شفرة تنشيط “الحياة الحزبية” في مصر.. توجيه رئاسي واضح وقادة أحزاب يطالبون بـ”الحياد الكامل” وخارطة طريق

تنشيط الحياة الحزبية- تصميم معد عبر الذكاء الاصطناعي
تنشيط الحياة الحزبية- تصميم معد عبر الذكاء الاصطناعي

 السيد البدوي: تشييد حياة حزبية قوية وراسخة يمثل ضرورة حتمية ومساراً لا يقبل الإرجاء أو التأجيل باعتباره السبيل الأوحد لإنعاش وبعث المجال العام

أحمد بهاء شعبان: تنفيذ مخرجات الحوار الوطني هو الأساس لأي تحرك لاستعادة الحياة السياسية

تيسير مطر: اجتماع موسع في 18 يوليو الجاري لمناقشة توجيهات الرئيس وبحث ملف المحليات وصياغة أجندة المرحلة المقبلة

على أبو حميد: إجراء انتخابات المجالس المحلية الركيزة الأساسية لتنشيط الحياة السياسية

ناجي الشهابي: أرجو أن تقف الدولة على مسافة واحدة من جميع الأحزاب السياسية


تتجه الأنظار داخل الأوساط السياسية المصرية نحو مستقبل العمل الحزبي، في وقت تزداد فيه التساؤلات حول كيفية تحويل التوجيهات المتكررة لرئيس الجمهورية، عبد الفتاح السيسي، بتنشيط الحياة السياسية إلى واقع ملموس يعيد الحيوية إلى الشارع، وبينما تقف مصر على أعتاب مرحلة تتطلب ترتيب الأولويات الوطنية، يرى قادة أحزاب وسياسيون بارزون في حديثهم لـ”ليبرالي” أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في قلة عدد الأحزاب، وإنما في طبيعة المناخ التنافسي والآليات الانتخابية المطبقة، بجانب غياب “الحاضنة الجماهيرية” المتمثلة في المجالس المحلية لسنوات طويلة.

التزام دستوري وضرورة حتمية

وفي تصريحات خاصة لـ “ليبرالي”، تداخلت رؤى قادة العمل الحزبي حول آليات الإنقاذ حيث شدد الدكتور السيد البدوي، رئيس حزب الوفد، على أن تشييد حياة حزبية قوية وراسخة يمثل ضرورة حتمية ومساراً لا يقبل الإرجاء أو التأجيل، باعتباره السبيل الأوحد لإنعاش وبعث المجال العام، وتأهيل قيادات سياسية قادرة على القيادة، فضلاً عن بلورة برامج واضحة تعبر بدقة عن تطلعات ومطالب الشارع، بما يرسخ الاستقرار السياسي ويدفع عجلة التنمية المستدامة إلى الأمام.

السيد البدوي

وينوه البدوي، بأن مسألة مساندة وتنشيط الحياة الحزبية تعد التزاماً ونصاً دستورياً فريداً تميز به الدستور المصري دون غيره من دساتير العالم بموجب مادته الخامسة، مستدركاً أن هذا المستهدف الدستوري لن يجد طريقه للتحقق في ظل مظلة قانون الانتخابات المعمول به حالياً.

وتابع رئيس حزب الوفد، في حديثه لـ”ليبرالي”، أن خوض انتخابات المجالس المحلية يعد استحقاقاً دستورياً واجباً وفورياً، بالنظر إلى ما تشكله هذه المجالس من حلقة ربط واتصال مباشر بين جموع المواطنين وأجهزة الدولة، ولدورها المحوري في مراقبة الأداء التنفيذي، وترسيخ مبادئ اللامركزية، علاوة على صناعة وتخريج كوادر شابة قادرة على حمل لواء المسؤولية في شتى ربوع المحافظات.


ويدعو “البدوي”، إلى ضرورة تهيئة مناخ سياسي عام يكفل منافسة عادلة ومتكافئة بموجب قانون يضمن تكافؤ الفرص بين الجميع، ويدعم التعددية الحزبية، ويحمي حرية العمل الحزبي، بما يسهم في تعزيز ثقة الشارع في المنظومة الديمقراطية ويدفع نحو مشاركة شعبية وزخم جماهيري واسع النطاق، مشيرًا إلى أن رد الاعتبار للأحزاب السياسية، بوصفها القنوات والشرابين الرئيسية للمشاركة السياسية، ليس إلا تفعيلاً صريحاً للحق والدستور الذي يقرر بوضوح أن النظام السياسي للدولة يقوم بالأساس على التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة.

