“الفاكهة” تُعامل معاملة “اللحمة”.. قصة طبق ودعه المصريون على غير رغبة

لم تعد الفاكهة مجرد طبق يزين المائدة بعد وجبة غداء –كما كانت دائمًا-، بل تحولت إلى حلم يُشاهد بالعين ولا تلمسه الأيدي في أسواقنا الشعبية اليوم، ولم يعد صخب الباعة يعبر عن بهجة الرزق، بل تحول إلى صيحات أشبه بالمناشدات، تُجبر الأمهات وأرباب الأسر على الهروب من أمام الباعة، لاسيما وإن قدر لهم السير نحو بائع الفاكهة – غير قاصدين قطعًا – رفقة صغارهم.

ومع القفزات الجنونية لأسعار الفاكهة في محلات التجزئة، تحولت ثمار الفاكهة إلى ذكريات مؤجلة، جراء الغلاء المتفاقم وما يقابله من تغير داخل البيوت المصرية، والكشف عن واقع يعيشه ملايين المواطنين الذين ودعوا طعم الفاكهة على غير رغبة.

الفاكهة تُعامل معاملة اللحوم
الواقع المرير الذي تشير له السطور السابقة، تؤكده مديحة محمود، موظفة بالمعاش وتبلغ من العمر 64 عامًا، قائلة:” ما كنتش أتخيل أن ييجي اليوم اللي استغني فيه عن الفاكهة داخل البيت”، معتبرة أن الفاكهة كان تناولها أساسيًا في اليوم، بعد الغداء أو تناول الفاكهة في العشاء بدلا من وجبة العشاء وتحديدًا في الصيف لكثرة أنواع الفاكهة، وأغلبها محبب لأبنائها، إلا أن ارتفاع أسعارها جعلها تُفكر في الشراء مرة واحدة شهريًا ، وذلك تزامنًا مع “قبض المعاش”.

وتضيف مديحة في تصريحات لـ”ليبرالي”، أن الفاكهة صحية ومفيدة، وكانت تدخل البيت من غير تفكير، إلا أنها حاليًا باتت تُعامل معاملة اللحمة، على حد قولها، قائلة:” الاتنين بقوا بيخشوا البيت مرة واحدة في الشهر”.

ومن حيث انتهت مديحة من سرد معاناتها لاقتناء الفاكهة، واصل أحمد خالد، سائق سيارة ربع نقل في شركة قطاع خاص، ويبلغ من العمر 47 عامًا، ولديه 3 أبناء، قائلًا:” المرتب هو هو.. وكل حاجة زادت.. ولما تيجي في آخر الشهر تلاقي نفسك لازم تختار الأهم فالمهم..والفاكهة أصبحت من الحاجات اللي ممكن استغنى عنها رغم أني عارف أنها مهمة لأولادي”.

كيلو العنب بـ 80 جنيهًا

وبعد سكوت برهة من الوقت، تحدث أحمد خالد لـ”ليبرالي، بنبرة حزينة تعبر عن الإحباط، مضيفًا:” زمان كنت كل يوم جمعة أنزل السوق أنا والعيال..وكل واحد يختار الفاكهة اللي بيحبها ودلوقتي بقيت أتجنب أعدي من قدام محلات الفاكهة معاهم.. لأنهم أول ما يشوفوا الأصناف يطلبوا وأنا عارف إني مش هقدر أشتري”.

واستشهد أحمد خالد بإحدى المرات الشهر الماضي، حيث طلب نجله الصغير، “برقوق” لأنه محبب له ولجميع أفراد الأسرة، وبالفعل اشترى كيلو بـ 100 جنيه، إلا أن المفارقة رغم السعر المرتفع، إلا أن طعم البرقوق كان” حادق” على حد قوله، لافتًا إلى أن أسعار الفاكهة مرتفعة وسيئة في آن واحد، متسائلًا:” يعني إيه كيلو البرقوق بـ 100 جنيه..وكيلو العنب ما بين 50 و80 جنيه وده سعر الكيلو مش سعر الكرتونة!..والموز الكيلو بـ 40 جنيه.. وكيلو المشمش بـ 120 جنيه..الأسعار ديه لمين ومن يشتريها؟!”.

