عمرو هاشم ربيع في حوار شامل لـ”ليبرالي”: هناك اختناق سياسي والحكومة لم تنفذ سوى 10% في توصيات الحوار الوطني

الدكتور عمرو هاشم ربيع، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وعضو مجلس أمناء الحوار الوطني

لا يجب الانتقاص من ثورة 25 يناير.. ومصطلح “الجمهورية الجديدة” يتطلب وضعه بين قوسين والتعامل معه بنوع من التحفظ

لم يتم ابلاغنا رسميًا بتجميد الحوار الوطني.. ولكن الحقيقة الملموسة هي أن الحوار قد توقف وانتهى أمره بالفعل

مصر لا تحتاج إلى تعديل الدستور.. واجراء انتخابات المحليات سيخفف عن مجلس النواب

التوجه الأقرب هو إجراء “تعديل وزاري محدود” يشمل ثلاث أو أربع حقائب وزارية مسببة لبعض الإزعاج من بينها وزارة الثقافة

اتخاذ السلطة التنفيذية لخطوة إقالة أو استقالة وزير الثقافة يُعد إجراءً إيجابياً ومحموداً يُحسب لها

البرلمان يضم بالفعل بعض الكفاءات المعارضة التي تقدم أداءً برلمانياً جيداً ومتابعات محترمة

حجم تفاعل وتطبيق السلطة التنفيذية مع توصيات الحوار الوطني لم يتجاوز نسبة 10% في أفضل الأحوال

 جهاز “مستقبل مصر” لعب دوراً إيجابياً في بعض ملفات التنمية..  ولكن لا يجب منحه استثناءات تضعه عمليًا فوق القوانين والدستور

في حوار شامل، مع “ليبرالي” قدم الدكتور عمرو هاشم ربيع، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وعضو مجلس أمناء الحوار الوطني، رؤية تحليلية لواقع المشهد السياسي والبرلماني في مصر، محذرًا من استمرار ما وصفه بـ”الاحتقان السياسي”، وتحجيم المعارضة البرلمانية، والانتقاص من ثورة يناير، وغياب الحوار. ورجح الأكاديمي البارز إجراء تعديل وزاري محدود في الفترة المقبلة يمس ما وصفه بالوزارات المزعجة

وكشف عضو مجلس أمناء الحوار الوطني عن أن الحكومة لم تنفذ إلا 10 % من توصيات الحوار الوطني، مؤكدًا أن الحوار ألقى حجرًا في المياه الراكدة إلا أنه تم تجميد وانتهاءه فعليًا دون إعلان رسمي أو ابلاغ لأحد من مجلس الأمناء. فإلى نص الحوار:

 اللحظة الراهنة

في البداية، كيف ترى اللحظة السياسية الراهنة في مصر؟ وما هو تشخيصك للوضع الحالي وتأثيره على الملفات الأخرى؟

 هناك حالة واضحة من الاحتقان السياسي، وأبرز مؤشراتها هو حالة “الاختناق السياسي” التي نعيشها، والمصاحبة للأزمة الاقتصادية الراهنة والأوضاع الاجتماعية الصعبة. في تقديري، الشأن السياسي يلقي بظلاله الكثيفة على الشأنين الاقتصادي والاجتماعي؛ فلو كان هناك انفتاح حقيقي في المجال العام، لكان لذلك أثر وتداعيات إيجابية بالغة الأهمية على الاقتصاد والوضع الاجتماعي للمواطنين.

بيد أن حالة إغلاق المجال العام ينعكس سلباً ويصب مباشرة في تأجيج الأزمات العامة؛ مثل تدهور قطاعي التعليم والصحة، وتفاقم المديونية، وتراجع قيمة العملة المحلية، والارتفاع المستمر في الأسعار. أضف إلى ذلك، غياب ترتيب الأولويات في ملف التنمية، والتركيز على مجالات عمرانية بعينها على حساب التنمية البشرية الأساسية.

ثورة 25 يناير

ولكن يلاحظ وجود خطاب دائم يوجه أصابع الاتهام إلى ثورة 25 يناير، ويحملها مسؤولية كافة هذه الأزمات. كيف ترى هذا الطرح؟

تحميل ثورة 25 يناير مسؤولية الإخفاقات الحالية هو نتاج لعدة عوامل؛ أولها عملية الربط الممنهجة والدائمة في الخطاب الإعلامي الرسمي بين الثورة وجماعة الإخوان المسلمين، حيث يُستخدم هذا الربط لتخويف الجماهير من فكرة الثورة ذاتها.

