القنبلة “301”.. سلاح واشنطن القانوني لتحجيم الصين اقتصاديًا

بعد أربعة أشهر من إلغاء المحكمة العليا الأمريكية استخدام الرئيس “ترامب” لقانون صلاحيات الطوارئ “IEEPA” لشن حرب تجارية عالمية، أعادت إدارته إطلاق أجندته الجمركية بنهج جديد يرى أنه قد يصعب على المحاكم إبطاله.

تجري الولايات المتحدة حاليًا تحقيقات عديدة، وأعلن مكتب الممثل التجاري الأمريكي في مطلع  يونيوالماضي، أنه يسعى الآن إلى تطبيق المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974 لفرض تعريفات جمركية مجددًا على ما يسمى “الاقتصادات الستين”، وتشمل القائمة الاتحاد الأوروبي، ما يُعني فعليًا تأثر أكثر من 80 دولة.

وتشمل هذه التحقيقات الطاقة الإنتاجية الفائضة الهيكلية، والعمل القسري، والتزامات المرحلة الأولى التجارية مع الصين، وهيمنة الصين على صناعة أشباه الموصلات.

ما هي المادة 301؟
قانون المادة 301 “Section 301” هو أحد أقوى الأسلحة التجارية في القانون الأمريكي، ويمنح رئيس الولايات المتحدة ومكتب الممثل التجاري الأمريكي “USTR” سلطة واسعة لفرض عقوبات ورسوم جمركية أحادية الجانب على أي دولة أجنبية يثبت أنها تنتهك الاتفاقيات التجارية أو تمارس سلوكيات غير عادلة تضر بالاقتصاد أو الشركات الأمريكية.

صدر هذا القانون لأول مرة كجزء من قانون التجارة الأمريكي لعام 1974 “Trade Act of 1974″، وجرى تعديله وتوسيع صلاحياته لاحقاً خاصة في عام 1988، ليصبح أداة هجومية للدفاع عن المصالح الاقتصادية الأمريكية في الخارج.

تحقيقات العام 2026
تعمل تحقيقات مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة للعام 2026 في اتجاهين:
الطاقة الإنتاجية الفائضة الهيكلية
في 11 مارس 2026، بدأ مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة تحقيقات بموجب المادة 301 في 16 اقتصادًا، من بينها الصين، بشأن الطاقة الإنتاجية الفائضة والإنتاج الصناعي، وعقدت جلسات الاستماع العلنية في مايو 2026.

العمل القسري: أطلق مكتب الممثل التجاري الأمريكي تحقيقات منفصلة شملت 60 اقتصادًا بما فيها الصين، تتعلق بالقيود المفروضة على الواردات المصنعة باستخدام العمل القسري، واستمرت جلسات الاستماع حتى منتصف يوليو 2026.

يقع العديد من هذه الدول في الجنوب العالمي، لكن العديد من الدول المتقدمة الحليفة للولايات المتحدة – بريطانيا، وكندا، والاتحاد الأوروبي، واليابان، وأستراليا، ونيوزيلندا – تعد أيضًا من بين الدول المستهدفة بهذا النهج الجديد، ويمكن القول أن هذه الموجة المتجددة من الرسوم الجمركية قد تدفع الدول إلى الابتعاد أكثر عن الولايات المتحدة، وتحفزها على السعي لعقد اتفاقيات تجارية فيما بينها بدلاً من الاعتماد على واشنطن.

ما السبب وراء القانون؟
تم تشريع هذا القانون لتحقيق عدة أهداف رئيسية لحماية أمريكا عندما تشعر أن النظام الدولي لا ينصفها، ففي السبعينيات والثمانينيات، لم تكن هناك منظمة تجارة عالمية “WTO” قوية لفض النزاعات، فوضعت أمريكا هذا القانون لتأخذ حقها بـ “يدها” ودون الحاجة لإذن دولي.

ويستهدف القانون الدول التي تضع حواجز وتمنع البضائع الأمريكية من دخول أسواقها، أو تقدم دعمًا ماليًا حكوميًا ضخمًا لمصانعها المحلية بحيث تستطيع بيع بضائعها في أمريكا بأسعار رخيصة جدًا تدمر المنافس الأمريكي، وهو ما يعرف بفائض الإنتاج.

كما يستهدف القانون حماية الابتكارات الأمريكية، فيعاقب الدول التي تقوم بقرصنة البرمجيات، أو تزوير العلامات التجارية، أو تجبر الشركات الأمريكية على التنازل عن تكنولوجيتها وسر الصنعة كشرط للاستثمار هناك، وهو الملف الأساسي الذي حوكمت به الصين عام 2018.

كيف يعمل القانون؟
يقوم مكتب الـ USTR بفتح تحقيق إما بطلب من الشركات الأمريكية أو بقرار من الحكومة للتأكد من ممارسات الدولة الأخرى، وتمنح واشنطن الدولة المتهمة مهلة للتفاوض وحل المشكلة وديًا، وإذا فشلت المفاوضات، يملك الممثل التجاري الأمريكي الحق وبموافقة الرئيس، في إعلان عقوبات فورية تكون غالبًا على شكل رسوم جمركية باهظة بنسب 25% أو 50% أو حتى 100%، على قائمة سلع تختارها أمريكا بعناية لضرب اقتصاد تلك الدولة.

