عزيزي المواطن المصري.. اصنع مصيرك ولا تنتظر أن تكون عرضًا جانبيًا لسياسات الآخرين
من الانتخابات الأمريكية إلى تجربة لولا دا سيلفا.. لماذا يبدأ التغيير السياسي بالمشاركة لا بانتظار الآخرين؟
التغيير السياسي في مصر لا يمكن أن يكون مرهونًا بنتائج الانتخابات الأمريكية، ولا بصعود سياسيين من أصول عربية إلى مواقع السلطة في الولايات المتحدة، ومع ذلك، فإن متابعة هذه التجارب وفهم آلياتها قد تكون أكثر فائدة من مجرد الاحتفاء بالفائزين أو انتظار أن يغيروا واقعنا.
عبدول السيد، أمريكي، وآدم حماوي، أمريكي، وعبير كواس، أمريكية، وإلهان عمر، أمريكية،
وقبل أن يكونوا من أصول مصرية أو فلسطينية أو صومالية، وقبل أن يكونوا عربًا أو مسلمين أو أصحاب مواقف تتقاطع مع قضايانا، فهم في النهاية سياسيون أمريكيون، وأولويتهم الطبيعية هي المواطن الأمريكي وهمومه ومشاكله ومصالحه.
فلماذا نطالبهم بتحقيق أحلام العرب؟ ولماذا نحمّلهم مسؤولية إنقاذ منطقة كاملة، بينما هم في الأساس يخوضون معارك سياسية داخل مجتمعهم، ولأسباب تخص هذا المجتمع أولًا؟.
السياسيون الأمريكيون ليسوا مسؤولين عن تحقيق أحلام العرب
هل معنى ذلك ألا نهتم بما يحدث في الانتخابات الأمريكية؟ بالطبع لا، من حقنا أن نتابع، وأن نرحب بصعود أصوات تعارض سياسات نرى أنها أضرت بمنطقتنا، وأن نتطلع إلى أن تؤدي هزيمة الجمهوريين وتراجع نفوذ ترامب إلى الحد من اندفاع سياساته.
وربما تخلق هذه النتائج توازنًا سياسيًا داخل المؤسسات الأمريكية، يضع بعض القيود على قرارات الرئيس، أو يقلل من حدة السياسات التي تؤثر بصورة مباشرة على منطقتنا.
لكن عزيزي المواطن المصري المطحون، لا تخلط بين تقاطع المصالح وتطابقها، فحتى الذين يعارضون ترامب لا يعارضونه بالضرورة من أجلك، ولا من أجل مصر أو فلسطين أو العالم العربي، وإنما لأن لديهم رؤيتهم الخاصة لمصالح الولايات المتحدة ومستقبلها.
وقد تتقاطع هذه الرؤية مع مصالحنا في بعض الملفات، وتختلف معها في ملفات أخرى، أنت وبلدك لستما مركز المعركة الانتخابية الأمريكية، بل ربما تكونان مجرد عرض جانبي في حسابات السياسة والمصالح هناك.
ماذا نتعلم من الانتخابات الأمريكية؟
وهنا أصل إلى ما أراه أهم بكثير من الاحتفاء بفوز مرشح أو خسارة آخر.
عزيزي المواطن، اهتم بالتجارب السياسية باعتبارها علمًا ومدرسة نتعلم منها، لا مجرد مباراة نشجع فيها فريقًا ونهاجم الآخر.
راقب كيف تُدار السياسة، وكيف تُبنى الأحزاب، وكيف تُصنع القيادات، وكيف تتحول الأفكار الصغيرة إلى تيارات جماهيرية.
راقب كيف يخسر السياسي ثم يعود، وكيف تسقط الأحزاب من السلطة ثم تعيد تنظيم نفسها لتنافس من جديد.
والأهم، راقب كيف تتحول المعارضة من مجرد صوت غاضب إلى بديل يمتلك برنامجًا وتنظيمًا وقاعدة شعبية وقدرة على الوصول إلى السلطة.
فالسياسة ليست فقط ما يحدث داخل صناديق الاقتراع، وإنما ما يحدث قبلها بسنوات، وما يستمر بعدها من عمل وتنظيم وبناء وتراكم.
لولا دا سيلفا.. ثلاث هزائم قبل الوصول إلى الرئاسة
إذا أردت نموذجًا يستحق الدراسة، فارجع إلى تجربة لولا دا سيلفا في البرازيل.
ذلك العامل البسيط الذي خرج من المصانع والنقابات العمالية، وشارك في تأسيس
حزب العمال، ثم قرر أن يخوض معركة الرئاسة في بلد تحكمه شبكات سياسية واقتصادية شديدة التعقيد.
خسر انتخابات 1989.
ثم عاد وخسر انتخابات 1994.
ثم عاد وخسر انتخابات 1998.
