مقالات

المعارضة ليست «اسطمبة» مكررة

كل فترة، ومع أي اختلاف بين حزبين أو أكثر من الأحزاب المحسوبة على المعارضة، نسمع نفس الجملة: «المعارضة انقسمت».

وكأن المعارضة كانت يومًا حزبًا واحدًا، أو تنظيمًا واحدًا، أو مجموعة من الأشخاص يحملون الأفكار نفسها وينظرون إلى الاقتصاد والمجتمع والسياسة بالطريقة نفسها.

والحقيقة أن هذا ليس معنى المعارضة أصلًا، فالمعارضة في أي حياة سياسية تعددية ليست «اسطمبة» تُنتج نسخًا متطابقة من الأحزاب. هي أطياف سياسية متعددة، لكل منها رؤيتها وبرنامجها وأولوياتها، وقد تصل التباين بينها في بعض الملفات إلى درجة أكبر من اختلاف بعضها مع السلطة نفسها.

هناك حزب يرى أن اقتصاد السوق هو الطريق الأفضل مع شبكة قوية للحماية الاجتماعية، وحزب آخر يؤمن بدور أوسع للدولة في الاقتصاد. هناك من يضع الحريات السياسية في مقدمة أولوياته، ومن يعطي أولوية أكبر للعدالة الاجتماعية أو الإدارة المحلية أو السياسات الاقتصادية.

فلماذا نفترض أن وجودهم جميعًا خارج السلطة يعني أنهم أصبحوا حزبًا واحدًا؟

في العلوم السياسية، مفهوم المعارضة يرتبط أساسًا بالقوى السياسية الموجودة خارج الحكومة أو الأغلبية الحاكمة، والتي تنافسها أو تقدم بدائل لسياساتها. لكن وجود أحزاب عدة في موقع المعارضة لا يلغي استقلال كل حزب أو برنامجه أو رؤيته.

ومن هنا، فإن اختلاف أحزاب المعارضة حول قضية أو قانون أو انتخابات لا يعني بالضرورة أن «المعارضة انقسمت».

لأنها لكي تنقسم، كان يجب أن تكون موحدة أصلًا. يمكن لحزبين أن يتفقا على رفض سياسة اقتصادية، ثم يختلفا حول البديل. ويمكن أن يتفقا على قانون للحريات، ويختلفا على قانون للاستثمار. ويمكن أن يتعاونا في موقف سياسي، ثم يتنافسا أمام الناخبين في الانتخابات. وهذا ليس تناقضًا، فهذه هي التعددية.

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما نختزل الحياة السياسية كلها في معسكرين: سلطة ومعارضة. ثم نضيف إلى ذلك اختراعًا سياسيًا آخر اسمه «الموالاة»، بحيث يصبح المشهد حزبًا أو أغلبية حاكمة، وحولها مجموعة أحزاب تؤيدها، وفي الجهة الأخرى مجموعة من الأحزاب مطلوب منها أن تتصرف باعتبارها حزبًا واحدًا.

وهنا نفقد جوهر الحياة الحزبية، لأن الحزب السياسي لم يُنشأ لكي يحدد موقفه فقط على أساس: هل أنا مع الحكومة أم ضدها؟

الحزب موجود أساسًا لأنه يحمل رؤية مختلفة لإدارة الدولة والمجتمع والاقتصاد، ويقدم برنامجًا للناس ويحاول إقناعهم به. ولذلك فمن الطبيعي أن يتفق مع الحكومة في قرار إذا رآه صحيحًا، ويعارضها في قرار آخر، مثلما يمكنه أن يتفق مع حزب معارض في قضية ويختلف معه في عشر قضايا أخرى.

المعيار الحقيقي لقوة الحياة السياسية ليس أن تتحدث المعارضة كلها بصوت واحد.

بل أن تكون لدينا أحزاب حقيقية، لكل منها برنامج واضح، ومواقف مستقلة، وقواعد تعرف لماذا تنتمي إليها، وناخب يستطيع أن يميز بين حزب وآخر.

أما البحث الدائم عن «وحدة المعارضة» وكأن المطلوب صناعة حزب واحد كبير في مواجهة حزب آخر كبير، فهو في حد ذاته نقيض لفكرة التعددية التي تقوم عليها الأحزاب.

نعم، يمكن لأحزاب المعارضة أن تتحالف، كما يمكنها أن تنسق في قضايا مشتركة. ويمكنها أن تخوض معارك سياسية وانتخابية معًا.

لكن التحالف شيء، والذوبان شيء آخر. واختلافها بعد ذلك لا يعني انهيارًا ولا انقسامًا، وإنما يعني ببساطة أن لكل حزب هويته ورؤيته.

المعارضة ليست “اسطمبة” مكررة. والاختلاف بين أحزابها ليس أزمة في السياسة…

لأنه باختصار ،  الاختلاف هو السياسة.

زر الذهاب إلى الأعلى