لهذا السبب ينظر إلى المادة 301 دوليًا على أنها قانون مثيـر للجدل لأن أمريكا تعمل فيه كـ “خصم وحكم في نفس الوقت”، وهو المحرك الأساسي لكل الحروب التجارية التي تخوضها واشنطن حاليًا.

لماذا يعد هذا التوقيت حرج لكل من واشنطن وبكين؟
تسارع الولايات المتحدة لإنهاء هذه التحقيقات قبل 4يوليو 2026؛ وهو التاريخ الذي تنتهي فيه صلاحية الرسوم الجمركية المؤقتة الحالية البالغة 10% بموجب المادة 122، والهدف هو استبدال الرسوم المؤقتة برسوم المادة 301 الدائمة، ومن المتوقع صدور القرارات النهائية والإعلان الرسمي عن نسب الضرائب المطبقة بشكل نهائي خلال الـ 60 يومًا القادمة أي الربع الثالث من عام 2026.

يستهدف تحقيق فائض الإنتاج الهيكلي قطاعات التصنيع الحيوية والثقيلة التي تدعمها الصين لإنتاج كميات تفوق الطلب العالمي، وأبرزها التكنولوجيا الفائقة والطاقة (أشباه الموصلات – الألواح الشمسية – البطاريات)، الصناعات الثقيلة والنقل (السفن – معدات النقل – الآلات والأدوات الميكانيكية)، المواد الخام والأساسية ( الصلب – الألومنيوم – البلاستيك – الزجاج)، وصناعات أخرى (الأقمار الصناعية – الورق – الأغذية والمشروبات المصنعة).

أما تحقيق العمل القسري، أثبت مكتب الممثل التجاري الأمريكي “USTR” إدانة 60 اقتصادًا بما فيها الصين، واقترح فرض رسوم جمركية إضافية شاملة بنظام الشرائح على كل البضائع الواردة من هذه الدول تقريباً لحين إثبات خلوها من العمل القسري، فتم اقتراح حجم رسوم 10% للدول التي لديها التزامات أو قوانين تمنع العمل القسري، و12.5%للدول التي تفتقر لتلك القوانين.

تشمل القطاعات المتأثرة جميع السلع والواردات تقريباً والتي تمثل 99.4% من إجمالي واردات أمريكا، أما في قطاع الملابس والمنسوجات، وضع الـ USTR آلية خاصة تسمح بخفض هذه الرسوم الإضافية بشروط معينة ترتبط بحجم الصادرات الأمريكية من الألياف لتلك الدول.

وإلى جانب تحقيقات العام 2026، هناك قطاعات صينية تخضع بالفعل لرسوم المادة 301، وشهدت زيادات حاسمة تصل في قطاع السيارات الكهربائية (EVs) رسوم تصل إلى 100%، والخلايا الشمسية وأشباه الموصلات رسومها تصل إلى 50%، أما بطاريات الليثيوم والصلب والألومنيوم فرسومها تصل إلى 25%.

كيف ستؤثر المادة 301 على الصين؟
ستمثل التحقيقات والرسوم الجمركية الجديدة لعام 2026 ضربة قوية ومباشرة للموجة الجديدةمن الصادرات الصينية، وتؤثر على الاقتصاد الصيني عبر 4 محاور رئيسية:

فيما يتعلق بتحقيق فائض الإنتاج الهيكلي:
حرب الطاقة النظيفة وإعاقة خطة الإنقاذ الاقتصادية للصين، حيث تعتمد الصين حاليًا على ما تسميه الثلاثي الجديد (السيارات الكهربائية – بطاريات الليثيوم – الألواح الشمسية) لقيادة نموها الاقتصادي وتعويض أزمة العقارات الداخلية، وفرض رسوم تصل إلى 100% على السيارات و50% على الألواح يغلق السوق الأمريكي تمامًا أمام هذه المنتجات، مما يجبر المصانع الصينية على خفض إنتاجها أو البحث عن أسواق بديلة بصعوبة.

تعميق أزمة فائض الإنتاج وتراجع الأرباح، فالرسوم على قطاعات (الصلب، الألومنيوم، والكيماويات) تعني أن البضائع الصينية المتراكمة في المخازن لن تجد مشتريًا في أمريكا، وهو ما يترتب عليه حرب أسعار داخلية في الصين، حيث تضطر الشركات لبيع منتجاتها بخسارة داخل البلاد أو تصديرها بأسعار زهيدة جدًا لأسواق أخرى، مما يقلل أرباح الشركات الصينية ويزيد من ديونها.

أما تحقيق العمل القسري سيتسبب تحقيق العمل القسري في تسريع هروب المصانع وسلاسل الإمداد من الصين، حيث يفرض التحقيق رسومًا شاملة (12.5%) على كل شيء تقريباً يخرج من الصين، هذا الإجراء سيدفع الشركات العالمية وحتى الشركات الصينية نفسها إلى نقل مصانعها فورًا إلى دول أخرى في آسيا مثل فيتنام والهند أو المكسيك لتجنب الجنسية الصينية للمنتجات والهروب من الرسوم.