ثلاث هزائم رئاسية متتالية، وثلاث فرص كانت كافية لأن يقول له البعض: انتهيت، لن تصل، أنت مجرد كومبارس في مشهد سياسي أكبر منك، والأفضل أن تترك الساحة لمن يستطيع الفوز.
لكنه لم يعتبر الخسارة نهاية السياسة، ولم يتعامل مع الانتخابات باعتبارها إما الوصول إلى السلطة الآن أو الانسحاب إلى الأبد.
استمر في بناء حزبه، وتوسيع قاعدته الجماهيرية، وتطوير خطابه، ومراجعة تحالفاته.
وفي عام 2002، وصل أخيرًا إلى رئاسة البرازيل، ثم أُعيد انتخابه عام 2006.
وبعد انتهاء ولايتيه، غادر السلطة، ثم عاد لاحقًا إلى قلب صراعات سياسية وقضائية معقدة، ودخل السجن، قبل أن تُلغى إداناته ويستعيد حقوقه السياسية.
وفي عام 2022، عاد إلى صناديق الاقتراع وفاز بالرئاسة مجددًا.
ولا أقول هنا إن لولا نموذج سياسي كامل، أو إن تجربته خالية من الأخطاء والتناقضات؛ فهذه أيضًا جزء من الدراسة والتقييم.
لكن تخيل لو أنه استسلم بعد أول هزيمة، أو لو أن حزبه قرر أن خسارة الانتخابات دليل نهائي على عبثية العمل السياسي.
أو لو أن أنصاره تعاملوا مع كل تجربة غير ناجحة باعتبارها فضيحة تستوجب الانسحاب، هل كان سيصل إلى ما وصل إليه؟.
ليس كل من يخسر الانتخابات كومبارس
وهنا الدرس الذي أعتقد أننا نحتاج إلى فهمه في مصر.
ليس كل من خسر انتخابات فاشلًا، وليس كل من لم يصل إلى السلطة كومبارس، وليس كل تجربة سياسية لم تحقق أهدافها فورًا تجربة بلا قيمة.
هناك فرق كبير بين من يدخل السياسة ليظهر في الصورة، ومن يدخلها ليبني تجربة، حتى لو لم يشاهد بنفسه ثمار ما زرعه.
وهناك فرق بين حزب يخوض الانتخابات من أجل مقعد، وحزب يخوضها أيضًا من أجل بناء كوادر، واكتساب خبرة، واختبار خطاب، والوصول إلى مواطنين لم يكن يستطيع الوصول إليهم من قبل.
وهناك فرق بين معارضة تنتظر أن تتغير الظروف حتى تبدأ العمل، ومعارضة تعمل على تطوير نفسها حتى تصبح قادرة على الاستفادة من أي تغيير في الظروف.
ولا يعني ذلك تبرير كل فشل، أو منح صكوك نجاح مجانية لأي تجربة سياسية لمجرد أنها مستمرة.
فالاستمرار بلا مراجعة قد يتحول إلى تكرار للأخطاء، كما أن المشاركة بلا هدف قد تتحول فعلًا إلى مجرد ديكور.
لكن الحكم على التجارب السياسية لا ينبغي أن يكون فقط بعدد المقاعد التي حصلت عليها، وإنما أيضًا بما تركته من أثر، وما بنته من تنظيم، وما قدمته من أفكار، وما أضافته إلى وعي المجتمع وقدرته على التغيير.
التغيير السياسي في مصر يبدأ من المشاركة
مشكلتنا أحيانًا أننا نريد نتائج السياسة دون أن نتحمل مشقة ممارستها.
نريد أحزابًا قوية دون أن نشارك في بنائها، ونريد معارضة مؤثرة ثم نسخر من كل محاولة تقوم بها، ونريد بديلًا حقيقيًا ثم نحاكم أي تجربة ناشئة بمعايير تجربة حكم امتدت لعقود.
نطالب بالتغيير، لكننا نستعجل نتائجه إلى الحد الذي يجعلنا نهدم بأيدينا ما لم يكتمل بناؤه بعد.
والأخطر أننا أحيانًا نحتفي بالتجارب السياسية في الخارج، ونستمتع بقصص صعودها من الهامش إلى السلطة، بينما نسخر من البدايات المتواضعة لتجارب مشابهة في الداخل.
نصفق للعامل الذي أصبح رئيسًا في البرازيل، وللمرشح الذي استطاع تحدي المؤسسة الحزبية في أمريكا، وللحزب الذي عاد إلى الحكم بعد سنوات من المعارضة.
ثم نعود لنقول لمن يحاول ممارسة السياسة هنا: وماذا ستفعل؟ وهل تتصور أنك ستغير شيئًا؟.
وكأن التغيير في العالم كله يبدأ بخطوة، إلا عندنا يجب أن يبدأ بانتصار كامل!.
