شاهين كمال الدين
شاهين كمال الدين

الاشتراك أولاً والعلاج لاحقاً

في أحد مستشفيات أسوان، وقف رجل بسيط يعمل يومه بيومه، تعبان وخائف، يبحث عن طبيب يطمئنه بعد وعكة صحية مفاجئة. لكن قبل أن يسمع سؤال “بتشتكي من إيه؟”، جاءه سؤال آخر: “حضرتك مسدد اشتراكات التأمين الصحي الشامل؟”

المشهد قد يبدو تفصيله إداريه عابره لمن لم يعشه، لكنه بالنسبة لكثير من المواطنين في أسوان، أصبح تجربة حقيقية تتكرر منذ تفعيل منظومة التأمين الصحي الشامل في يوليو 2025. رجل لم يستخدم الخدمة يوماً واحداً، لم يكن يعلم أن عليه اشتراكاً شهرياً منذ تفعيل المنظومة، ليكتشف في أضعف لحظاته أنه “مديون” بمبلغ متراكم، عليه سداده أو التعهد به، قبل أن يحصل على العلاج الذي جاء من أجله .

خلل يظهر في توفيت حرج  القانون هنا واضح تماماً. المادة 48 من قانون التأمين الصحي الشامل تشترط أن يكون المواطن مسدداً لاشتراكاته منذ تاريخ سريان المنظومة في محافظته حتى يحق له الانتفاع بالخدمة. مبدأ التكافل الذي تقوم عليه فكرة التأمين يجعل هذا الشرط مفهوماً من الناحية النظرية: فالمنظومة تحتاج تمويلاً مستمراً كي تستطيع خدمة الجميع.

لكن التطبيق العملي لهذا المبدأ يكشف عن ثغرة حقيقية. فئة واسعة من محدودي الدخل والعمالة غير المنتظمة وكبار السن لم تكن تعلم أصلاً ببدء التزامها المالي، ليس تهرباً، بل لأن المعلومة لم تصلها بالشكل الكافي، ولأن حياة هؤلاء اليومية بعيدة كل البعد عن متابعة منظومة إلكترونية تتطلب استخراج مستندات ومتابعات رقمية دورية.

والنتيجة أن المواطن، الذي يفترض أن المنظومة صُممت أصلاً لحمايته، يجد نفسه في لحظة مرضه أمام مطالبة مالية لم يكن يدري بوجودها، بينما هو في أضعف حالاته وأشد حاجته للرعاية لا للحساب .

وهنا يظهر التناقض الجوهري: المادة 18 من الدستور تكفل لكل مواطن الحق في الرعاية الصحية، وتُجرّم صراحة الامتناع عن العلاج في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة. فكيف يُربَط حق دستوري مكفول بمديونية سابقة لم يكن المواطن يعلم بها أصلاً؟

هيئة التأمين نفسها التقطت طرفاً من هذه المشكلة، فأتاحت إمكانية تقسيط الاشتراكات المتأخرة، وهي خطوة إيجابية تستحق التقدير. لكنها تعالج فقط طريقة السداد، دون أن تجيب عن السؤال الجوهري: لماذا يُطالَب مواطن أصلاً بسداد فترة لم ينتفع خلالها بأي خدمة، ولم يكن على علم كافٍ بالتزامه تجاهها؟

في فرق بين مواطن انتفع بالخدمة بالفعل عدة مرات ثم توقف عن السداد، وهذا تقصير واضح يستحق المساءلة والتحصيل، وبين مواطن آخر لم يحتج الخدمة إطلاقاً طوال أشهر أو سنوات، ولم يكن يعلم أن عدم استخدامه للخدمة لا يعني إعفاءه من الاشتراك عنها.

الحالة الأولى مسؤولية واضحة يتحملها المواطن. أما الثانية، فهي أقرب إلى ثغرة تنظيمية تُحمّل المواطن عبئاً لم يُبلَّغ به بوضوح كافٍ من البداية، ثم تفاجئه به تحديداً في اللحظة التي هو فيها أقل قدرة على المواجهة والتفاوض.

الحل مش صعب المطلوب هنا ليس تعديلاً جذرياً في فلسفة القانون، ولا إلغاء لمبدأ الاشتراك الذي تقوم عليه أي منظومة تأمينية سليمة. المطلوب تعديل واحد محدد وقابل للتنفيذ: أن يبدأ احتساب الاستحقاق من تاريخ أول طلب فعلي للخدمة من المواطن نفسه ، لا من تاريخ تفعيل المنظومة في المحافظة ككل.

بهذا التعديل، يظل حق المنظومة في التمويل قائماً كما هو دون أي مساس، ويظل من استخدم الخدمة وتوقف عن السداد مسؤولاً عن التزامه بالكامل. لكن من لم يكن يعلم، أو لم تصله المعلومة بالقدر الكافي، يحصل على بداية عادلة وواضحة لعلاقته بالمنظومة، بدلاً من أن يبدأها بديون لا يفهم من أين جاءت.

هذا التعديل لا يُضعف المنظومة، بل يقويها فعلياً، لأنه يرفع من ثقة المواطن فيها، ويحوّلها من جهة يخشاها البعض في لحظة مرضهم، إلى مظلة يشعرون فعلاً أنها جاءت لحمايتهم أولاً.

نجاح أي منظومة كبرى لا يُقاس فقط بعدد المستشفيات أو حجم الإنفاق عليها، بل يُقاس أيضاً بمدى ثقة الناس فيها، وبمرونتها في التعامل مع التفاصيل الإنسانية الدقيقة التي تواجه المواطن العادي في أصعب لحظاته.

 ومراجعة بسيطة لنقطة احتساب الاستحقاق، لتبدأ من أول طلب فعلي للخدمة بدلاً من تاريخ تفعيل عام قد لا يعلم به كثيرون، خطوة صغيرة تكون الفارق بين مواطن يشعر أن المنظومة جاءت لتحميه، ومواطن يفاجأ بمديونية تلاحقه في أضعف لحظة من حياته .