أما العامل الثاني، وهو مكمن المفارقة، فهو أن ثورة 25 يناير وثورة 30 يونيو منصوص عليهما صراحة في الدستور كركيزتين أساسيتين لشرعية النظام الحالي؛ وبالتالي فإن الهجوم المستمر على ثورة يناير يمثل طعناً غير مباشر في هذه الشرعية الدستورية.

يجب أن نعي جميعًا أن ثورة يناير هي التي رسخت حقيقة انحياز القوات المسلحة لإرادة الشعب كواقع ملموس، وأثبتت إمكانية إجراء انتخابات نزيهة وشفافة وتداول سلمي للسلطة. الحديث السلبي المستمر عنها هو تعبير عن رفض هذا التوجه الديمقراطي.

نعم، لقد وثب الإخوان المسلمون على الثورة في بعض مراحلها وكان لهم دور سلبي لا ننكره، ولكن لا يجوز مطابقة 25 يناير بالإخوان، فهذا طرح غير مقبول ويسيء لكل القوى والجهات الوطنية التي أدت أدواراً إيجابية وتاريخية في تلك المرحلة.

افتتاح مقر القيادة

مع افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة، كيف ترى دلالات هذا المشهد؟ وهل يمثل بداية حقيقية للجمهورية الجديدة كما يروج البعض؟

مصطلح “الجمهورية الجديدة” يتطلب وضعه بين قوسين والتعامل معه بنوع من التحفظ؛ فقد بدأ تداوله كأداة اصطلاحية قبل نحو أربع أو خمس سنوات، وتحديداً عقب التعديلات الدستورية عام 2019. كلمة “جديدة” توحي عادة بحدوث تغييرات إيجابية وبنيوية في المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، لكن الواقع يطرح مؤشرات مختلفة.

على سبيل المثال، شهدت تلك الفترة تعديلاً دستورياً محل انتقاد من حيث المباديء والقواعد السياسية. كما جرى تعديل القوانين المتعلقة بتعيين رؤساء الهيئات القضائية بما يمنح السلطة التنفيذية دوراً مهيمناً في هذا الملف، بالإضافة إلى استحداث مجلس شيوخ منزوع الصلاحيات والسلطات الحقيقية. هذه التغيرات لا توحي بوجود نهج “جديد” يؤسس لجمهورية جديدة بالمعنى الديمقراطي.

علاوة على ذلك، هناك استحقاقات دستورية هامة نص عليها دستورا 2012 و2014 لم تترجم إلى قوانين فاعلة على أرض الواقع؛ مثل : قانون منع ندب القضاة للجهات غير القضائية، وغياب انتخابات المجالس المحلية وتأخر قانون المحليات، فضلاً عن عدم إصدار قانون حرية تداول المعلومات. غياب الجدية في تنفيذ هذه الاستحقاقات، مع تراجع المؤشرات الاقتصادية مقارنة بمرحلة ما قبل 2011، حيث كان سعر صرف الدولار يتراوح بين 7 و8 جنيهات، بينما تضاعف اليوم لمرات عديدة نتيجة سياسات التعويم المتعاقبة المرتبطة بشروط صندوق النقد الدولي والاقتراض الخارجي، كلها عوامل تبرر تحفظنا على هذا المصطلح.

استقالة وزيرة الثقافة  

نذهب إلى الحكومة.. كيف تقرأ استقالة وزيرة الثقافة السابقة جيهان زكي ومحاولات البعض الدفاع عنها؟ وهل مثلت هذه الاستقالة خطوة سياسية حقيقية؟

في تقديري وقراءتي للمشهد، الوزيرة أُقيلت ولم تستقل بمحض إرادتها. في الواقع السياسي المصري، وكما يحدث أحياناً في بعض النظم الغربية، تأخذ “الإقالة” شكل “الاستقالة”؛ حيث يُطلب من المسؤول التقدم باستقالته لحفظ ماء الوجه بعد أن يصبح استمراره في موقعه عبئاً. وبغض النظر عن المسمى، فإن اتخاذ السلطة التنفيذية لهذه الخطوة يُعد إجراءً إيجابياً ومحموداً يُحسب لها.

وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي
وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي

أما بخصوص محاولات الدفاع عنها، فلا أراها في محلها على الإطلاق؛ لأن هذا الدفاع يمثل تشكيكاً وطعناً في أحكام القضاء التي استنفدت كافة درجات التقاضي وأصبحت نهائية، ولا يجوز قانوناً أو ملاءمة نقد تلك الأحكام القضائية أو الالتفاف عليها.

هذه الأزمة تفتح الباب للسؤال عن معايير وطرق اختيار الوزراء في مصر؛ إذ لا توجد جهة واضحة ومحددة تعلن مسؤوليتها عن ترشيح واختيار المسؤولين.

في النهاية، وكما يُقال: “النجاح له ألف أب، أما الفشل فيبقى يتيماً”، ولا أحد يتحمل مسؤولية الإخفاق عند حدوثه. هذه الواقعة تكررت أكثر من مرة في فترة وجيزة ضمن حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، وأزمة وزير التربية والتعليم مثال، مما يطرح تساؤلات حول معايير الاختيار.

نعم، نحن نتفهم تحدي ضيق الوقت وحجم الحقائب الوزارية الضخم الذي يتجاوز 30 وزيراً وهو عدد مبالغ فيه مقارنة بالدول المتقدمة التي تدار حكوماتها بـ 15 إلى 20 وزيراً فقط، ولكن هذا لا يبرر عدم الاستماع للآراء الأخرى أو الإصرار على النهج الأحادي الذي ينتهي دائماً بالإخفاق.

منهج العناد الحكومي

برأيك لماذا تصر الحكومة على منهج “العناد” والتمسك بقراراتها والقتال عليها حتى الرمق الأخير، على الرغم من وضوح الخلل المبدئي أو وجود أحكام قضائية وتقارير رسمية منشورة تفيد بعكس ذلك؟ من أين يتغذى هذا السلوك الإداري؟

هناك إصرار دائم على فرضية “أننا على صواب والآخرون على خطأ”، وبأن السلطة “تفهم أفضل من الجميع”، ينبع من عقيدة واهمة تقوم على فكرة: “أنا أمتلك الأجهزة والمعلومات الدقيقة وأنت لا تملك شيئاً، أنت تتحدث من رأسك ودون دليل أو مستند”.

الدكتور مصطفي مدبولي – رئيس الوزراء المصري

هذا كله مرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ “مناخ المركزية الشديدة” الذي نشأت وتربت عليه الدولة المصرية عبر قرون طويلة؛ فنحن نتحدث هنا عن أقدم وأكبر دولة مركزية في التاريخ الإنساني، وهي دولة نيلية، فرعونية، تتبنى قناعة فرعون التاريخية في تعاملها مع الرعية.

وعندما يُغلق المجال العام ويُوصد بالكامل، يصبح من المستحيل قبول الرأي والرأي الآخر، أو التسامح مع حرية الإعلام والحوارات المجتمعية الحقيقية؛ بل يُعاقب كل من يطرح وجهة نظر مختلفة ويُزج به في السجون.

لقد وصلنا اليوم إلى مرحلة يُسجن فيها “المُبلّغ” لمجرد أنه رصد فسادًا أو خللًا وتجرأ على الإبلاغ عنه، وهو ما يقود عمليًا إلى نشر ثقافة الفساد، لأن الشاهد عندما يرى الانحراف بعينيه ويخشى الكلام تجنبًا للسجن، كما حدث مثلاً مع الطبيبة الشابة، فإنه يلتزم الصمت ويقول: “لم أبلغ؟ دع الأمور تسير كما هي لتجنب المشاكل”. وهذا الصمت والخوف من الإبلاغ هو في حد ذاته الفساد الأكبر في بنية المجتمع والدولة.