يا عزيزي، السياسة ليست ضربة حظ، ولا سباق مائة متر، ولا فيلمًا نعرف نهايته بعد ساعتين.
السياسة تراكم، وتنظيم، وصبر، وقدرة على التعلم من الأخطاء، وامتلاك الشجاعة للاعتراف بالفشل ثم المحاولة مرة أخرى.
والتغيير الحقيقي لا يولد عادة مكتملًا، بل يتشكل عبر سنوات من التجارب والصراعات والتنازلات والمراجعات، وأحيانًا الهزائم القاسية.
كيف تُصنع الأحزاب القوية ويحدث التغيير؟
أهم ما يمكن أن نتعلمه من الانتخابات الأمريكية ليس فقط من الذي فاز ومن الذي خسر، ولا كم نائبًا من أصول عربية وصل إلى مواقع سياسية مؤثرة.
وإنما كيف تُدار المنافسة، وكيف تُبنى التحالفات، وكيف تتغير موازين القوى.
وكيف يستطيع تنظيم سياسي أن يستثمر حالة الغضب الشعبي ليحولها إلى فعل انتخابي، ثم إلى قدرة مؤسسية على التأثير.
وفي الوقت نفسه، علينا أن نفهم أن التجارب لا تُنسخ كما هي.
فما يصلح داخل النظام الأمريكي أو البرازيلي ليس بالضرورة قابلًا للتطبيق بنفس الآليات في مصر، لاختلاف المؤسسات والظروف وموازين القوى.
لكن يمكننا أن نتعلم منها المبادئ، ونفهم أدواتها، ونبحث عما يناسب واقعنا بدلًا من الاكتفاء بالمشاهدة والتصفيق.
فالتغيير السياسي في مصر لا يبدأ بالضرورة من الوصول إلى السلطة، وقد يبدأ أحيانًا ببناء فكرة، أو تأسيس تنظيم، أو إعداد كوادر، أو إقناع مواطن واحد بأن السياسة ليست شأنًا بعيدًا عن حياته.
أثر الفراشة.. لا تستهِن بخطوة صغيرة نحو التغيير
لا تستهِن بهذه الخطوات، فقد تكون خطوة صغيرة لا يلتفت إليها أحد اليوم، لكنها تترك أثرًا يظهر بعد سنوات.
مثلما تشرح لنا فكرة «أثر الفراشة» كيف يمكن لتغير صغير في ظروف نظام معقد أن يرتبط بنتائج أكبر بكثير، دون أن تكون هذه النتائج مضمونة أو قابلة للتنبؤ بسهولة.
ربما لا ترى نتائج جهدك اليوم، وربما لا تصل إلى السلطة، وربما تخسر معركة تلو الأخرى، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنك لم تغير شيئًا.
فبعض الأفكار تحتاج إلى من يزرعها، وآخرين يرعونها، وأجيال تأتي بعدها لتحصد ثمارها.
والمجتمعات التي تتغير ليست بالضرورة تلك التي لا تعرف الهزيمة، وإنما تلك التي تستطيع تحويل الهزائم إلى خبرات، والخبرات إلى تنظيم، والتنظيم إلى قوة قادرة على التأثير.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يفشل في محاولة التغيير، وإنما أن يفقد ثقته في جدوى المحاولة نفسها.
عزيزي المواطن المصري.. اصنع مصيرك
تابع السياسة الأمريكية، وافهم ما يحدث فيها، وادرس تجارب البرازيل وغيرها، واحتفِ بما تراه من خطوات إيجابية في العالم إن شئت.
لكن لا تجعل أقصى طموحك السياسي أن ينجح الآخرون في تغيير بلادهم، بينما تقنع نفسك أن تغيير واقعك مستحيل.
لا تنتظر أن يأتيك الأمل من صندوق انتخابي في ميشيجان أو نيويورك، بينما تتعامل مع صندوق الانتخاب في بلدك باعتباره بلا قيمة.
فحقوقك ومصالحك لا يحميها نائب أمريكي من أصول عربية، وإنما يحميها في المقام الأول مجتمع يدرك حقوقه، ومؤسسات تخضع للمساءلة، وحياة سياسية تسمح بالتنافس الحقيقي، ومواطن لا يتنازل عن حقه في المشاركة والتغيير.
تعلّم من الذين يخسرون ثم يعودون، ومن الذين يبنون رغم الصعوبات، ومن الذين يفهمون أن السياسة ليست مجرد البحث عن نصر قريب، بل صناعة قدرة مستمرة على التأثير.
فليس مطلوبًا من كل من يبدأ الطريق أن يصل إلى نهايته، لكن من المؤكد أن الطريق لن يُقطع إذا اقتنع الجميع بأن الخطوة الأولى بلا جدوى.
وربما تكون الخطوة التي تسخر منها اليوم هي نفسها التي ستكتشف بعد سنوات أنها كانت بداية كل شيء.