كيف سترد الصين على المادة 301؟
لن تقف بكين مكتوفة الأيدي، حيث بدأت بالفعل في فرض قيود على تصدير المعادن النادرة والحاسمة (الجاليوم، الجرمانيوم، والغرافيت، وغيرها) التي تحتاجها الولايات المتحدة وصناعات التكنولوجيا العالمية لصناعة الرقائق الإلكترونية والبطاريات، وقد تلجأ بكين أيضا إلى فرض رسوم انتقامية على المنتجات الزراعية الأمريكية (مثل الصويا واللحوم) أو الطائرات.

كيف ستؤثر تحقيقات المادة 301 على العلاقات الصينية الأمريكية؟
إن تفعيل تحقيقات المادة 301 بشكل كامل سيضع العلاقات الصينية الأمريكية في حالة من “التنافس الإستراتيجي المحسوب”، حيث يسير البلدان على حبل مشدود بين التصعيد التجاري والرغبة في الحفاظ على استقرار الدبلوماسية قبيل اللقاء المرتقب في واشنطن في سبتمبر 2026.

الغضب الصيني الرسمي وأوراق الضغط
ترى بكين أن تحقيقات المادة 301 سواء فائض الإنتاج أو العمل القسري، هي إجراءات أحادية الجانب تقوض النظام التجاري العالمي، إلا أن بكين لن تقطع خطوط الاتصال كلية، بل ستستخدم نفوذها في ملفات حساسة مثل (الوساطة في حرب أوكرانيا، وضبط تدفق النفط عبر مضيق هرمز، والحد من تسليح بعض الأطراف) كأوراق تفاوضية لتخفيف حدة هذه الرسوم الجمركية.

ما بين قمة مايو المنصرمة وقمة سبتمبر المرتقبة
أعلن الرئيس ترامب أنه يتوقع استضافة الرئيس شي جين بينغ في واشنطن أواخر سبتمبر 2026 بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتفعيل المادة 301 سيشكل الأرضية الأساسية لهذه المقابلة من خلال:

الرسوم كأداة تفاوضية: تعمد الإدارة الأمريكية تفعيل وإعلان رسوم المادة 301 في الصيف “قبل سبتمبر” ليس بغرض إشعال حرب تجارية شاملة فورية، بل لكسب نفوذ قوي وأوراق ضغط على طاولة المفاوضات عندما يصل الرئيس شي إلى واشنطن.

البحث عن صفقة كبرى: لقاء سبتمبر في واشنطن لن يلغى بسبب الرسوم، بل سيتحول إلى “ساحة مساومات حاسمة”، فقد تعرض واشنطن تعليق أو خفض بعض رسوم المادة 301، مقابل تنازلات صينية ملموسة تتعلق بفتح الأسواق أمام البضائع الأمريكية، أو زيادة مشتريات الصين بموجب اتفاقية المرحلة الأولى، أو وضع قيود صينية ذاتية على تصدير رقائق أشباه الموصلات والمعادن النادرة.

من المتوقع أن تتحول قمة واشنطن 2026 إدارة الصراع بذكاء، حيث تفرض الرسوم بيد، وتجرى المفاوضات باليد الأخرى، حيث تصر واشنطن على تفعيل جزء من رسوم المادة 301 لحماية صناعاتها الحيوية (مثل الرقائق الإلكترونية والبطاريات)، وترد بكين بفرض قيود محدودة ومدروسة على بعض المعادن النادرة.

ومن المحتمل أن يتم الاتفاق في القمة على تشكيل مجموعات عمل مشتركة لمراجعة الرسوم وتأجيل تطبيق العقوبات القصوى لعدة أشهر، أي ستظل الرسوم قائمة لكن العلاقات تدار خلف الكواليس بذكاء ودون تصعيد سياسي خارج السيطرة.

يمثل استمرار تداعيات إغلاق مضيق هرمز والتوترات العسكرية المرتبطة بإيران تهديدًا وجوديًا لسلاسل إمداد الطاقة العالمية، أدى هذا الوضع بالفعل إلى رفع تكاليف الشحن والتأمين وتأجيج مخاوف التضخم، في ظل هذه الظروف، تدرك واشنطن وبكين أن إشعال حرب تجارية شاملة وفورية فوق أزمة الطاقة الحالية سيكون بمثابة انتحار اقتصادي متبادل قد يدفع بالاقتصاد العالمي نحو ركود حاد لا يتحمله أحد.

لذا فإن تجميد الرسوم المؤقت أو جدولتها يمنح واشنطن الظهوربمظهر القوي الحازم دون تفجير الأسواق، ورغم الخلاف يدرك الرئيسان أن انهيار العلاقات سيضر باقتصاد البلدين قبل الانتخابات النصف في الولايات المتحدة أو المراحل الانتقالية السياسية.