ويشير رئيس حزب الوفد إلى أن إحياء العمل الحزبي يتطلب تدشين حوار مؤسسي جاد، مسؤول، ومستدام يجمع بين الدولة والقوى السياسية، مطالباً بضرورة تذليل وإزالة كافة العقبات والمعوقات التي تكبل عمل الأحزاب الجادة، وتمكينها من الالتحام والتواصل المباشر مع الجماهير لعرض أفكارها وبرامجها بوضوح ومسؤولية تامة لخدمة المصالح العليا للوطن.

تنفيذ مخرجات الحوار الوطني

 من جانبه، يقدم المهندس أحمد بهاء شعبان، رئيس مجلس أمناء الحركة المدنية الديمقراطية، خارطة طريق لاستعادة الحياة السياسية تبدأ بتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، لضمان عدم تكرار التجربة السابقة وضياع عامين آخرين من النقاش دون جدوى، مشيرًا إلى أن المعارضة قدمت حلولاً تفصيلية مكتوبة للأزمة الاقتصادية في كتاب مطبوع تجاوز 400 صفحة يحمل اسم “أفق الخروج” وتم تسليمه للمسؤولين دون أي استجابة ملموسة.

كما يدعو في حديثه لـ”ليبرالي” إلى تقليص مدد الحبس الاحتياطي والتعويض عن الحبس الخاطئ، وسرعة إخلاء سبيل المحبوسين على ذمة قضايا الرأي، وسرعة إصدار قوانين المجالس المحلية: المجمدة منذ ما يزيد على 10 سنوات، وفتح المجال الإعلامي وإنهاء سياسة “إعلام الصوت الواحد”، مؤكداً أن كافة وسائل الإعلام الرسمية والمرئية والمكتوبة حالياً مغلقة تماماً أمام الأصوات المعارضة لإبداء آرائها في الإجراءات الاقتصادية أو السياسية.

ويشير شعبان إلى أن المعارضة تلقت سيلاً من الغضب الشعبي بسبب مشاركتها السابقة في الحوار الوطني التي لم تثمر عن نتائج ملموسة، محذراً من أنه “إذا لم يقدم أي حوار سياسي جديد نتائج إيجابية واضحة للمجتمع، فإن الناس سيكفرون بجدوى الحوار والديمقراطية والحريات برمتها”، ودعا المنسقين وإدارة الحوار السابق، وعلى رأسهم الوزير ضياء رشوان، إلى إيضاح ما تم تنفيذه فعلياً من المخرجات السابقة كخطوة أولى لبناء الثقة.

وضرب رئيس مجلس الأمناء مثالاً بقضية الانتخابات المحلية والبرلمانية، حيث كان هناك شبه توافق على تبني نظام “القائمة النسبية” أو دمجها بدلاً من “القائمة المطلقة”، ومع ذلك لم يجد هذا التوافق سبيله للتنفيذ الفعلي.

 وعن إمكانية المشاركة في أي حوار سياسي مستقبلي، يوضح شعبان أن الحركة المدنية ككيان لم تناقش هذا الأمر رسمياً بعد، لكنه يطرح رؤيته الشخصية الفردية قائلاً: “رأيي الشخصي الذي أتحمل مسؤوليته هو ضرورة استغلال كل فرصة حوار ممكنة لصالح المجتمع وأبنائه المحبوسين دون تهم حقيقية تستحق العقاب، فمن العار أن يظل شاب محبوساً لسنوات لمجرد كتابة تغريدة أو إبداء رأي، فهذا الأمر يدمر معنويات الأجيال الجديدة ويدفعها للعزوف عن العمل السياسي خشية دفع أثمان باهظة”، ومع ذلك، اشترط شعبان لنجاح أي حوار مستقبلي وجود “علامات ومؤشرات جدية” من جانب السلطة.