سؤال أحمد خالد، عقب عليه سيد الخضري، صاحب محل فاكهة وخضار في المطرية، بأن تراجع الإقبال على شراء الفاكهة بات واضحًا أمام عينيه، ليس فقط بين محدودي الدخل، ولكن من الأسر المتوسطة.

تراجع الإقبال على شراء الفاكهة
ويضيف “الخضري” في حديثه لـ”ليبرالي”، قائلًا:” فيه زبائن أعرفهم من سنين كانوا كل أسبوع ياخدوا فاكهة لبيتهم..لكن دلوقتي بيجوا مرة كل شهر.. والزبون اللي كان بياخد 3 كيلو فاكهة بقى ياخد كيلو واحد.. والناس بقت تسأل عن السعر قبل النوع وده مكانش حاصل بالشكل ده قبل كده”.

ورصدت”ليبرالي”، أسعار بعض الفواكه في عدد من أسواق التجزئة بالقاهرة، وتراوح سعر كيلو المانجو ما بين 50 إلى 110 جنيهات حسب نوع المانجو، في حين سجل سعر كيلو العنب البناتي “الأصفر والأحمر” ما بين 40 إلى 80 جنيهًا، حسب المنطقة، واستقر سعر كيلو الموز عند الـ 40 جنيهًا، وسجل سعر كيلو البرقوق ما بين 70 إلى 100 جنيه، وسجل سعر التفاح البلدي ما بين 40 و60 جنيهًا، وسجل سعر التفاح المستورد “الأمريكي والإيطالي” ما بين بين 80 و 120جنيهًا للكيلو.

ومع زيادة أسعار الفاكهة داخليًا، تشير الأرقام الرسمية إلى أن صادرات مصر من الفواكه شهدت ارتفاعًا ملحوظًا منذ بداية العام الجاري، وقفًا لبيانات التجارة الخارجية، حيث بلغت القيمة الإجمالية لصادرات الفواكه الطازجة نحو 937 مليون و408 ألف دولار خلال الربع الأول من العام الجاري، ارتفاعا من 686 مليون و806 ألف دولار خلال الفترة المناظرة لها من العام الماضي 2025، بزيادة بلغت 250 مليون دولار.

التغيرات المناخية أثرت على إنتاج المحاصيل
وبالحديث مع المختصين عن أسعار الفاكهة وأسباب ارتفاعها، قال حسين أبو صدام، نقيب عام الفلاحين، إن ارتفاع درجات الحرارة و التقلبات الجوية الحادة تؤدي إلى انخفاض حجم الإنتاج وتراجع إلى المعروض من الفاكهة في الأسواق.

وأضاف أبو صدام في حديثه لـ”ليبرالي”، أن التغيرات المناخية أصبحت من أكبر التحديات التي تواجه المزارعين، لما لها من تأثير مباشر على إنتاجية وجودة المحاصيل الزراعية، لافتًا إلى أن التغيرات المناخية غيرت خريطة الزراعة في مصر خلال السنوات الأخيرة، وأثرت على إنتاج عدد من المحاصيل.

وأكد “أبو صدام”، أن موجات الحر الشديدة تُساعد بعض الفواكه الصيفية على سرعة النضج، إذا جاءت في معدلاتها الطبيعية، لكنها عندما تتجاوز الحدود المعتادة، تتسبب في أضرار جسيمة للمحاصيل، وتؤدي إلى تلف جزء من الإنتاج، وهو ما ينعكس في النهاية على الأسعار نتيجة انخفاض الكميات المتاحة للمستهلكين.

