مقالات

بين استهداف أوكرانيا وروسيا والحوثيين والسعودية.. إلى متى ستظل منشآت الطاقة تحت النار؟

أصبحت منشآت الطاقة خلال السنوات الأخيرة جزءًا أساسيًا من معادلات الصراعات الدولية والإقليمية، نظرًا إلى ارتباط النفط والغاز والكهرباء مباشرة بالاقتصاد والنقل والصناعة والتجارة العالمية، وتوضح التطورات في الحرب الروسية–الأوكرانية، إلى جانب التوترات التي تطال قطاع الطاقة في منطقة الخليج والبحر الأحمر، أن أمن الطاقة أصبح قضية تتجاوز حدود الدولة المنتجة لتؤثر في الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد.

روسيا وأوكرانيا.. الطاقة في قلب الصراع

تمثل الحرب الروسية–الأوكرانية نموذجًا واضحًا للتأثير المباشر للصراعات على البنية التحتية للطاقة. وخلال سبتمبر 2026، أدت الأضرار التي لحقت بعدد من المصافي الروسية إلى خفض إنتاج الديزل، حيث أشارت رويترز إلى أن 6 مصافٍ رئيسية تمثل نحو 50% من إنتاج الديزل الروسي تعرضت لاضطرابات كبيرة في التشغيل. كما ذكرت أن إنتاج المصافي الروسية تعرض لضغوط متكررة، الأمر الذي دفع موسكو إلى فرض قيود على صادرات بعض المنتجات النفطية بهدف دعم الإمدادات المحلية.

وتظهر أهمية هذه الأرقام لأن روسيا كانت تصدر قبل هذه الاضطرابات نحو 3.3–3.4 مليون طن شهريًا من الديزل والغازويل، ما يعني أن تراجع طاقة التكرير لا يؤثر فقط على السوق الروسية، وإنما يمكن أن ينعكس على الأسواق التي تعتمد على المنتجات الروسية.

وفي المقابل، تعرضت البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا لأضرار كبيرة منذ بداية الحرب في فبراير 2022. وفي سبتمبر 2026، أعلنت شركة الطاقة البولندية Orlen عن اتفاق لتوريد 3 شحنات من الغاز الطبيعي المسال LNG إلى أوكرانيا في أوائل 2027، إضافة إلى توفير وقود تصل قيمته إلى 500 مليون دولار، في إطار دعم أمن الطاقة الأوكراني.

السعودية.. أهمية منشآت الطاقة تتجاوز حدود المملكة

تكتسب السعودية أهمية خاصة في معادلة الطاقة العالمية بسبب حجم إنتاجها وقدرتها الاحتياطية. وتبلغ الطاقة القصوى المستدامة لشركة أرامكو 12 مليون برميل يوميًا، وفق البيانات الرسمية للشركة، بينما بلغ إجمالي إنتاجها من المواد الهيدروكربونية في عام 2025 نحو 12.9 مليون برميل مكافئ نفطي يوميًا، وبلغ إنتاج السوائل 10.7 مليون برميل يوميًا، فيما وصلت طاقتها التكريرية الصافية إلى 4.2 مليون برميل يوميًا.

هذه الأرقام توضح لماذا يمثل استقرار منشآت الطاقة السعودية عنصرًا مهمًا لسوق النفط العالمي؛ فالسعودية لا تعتمد على منشأة واحدة، وإنما تمتلك منظومة واسعة تشمل الإنتاج والمعالجة والتكرير والتخزين وخطوط الأنابيب وموانئ التصدير.

بقيق وخريص.. نموذج يكشف حجم التأثير

في سبتمبر 2019، تعرضت منشآت بقيق وخريص لأضرار أدت إلى توقف مؤقت لما يقارب 5.7 مليون برميل يوميًا من إنتاج النفط السعودي. وكان هذا الرقم يمثل في ذلك الوقت أكثر من نصف إنتاج المملكة اليومي، وهو ما أدى إلى اضطراب كبير في أسواق النفط العالمية.

وتكشف هذه الواقعة أن التأثير الحقيقي لا يرتبط فقط بحجم الضرر المادي في المنشأة، وإنما بمدى أهمية المنشأة داخل منظومة الإنتاج والتصدير العالمية.

2026.. تراجع الإمدادات السعودية

أظهرت بيانات نقلتها رويترز عن وكالة الطاقة الدولية أن إمدادات النفط الخام السعودية انخفضت في أغسطس 2026 إلى نحو 6 ملايين برميل يوميًا، بانخفاض قدره 2.3 مليون برميل يوميًا مقارنة بشهر يوليو، في ظل اضطرابات مرتبطة بالتوترات والهجمات على البنية التحتية وطرق الشحن في المنطقة.

وفي المقابل، قدمت السعودية وأطراف أخرى في المنطقة بدائل للحفاظ على تدفق النفط، من بينها إعادة توجيه بعض عمليات النقل واستخدام عمليات نقل من سفينة إلى أخرى. وتشير رويترز إلى أن صادرات النفط والمنتجات من الشرق الأوسط استمرت رغم الاضطرابات، مع استخدام طرق بديلة عبر البحر الأحمر وموانئ أخرى.

