي إلى جانب معالجة التوترات المستمرة في إقليمي أوروميا وأمهرة، وهو ما يجعل غياب أحد الفاعلين الرئيسيين عاملًا يحد من قدرة الحوار على تحقيق أهدافه.

الأزمة لا تقتصر على تيجراي 

الخطأ في قراءة المشهد الإثيوبي يتمثل في اختزال الأزمة في العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وتيجراي، والبلاد تشهد تحديات متزامنة في أكثر من إقليم، حيث لا تزال التوترات الأمنية مستمرة في أوروميا، بينما تشهد أمهرة خلافات مع الحكومة المركزية بشأن الترتيبات الأمنية والإدارية.

لذلك، فإن مقاطعة تيجراي للحوار الوطني لا تمثل أزمة منفصلة، بل تعكس صعوبة بناء توافق وطني في ظل استمرار الخلافات بين المركز وعدد من الأقاليم الكبرى.

البعد الإقليمي والدولي 

تحظى الأزمة الإثيوبية باهتمام إقليمي ودولي واسع، نظرًا لموقع إثيوبيا في القرن الأفريقي وتأثير استقرارها على الأمن الإقليمي، ويواصل الاتحاد الأفريقي، الذي رعى اتفاق بريتوريا، متابعة تنفيذ الاتفاق باعتباره أحد أهم إنجازاته الدبلوماسية خلال السنوات الأخيرة.

كما تتابع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة تطورات الوضع، مع استمرار الدعوات إلى استكمال تنفيذ اتفاق السلام، واحترام حقوق المدنيين، وتسريع إعادة الإعمار.

إقليميًا، تراقب إريتريا التطورات بحذر في ضوء ارتباطها المباشر بالحرب السابقة، بينما ينظر السودان إلى استقرار إثيوبيا باعتباره عاملًا مؤثرًا في أمن الحدود، في حين تتابع مصر مسار الأزمة من زاوية تأثيرها في توازنات القرن الأفريقي، باعتبار أن استقرار إثيوبيا أو اضطرابها ينعكس على البيئة الإقليمية المحيطة، دون أن يقتصر الأمر على ملف سد النهضة.

هل دخلت اثيوبيا مرحلة جديدة؟

تكشف التطورات الأخيرة أن الصراع في إثيوبيا لم يعد صراعًا على السيطرة العسكرية، وإنما أصبح صراعًا على شرعية إعادة بناء الدولة بعد الحرب، فالحكومة الفيدرالية ترى أن الحوار الوطني هو الإطار الجامع لصياغة مستقبل البلاد، بينما تعتبر تيغراي أن تنفيذ اتفاق بريتوريا يجب أن يسبق أي عملية سياسية جديدة.

وهذا يعني أن جوهر الخلاف انتقل من ميادين القتال إلى طاولة التفاوض، ومن التنافس على الأرض إلى التنافس على تعريف الدولة الفيدرالية وحدود سلطاتها وعلاقتها بالأقاليم.

السيناريوهات المحتملة 

السيناريو الأول، يتمثل في استمرار الحوار الوطني دون مشاركة تيجراي، وهو ما قد يسمح الحكومة بالمضي في مشروعها السياسي، لكنه يترك تساؤلات قائمة حول مدى شمولية مخرجات الحوار.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على تدخل وسطاء، وفي مقدمتهم الاتحاد الأفريقي، لإعادة تنشيط تنفيذ اتفاق بريتوريا، بما يمهد لإشراك تيجراي في مراحل لاحقة من الحوار، وهو السيناريو الأكثر قدرة على تحقيق قدر من التوافق.

في المقابل، يبقى السيناريو الثالث قائمًا إذا استمرت فجوة الثقة واتسعت الخلافات بشأن تنفيذ الاتفاق، بما قد يؤدي إلى تصاعد التوترات السياسية، ويهدد بتحويل وقف إطلاق النار إلى هدنة قلقة، حتى وإن لم تعيد البلاد إلى الحرب الشاملة.

أزمة شرعية

لا يمكن النظر إلى بيان حكومة تيجراي باعتباره مجرد رفض للمشاركة في الحوار الوطني، بل هو مؤشر على أن إثيوبيا دخلت مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم، وإعادة توزيع الشرعية السياسية بعد الحرب،  وإذا لم تتمكن الحكومة الفيدرالية من الجمع بين تنفيذ الالتزامات السابقة وفتح مسار سياسي يحظى بثقة مختلف الأطراف، فإن الحوار الوطني قد يتحول إلى عملية ناقصة، بينما يبقى اتفاق بريتوريا سلامًا عسكريًا لم يكتمل بتحول سياسي شامل.

وعليه، فإن مستقبل الاستقرار في إثيوبيا لن يتحدد بوقف إطلاق النار وحده، وإنما بقدرة الدولة على إنتاج تسوية سياسية تستوعب القوميات المختلفة، وتعيد بناء الثقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تجعل أي تعثر داخلي في إثيوبيا ذا انعكاسات تتجاوز حدودها إلى مجمل القرن الأفريقي والبحر الأحمر.