التغيير الوزاري

البعض يتحدث عن حاجة مصر إلى تغيير وزاري شامل وسط أنباء أولية عن تعديل حكومي محدود.. ما تعليقك؟

 القضية ليست في الأشخاص؛ فالأشخاص المرشحون قد يكونون على درجة عالية من الاحترام والمهنية والتأهيل، ولكن الأزمة تكمن في غياب “السياسات والبرامج المتكاملة”. المخرجات والنتائج على الأرض تؤكد فشل هذا النهج الإداري؛ فالوزارات تدار بشكل جزر منعزلة دون تنسيق استراتيجي.

على سبيل المثال، في ملف التعليم، يأتي وزير ليطبق نظام “البكالوريا”، ويأتي من قبله أو بعده ليطبق نظام “السنتين للثانوية العامة”، وآخر يقرر إلغاء الصف السادس الابتدائي، وهكذا تسير الأمور في الصحة والزراعة وغيرها وفق الرؤية الشخصية لكل مسؤول. نحن بحاجة إلى “وزراء سياسيين” يمتلكون رؤية واستراتيجيات وطنية شاملة ومتكاملة، وليس مجرد “مديرين تنفيذيين” أو “سكرتارية” ينحصر دورهم في تنفيذ التعليمات الفوقية دون نقاش.

المؤشرات الحالية تدل على وجود حالة من الرضا الرسمي الكامل عن رئيس الوزراء الحالي، على الرغم من غياب الرضا الشعبي؛ وبالتالي، فإن التوجه الأقرب هو إجراء “تعديل وزاري محدود” يشمل ثلاث أو أربع حقائب وزارية مسببة لبعض الإزعاج (من بينها وزارة الثقافة)، ولن نشهد تغييراً هيكلياً في فلسفة الإدارة الحكومية، بل استمراراً لنفس النهج المعتمد على تعيين وزراء تنفيذيين.

مع الأسف، ما نراه على أرض الواقع هو “مقرطة ظاهرية” وشكلية فقط؛ حيث تزدحم الدولة بعشرات المجالس الكبرى والمسئولين؛ ولكن إذا دققنا في واقعها وسألنا بجدية: كم مجلس من هذه المجالس يجتمع دورياً بالفعل؟ ومن منها يمتلك سلطة اتخاذ القرار وصياغة السياسات؟

البعد التشاركي والمؤسسي غائب تماماً، وحتى الأشكال والهياكل التي توحي بدرجة من الاستماع للآخر أو المقرطة هي مجرد ديكورات شكلية خالية من المضمون والفاعلية.

الجدل حول جهاز “مستقبل مصر”

ننتقل إلى مشروع قانون جهاز “مستقبل مصر”.. كيف ترى هذا الملف وما أثير حوله من جدل برلماني وسياسي؟

جهاز “مستقبل مصر”، لعب دوراً إيجابياً في بعض ملفات التنمية والدلتا لا يمكن لأحد إنكاره. ولكن الإشكالية الحقيقية تكمن في صياغة مسودة القانون الجديد التي تمنحه استثناءات واسعة تضعه عملياً فوق القوانين السائدة والدستور. هذه الصياغة لا تساهم في بناء دولة قانون مؤسسية، بل تؤسس لمنظومة استثنائية متكاملة. ورغم الاعتراضات القوية والموضوعية التي أبداها عدد من النواب داخل البرلمان، إلا أن القانون تم تمريره في النهاية في اللجنة المشتركة.

الأداء البرلماني

يلاحظ مراقبون للمشهد البرلماني تصاعد ما يصفونه بـ”نبرة نقدية” من نواب الأغلبية في بعض الملفات الهامة مثل قانوني “المعاشات” و”جهاز مستقبل مصر”.. ما دلالة ذلك؟

البرلمان الحالي شُكّل بموجب نظام انتخابي يُصنف بأنه من أسوأ الأنظمة الانتخابية المطبقة عالمياً، وهو “نظام القائمة المطلقة المغلقة” الذي تخلت عنه الغالبية العظمى من دول العالم. هذا النظام الانتخابي يقوم عملياً على تزييف إرادة الناخبين ودمج أصوات الأغلبية والمعارضة لخدمة قائمة واحدة موالية، مما ينتج مجلساً تهيمن عليه الموالاة بشكل كلي.