“المانجو والزيتون والعنب”..أكثر المحاصيل تأثرًا بالموجات الحرارية
وأفاد نقيب الفلاحين بأن بعض الزراعات كانت تقتصر على مناطق بعينها، وأصبحت تمتد إلى مناطق أخرى، وهو ما يفرض ضرورة التوسع في الإرشاد الزراعي وتوعية المزارعين بطرق التعامل مع التقلبات المناخية للحد من خسائر الإنتاج.

وفي السياق ذاته، قال الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة، إن الارتفاعات الحالية في أسعار الفاكهة ترتبط بشكل مباشر بالتغيرات المناخية وموجات الحرارة غير المعتادة.

وأضاف “فهيم” في تصريح لـ”ليبرالي”، أن التذبذب الحاد في درجات الحرارة خلال فصلي الربيع والصيف يؤثر على مرحلة عقد”قطف” الثمار، ويتسبب في تساقط جزء من الثمار، ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية وتراجع الكميات المطروحة في الأسواق.

ارتفاع الحرارة درجة مئوية واحدة.. تُؤدي لخسائر في الإنتاج 10%
وأفاد رئيس مركز معلومات تغير المناخ، بأن أكثر المحاصيل تأثرًا بالموجات الحرارية هي الفاكهة، وعلى رأسها “المانجو والزيتون والعنب”، إلى جانب بعض محاصيل الخضر، مشيرًا إلى أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة يرهق النباتات ويقلل من قدرتها على الإنتاج، وهو ما ينعكس في النهاية على الأسعار نتيجة انخفاض المعروض مقارنة بحجم الطلب.

وأوضح “فهيم”، أن درجات الحرارة المرتفعة تؤدي إلى زيادة معدلات البخر، وارتفاع احتياجات النباتات للمياه، فضلًا عن انتشار الآفات والأمراض الزراعية، بخلاف أن ارتفاع متوسط درجة الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة خلال المراحل الحرجة من نمو المحاصيل يؤدي إلى خسائر في الإنتاجية تتراوح ما بين 5 و10%، مع زيادة تكاليف الري والطاقة، الأمر الذي ينعكس في النهاية على أسعار الفاكهة للمستهلك.

وشدد “فهيم” على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب التوسع في تطبيق ممارسات الزراعة الذكية مناخيًا، والالتزام بالتوصيات الفنية الخاصة بمواعيد الري والتسميد وحماية الأشجار من الإجهاد الحراري، بما يسهم في الحفاظ على الإنتاج وتقليل التقلبات السعرية في الأسواق.

نقص الأسمدة في الأسواق
بدوره، قال الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الزراعة بجامعة القاهرة والخبير الدولي بالأغذية والحبوب، إن أحد أهم أسباب زيادة أسعار الفاكهة هذا العام يرجع إلى نقص الأسمدة في الأسواق، حيث قامت الحكومة بتصديرها إلى الأسواق العالمية، ما دفع المزارع لشرائها من السوق الحر بأسعار مضاعفة، والذي سينعكس على زيادة أسعار الفاكهة المصرية محليًا وعالميًا.

وأكد الدكتور نادر نور الدين، أن مصر دولة مصدرة للأسمدة بـ 7 مليون طن سنويًا، واستفادت كثيرًا من ارتفاع أسعارها عالميًا، بسبب أزمة مضيق هرمز، والتي تصدر دوله نحو 30% من الإنتاج العالمي.

وتابع الخبير الدولي بالأغذية والحبوب: “بدلًا من أن نحمد ربنا على هذا الرزق غير المخطط له، فإذا بنا نفضل التصدير عن السوق المحلي، فيتم أولا: تخفيض حصص المحاصيل الاستراتيجية من الأسمدة، ثم مؤخرًا منع الحصص السمادية عن مزارع بساتين الفاكهة، رأس مال مصر التصديرية وأكبر من حقق انجازا وشرفًا لمصر الزراعية”.