الهيكلة والمراجعة الدستورية

وفي نفس السياق، يكشف تيسير مطر، رئيس حزب “إرادة جيل” والأمين العام لتحالف الأحزاب المصرية الذي يضم 42 حزباً سياسياً، عزم التحالف عقد اجتماع موسع للأحزاب في 18 يوليو الجاري لمناقشة مناشدات الرئيس المتكررة وبحث ملف المحليات وصياغة أجندة المرحلة المقبلة بمشاركة أحزاب من خارج التحالف، مؤكداً أن العمل الحزبي والتمثيل النيابي مساران متكاملان يتطلبان التكافؤ التام ورفض التمييز، متسائلاً عن مدى الحاجة لمراجعة دستورية وقانونية لملف المحليات.

ويشير تيسير مطر، الأمين العام لتحالف الأحزاب المصرية، إلى أن، الحياة الحزبية في مصر تحتاج إلى مقومات عديدة لتستعيد عافيتها ونشاطها، موضحاً أن التحدي المحوري يكمن في مدى الحاجة إلى مراجعة دستورية وقانونية حيث يتساءل الوسط الحزبي اليوم عن هل نصطدم ببعض المواد الدستورية في ملف المحليات؟ وهل نحتاج لتعديل بعض المواد أم لتغيير أعمق؟

ويؤكد “مطر” أن النهوض بالحياة الحزبية في دولة بحجم مصر يتطلب بشكل أساسي تقديم الدعم اللازم للأحزاب، وإطلاق حريتها في الحركة والعمل، بما يتيح لها ممارسة دورها ومستهدفاتها بحرية كاملة، شريطة أن يتحرك الجميع تحت مظلة الدستور وفي إطار القانون

النظام الانتخابي والتحديات

حديث مطر التقى معه ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطي وعضو مجلس الشيوخ، الذي شدد لـ “ليبرالي” على أن تشخيص الأزمة يجب أن يركز على البيئة السياسية وغياب المنافسة العادلة بسبب آلية “القائمة الوطنية” وتأخر المحليات وضيق الإمكانات، معتبراً أن الاستجابة لتوجيهات الرئيس تفرض على مؤسسات الدولة الوقوف على مسافة واحدة من الجميع وترك تشكيل القوائم للإرادة الحرة للأحزاب لإنهاء أزمة الثقة وترسيخ التعددية الديمقراطية.

ناجي الشهابي - خاص ليبرالي
ناجي الشهابي – خاص ليبرالي

ويوضح الشهابي، أن المشكلة الحزبية لا ترجع إلى نقص عدد الأحزاب، لافتاً إلى أن ضعف الإمكانات المالية والتنظيمية، وغياب انتخابات المجالس المحلية لسنوات طويلة، وافتقاد كثير من الأحزاب للموارد اللازمة للتوسع الجماهيري، كلها عوامل أثرت على حيوية العمل الحزبي.

ويضيف رئيس حزب الجيل الديمقراطي، أن النظام الانتخابي المطبق خلال السنوات الماضية، وخاصة فيما يتعلق بالقائمة الوطنية، لم يساعد على خلق تنافس حزبي حقيقي إذ أصبحت المنافسة محدودة بالنسبة لعدد كبير من الأحزاب، وهو ما انعكس على نشاطها وانتشارها وقدرتها على استقطاب المواطنين. وعن أبرز التحديات.

ويؤكد الشهابي، أن الدولة مطالبة بالوقوف على مسافة واحدة من الجميع دون تمييز، لأن حياد الدولة هو الضمانة الأساسية لازدهار الحياة السياسية وترسيخ ثقة المواطنين في العملية الديمقراطية، معتبراً أن استمرار العمل بآلية “القائمة الوطنية” يقلل من مساحة المنافسة الحزبية الطبيعية، ويحرم الناخب من المفاضلة بين برامج وتحالفات سياسية تتشكل بإرادة الأحزاب نفسها.

دلالات التوجيه الرئاسي

وفيما يخص مطالبة الرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة بتنشيط الحياة الحزبية والسياسية، يوضح ناجي الشهابي أن تكرار هذا التوجيه يحمل دلالات سياسية مهمة، ويؤكد أن القيادة السياسية تدرك أن بناء الجمهورية الجديدة لا يقتصر على المشروعات القومية والإنجازات الاقتصادية، وإنما يحتاج أيضاً إلى حياة سياسية قوية ومتطورة.

وتابع أن الرئيس يبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة الحديثة تحتاج إلى أحزاب قوية قادرة على إعداد القيادات، وصياغة البرامج، والتعبير عن مختلف الاتجاهات الوطنية، بما يحقق مشاركة سياسية أوسع ويعزز الاستقرار، مستطرداً أن تكرار هذا التوجيه يعكس رغبة صادقة في الارتقاء بالحياة الحزبية، لكنه في الوقت نفسه يضع على عاتق جميع مؤسسات الدولة مسؤولية ترجمة هذه الرؤية إلى سياسات وإجراءات تضمن تكافؤ الفرص.