ومع ذلك، فإن حدوث بعض الاعتراضات والمواقف النقدية من نواب الأغلبية في ملفات حيوية يرجع إلى حقيقة أنه لا يمكن نزع “الحس الإنساني والارتباط بالشارع” بالكامل من النائب البرلماني؛ فعندما يلامس النائب نبض الشارع والمواطنين في أزمات تمس حياتهم اليومية كالمعاشات والأسمدة، يجد نفسه مدفوعاً لإبداء الاعتراض والقيام بدوره الأساسي. أتمنى أن يستمر هذا المنحى ويتطور ليتحول البرلمان إلى منصة رقابية وتشريعية حقيقية تمارس أدواتها الجادة مثل تقديم الاستجوابات للوزراء وتشكيل لجان تقصي الحقائق لمواجهة الخلل.

المعارضة تحت قبة البرلمان

من خلال متابعتك.. كيف ترى أداء المعارضة في مجلس النواب؟

البرلمان يضم بالفعل بعض الكفاءات المعارضة التي تقدم أداءً برلمانياً جيداً ومتابعات محترمة. ولكن المشكلة الكبرى تكمن في أن وجود أغلبية برلمانية طاغية يصطدم دائماً بأي محاولة للمعارضة الحقيقية.

والأسوأ من ذلك هو اصطدام أداء النواب بمحاولات توجيه من قوى خارج المجلس تؤثر على القرار في الداخل، مما يعيق أداء النواب ويمنع تشكل معارضة برلمانية حقيقية ذات أثر ملموس.

مجلس الشيوخ

كيف تقيم تجربة مجلس الشيوخ في دور انعقاده الأول؟ وهل نجح في إثبات وجوده كغرفة تشريعية ثانية؟

مجلس الشيوخ في فلسفته الدستورية هو بمثابة “مجلس حكماء” أو نخبة استشارية تناقش القضايا العامة والسياسات الكبرى من منظور استشاري؛ ومن هذه الزاوية يمكن القول إنه يؤدي هذا الدور المحدد له. ولكن من الناحية العملية والدستورية، هو ليس مجلساً تشريعياً ولا يمتلك أي صلاحيات رقابية حقيقية، ولم يمنحه الدستور سلطات الغرفة التشريعية الثانية بالمعنى الكامل، فهو مجلس استشاري يفتقد للأدوات الرقابية الفاعلة.

المجالس المحلية

هل يمكن لإجراء انتخابات المجالس المحلية وتفعيلها وفق التوجيهات الرئاسية الجديدة أن يساهم في حل أزمة تفرغ نواب البرلمان للعمل التشريعي والرقابي بدلاً من الغرق في الخدمات المحلية؟

بكل تأكيد؛ غياب المجالس المحلية المنتخبة (على مستوى القرى والمراكز والأحياء والمحافظات) هو الذي أفرغ البرلمان من مضمونه التشريعي والرقابي.

تفعيل المحليات سينقل العبء الخدمي اليومي والتفصيلي مباشرة إلى نواب المحليات، مما يتيح لنائب البرلمان التفرغ لمناقشة السياسات العامة للدولة ومراقبة الموازنة بدلاً من الغرق في معاملات رصف الطرق المحلية، أو إنارة الشوارع، أو توفير مستلزمات زراعية صغيرة في دائرته.

الحوار الوطني ومصير التوصيات

بصفتك عضواً في مجلس أمناء الحوار الوطني، وفي ظل التوجيهات الرئاسية الأخيرة بخصوص الحوار؛ أين تقف مخرجات وتوصيات الحوار الوطني الآن؟ وهل ترى جدية في تفعيلها؟

الحوار الوطني حقق نجاحاً واضحاً في البداية؛ تمثل في “إلقاء حجر في المياه الراكدة” وإحداث حالة من الحراك والجدل السياسي الإيجابي في المجتمع. ولكن لكي نكون منصفين وموضوعيين، فإن حجم تفاعل وتطبيق السلطة التنفيذية مع توصيات الحوار الوطني لم يتجاوز نسبة 10% في أفضل الأحوال.

الحوار الوطني

لقد صاغ الحوار الوطني توصيات هامة وموضوعية شملت ملفات التعليم، والصحة، والإعلام، وتنشيط الأحزاب السياسية، وقانون الانتخابات، والمجالس المحلية، والحرية الاقتصادية؛ ولكن لم يترجم منها شيء حقيقي على أرض الواقع.