لماذا يصعب حماية منظومة الطاقة بالكامل؟

تكمن المشكلة الرئيسية في أن قطاع الطاقة لا يتكون من منشأة واحدة يمكن تأمينها بشكل منفصل. فهناك حقول إنتاج، ومصانع معالجة، ومصافي، وخزانات، ومحطات ضخ، وخطوط أنابيب، وموانئ، وشبكات كهرباء، ومراكز تحكم.

وبالتالي فإن حماية قطاع الطاقة تعني حماية سلسلة كاملة من المنشآت المترابطة. وأي خلل في إحدى الحلقات يمكن أن يؤثر على الحلقات الأخرى.

كما أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية يضيف تحديًا جديدًا، إذ أصبحت شركات الطاقة تواجه أيضًا مخاطر إلكترونية متزايدة. وفي سبتمبر 2026، أشارت رويترز إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي من جانب جهات مهاجمة يزيد من مخاطر الهجمات الإلكترونية على شبكات الطاقة وأنظمة التشغيل، خصوصًا مع زيادة الترابط والرقمنة داخل القطاع.

من حماية المنشأة إلى مرونة منظومة الطاقة

أحد أهم التحولات في مفهوم أمن الطاقة هو الانتقال من التركيز على حماية المنشأة فقط إلى بناء منظومة قادرة على الاستمرار حتى عند حدوث اضطرابات.

وتعتمد هذه المرونة على عدة عناصر، أهمها وجود مخزونات استراتيجية، وتعدد مصادر الإمداد، وتنوع طرق النقل والتصدير، وتوافر طاقات إنتاجية احتياطية، وسرعة إصلاح المنشآت المتضررة.

وتملك السعودية، على سبيل المثال، طاقة قصوى مستدامة تبلغ 12 مليون برميل يوميًا، وهو ما يوفر هامشًا يمكن استخدامه للتعامل مع بعض حالات اضطراب الإمدادات. وتؤكد أرامكو أن هذه الطاقة الاحتياطية تمنحها مرونة في زيادة الإنتاج استجابة لتغيرات السوق أو حالات التوقف غير المخطط لها.

التأثير لا يتوقف عند النفط الخام

من أهم التطورات الحالية أن المشكلة لم تعد مرتبطة بالنفط الخام فقط، وإنما بالمنتجات المكررة، وعلى رأسها الديزل ووقود الطائرات.

وفي سبتمبر 2026، أشارت رويترز إلى أن أوروبا تواجه عجزًا متوقعًا في وقود الطائرات خلال الربع الأخير من العام يبلغ نحو 510 آلاف برميل يوميًا، بينما تراجعت مخزونات وقود الطائرات في مركز أمستردام–روتردام–أنتويرب إلى أدنى مستوى لها خلال 7 سنوات.

وهذا يوضح كيف يمكن أن ينتقل اضطراب منشآت الطاقة من منطقة جغرافية محددة إلى تأثيرات على النقل الجوي والصناعة والأسواق في مناطق بعيدة.

إلى متى ستظل منشآت الطاقة تحت النار؟

من الصعب تحديد موعد نهائي لانتهاء المخاطر، لأن استمرارها يرتبط بدرجة كبيرة بمسار الصراعات والتوترات الجيوسياسية. لكن من الواضح أن قطاع الطاقة سيظل من أكثر القطاعات حساسية خلال السنوات المقبلة، بسبب قيمته الاقتصادية والاستراتيجية وارتباطه المباشر بحياة السكان والاقتصاد العالمي.

وفي الوقت نفسه، تشير التطورات الحالية إلى أن الدول بدأت في بناء قدرة أكبر على امتصاص الصدمات بدلًا من الاعتماد على منعها بالكامل. فتنويع طرق التصدير، وزيادة الاحتياطيات، وتطوير شبكات الطاقة، والاستثمار في التخزين والطاقة المتجددة، كلها أدوات تساعد على تقليل تأثير أي اضطراب.

الخلاصة

تكشف المقارنة بين روسيا وأوكرانيا والسعودية ومنطقة البحر الأحمر أن أمن الطاقة أصبح أحد أهم الملفات في النظام الدولي. فالأرقام توضح حجم التأثير: 6 ملايين برميل يوميًا مستوى الإمدادات السعودية في أغسطس 2026 وفق تقدير وكالة الطاقة الدولية، و12 مليون برميل يوميًا الطاقة القصوى المستدامة لأرامكو، و50% تقريبًا من إنتاج الديزل الروسي الذي تأثر باضطرابات المصافي في سبتمبر، فضلًا عن 510 آلاف برميل يوميًا العجز المتوقع في وقود الطائرات الأوروبي خلال الربع الأخير من 2026.

وبالتالي، فإن السؤال خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط: كيف نحمي منشآت الطاقة؟ بل سيكون أيضًا: كيف نبني منظومة طاقة تستطيع الاستمرار في العمل والتعافي سريعًا مهما كانت الأزمات؟

وهنا ستصبح المرونة، وتعدد مصادر الإمداد، والاحتياطيات الاستراتيجية، والتكنولوجيا، والأمن السيبراني، وسرعة التعافي عناصر أساسية في حماية أمن الطاقة العالمي.

زر الذهاب إلى الأعلى