وحول طبيعة ما تعانيه الحياة الحزبية، يقول الشهابي إن توصيف الأزمة بأنها أزمة واحدة فقط (سواء ثقة أو حرية أو كوادر) لا يعبر عن الواقع لوجود تداخل بين عدة عوامل، إلا أن جوهر المشكلة يتمثل في الحاجة إلى تفعيل المنافسة السياسية الحقيقية.

وينوّه بأن الكوادر السياسية موجودة داخل كثير من الأحزاب وتضم شخصيات تمتلك خبرات كبيرة، لكنها تحتاج إلى فرص متكافئة لإثبات وجودها، موضحاً أن أزمة الثقة ترتبط بدرجة كبيرة بإحساس المواطن بجدوى العمل الحزبي فإذا شعر الناخب بأن المنافسة تتم على أسس عادلة، وأن جميع الأحزاب تقف على قدم المساواة، فإن ثقته في الأحزاب ستزداد، وسيتوسع الانخراط في العمل السياسي بصورة طبيعية.

القرار الفارق

يشير رئيس حزب الجيل الديمقراطي إلى القرار الأكثر تأثيراً لتغيير شكل الحياة الحزبية خلال عام واحد، والذي يتمثل في أن تقف الدولة على مسافة واحدة من جميع الأحزاب السياسية، وألا تحظى أحزاب بعينها بأي رعاية أو دعم يميزها عن غيرها في الانتخابات البرلمانية.

وشدد على أن ترك تشكيل القوائم الانتخابية للأحزاب نفسها، من خلال تحالفات تنشأ بإرادتها الحرة، سيكون خطوة فارقة في إعادة الحيوية إلى الحياة السياسية، بدلاً من استمرار آلية “القائمة الوطنية” التي تضم أحزاب الموالاة وبعض الأحزاب الأخرى تحت عنوان تمثيل المعارضة، وجدد تأكيده على أن مصر تمتلك جميع المقومات اللازمة لبناء حياة حزبية قوية، وأن تنفيذ توجيهات الرئيس يتطلب ترجمة عملية تقوم على الحياد الكامل للدولة بين جميع الأحزاب، وإتاحة الفرصة أمام الجميع للتنافس الحر، لأن الديمقراطية الحقيقية لا تزدهر إلا بتكافؤ الفرص وثقة المواطنين في عدالة العملية السياسية.

المحليات.. البداية

من جانبه، يرى علي أبو حميد، القيادي بحزب العدل، أن الساحة السياسية المصرية في الفترة المقبلة تحتاج بشكل ملحّ إلى إجراء انتخابات المجالس المحلية، معتبرًا إياها الركيزة الأساسية لتنشيط الحياة السياسية وضخ دماء جديدة في شرايين العمل العام بالدولة.

على أبو حميد

ويوضح “أبو حميد” في حديثه لـ”ليبرالي” أن المجالس المحلية تكتسب أهمية قصوى كونها الجهة المعنية مباشرة بالدور الرقابي على مستوى المحافظات، مشيرًا إلى أن إجراء هذه الانتخابات من شأنه أن يخلق حالة من الحراك الواسع بين الأحزاب السياسية، ويساهم بشكل فعال في بناء وتنمية كوادر شابة وتأهيلها لتصبح قيادات سياسية قوية في المستقبل.

وفي سياق استعدادات الحزب، يكشف القيادي بحزب العدل عن جهود حزبية مكثفة جرت خلال الفترة الماضية لإعداد وتدريب الأعضاء؛ حيث أطلق الحزب عدة برامج تدريبية كان آخرها برنامج “1000 قائد محلي، والذي ركّز على التجهيز للمحليات، مضيفًا أن الحزب أتم مرحلته الأولى بنجاح، ويستعد حاليًا لخوض المرحلة الثانية من التأهيل، مؤكدًا جاهزية حزب العدل التامة للمنافسة بقوة في جميع المحافظات التي يتواجد بها، ومعربًا عن أمله في أن تسفر هذه الخطوات عن حراك سياسي كبير ومثمر يخدم الوطن والمواطن.