الحوار الوطني السابق أفرز بالفعل مقترحات غاية في الأهمية والموضوعية، ونحن اليوم لسنا بحاجة لإعادة اختراع العجلة أو البدء من الصفر في لقاءات إعلامية جديدة يُقال إنها ستبدأ في ديسمبر المقبل.

ما الجديد الذي سيقدمه أي مؤتمر جديد طالما أن الصحفيين وأصحاب الرأي ما زالوا خلف القضبان؟ وطالما أن قانون حرية تداول المعلومات لم يَر النور؟ وطالما أننا نعيش حالة “الصوت الواحد”.

ما لم تكن هناك خطوات عملية جادة تبدأ بالإفراج عن مسجوني الرأي، وفتح المجال العام فعلياً، وتطبيق توصيات الحوار السابقة؛ فلن يكون لأي دعوات أو مؤتمرات جديدة أي صدى أو قيمة حقيقية لدى الشارع والمواطنين.

تجميد غير معلن للحوار الوطني

بكل وضوح.. هل جرى تجميد الحوار الوطني بالفعل؟ وهل تم إبلاغكم رسمياً بصفتكم أعضاء في مجلس الأمناء بقرار التجميد أو بانتهاء أعمال الحوار وإغلاق ملفه؟

الواقع العملي يؤكد بوضوح أن الحوار الوطني قد جرى تجميده وتمديده زمنياً دون أي فاعلية؛ حيث لم تُعقد أي جلسات حقيقية للحوار منذ أكثر من عام تقريباً، وبذلك يمكن القول إن موضوع الحوار قد توقف تماماً، وانتهى أمره بالفعل.

ولكن لم يتم إبلاغنا رسمياً بأي قرار يفيد بالتجميد أو الإغلاق. وفي تقديري، فإن هذا المسلك يُعد من العيوب التنظيمية الواضحة في إدارة الحوار؛ إذ كان من الأجدر والأكثر شفافية أن يجري إعلامنا رسمياً بانتهاء الحوار وإعلان إغلاق الملف بوضوح، بدلاً من تركه معلقاً هكذا دون انعقاد أو فاعلية.

الجدل حول “التعديل الدستوري”

بدأت تتصاعد بعض الأصوات، خاصة من داخل مجلس الشيوخ وخارجه، تدعو لإجراء “تعديل دستوري” جديد يتضمن ضمن ما يتضمن فترات الرئاسة.. ما تعليقك؟

من الناحية الدستورية الصرفة، لا يوجد شيء اسمه “تعديل دستوري” يمس المدد الرئاسية؛ فالقاعدة الدستورية هنا صارمة ومحسومة. الدستور المصري يتضمن مادة صريحة (المادة 226) تنص بوضوح على أن الأحكام المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية والمساواة، لا يجوز تعديلها ما لم يكن التعديل متعلقاً بتقديم المزيد من الضمانات الديمقراطية.

وبناءً على ذلك، فإن أي مساس بمدد الرئاسة أو المكتسبات الديمقراطية التي جاء بها هذا الدستور يندرج قانوناً تحت بند “تغيير الدستور بالكامل” (أي وضع دستور جديد للبلاد) وليس “تعديل الدستور”؛ لأن الآلية الحالية تحظر التعديل في هذا الشق حظراً كاملاً.

وهل ترى أن مصر بحاجة إلى مثل هذا التغيير الدستوري حالياً؟

لا، مصر ليست بحاجة إلى ذلك مطلقاً.

آفاق المستقبل

في الختام: إلى أين تتجه مصر؟

آمل وأتمنى أن يتم تحسين الأداء العام والسياسي للبلاد من خلال تبني فلسفة “الاستماع لوجهة النظر الأخرى”، وإفساح المجال العام للآراء المختلفة. هذا الانفتاح هو الذي سيقود بالتبعية إلى صناعة حالة من المقبولية السياسية والشعبية في اتخاذ القرار، لا سيما القرارات الاقتصادية والاجتماعية التي تهم المواطن. إن التحول نحو هذا المسار هو السبيل الفعلي لرفع العبء والمعاناة عن كاهل المواطن المصري، وبدء مرحلة جديدة تضع البلاد على الطريق الصحيح.