العلاج بالفن.. «علاج بلا مرضى»
عالجَ يعالج، معالجةً وعِلاجًا، عالج الطبيبُ المريضَ أي داواه، وعالج العطلَ أي بحث عنه وأصلحه، وعالج الشيءَ أي زاوله ومارسه، وعالج المعدنَ أي صوغه وشكّله ليأخذ صورةً غير التي كان عليها.
هكذا تتعدد معاني كلمة واحدة، بين المداواة والإصلاح والممارسة والتشكيل، لكننا حين نسمع كلمة “العلاج” لا يتبادر إلى أذهاننا سوى المرض، فهل يعني ذلك أن العلاج لا يبدأ إلا حين يظهر المرض؟ وهل يحتاج الإنسان إلى أن يكون مريضًا كي يمارس الفن؟.
ربما نحتاج إلى أن نعيد النظر في علاقتنا بكلمة العلاج نفسها، لا لننزع عنها معناها الطبي، وإنما لنكتشف أن الإنسان أوسع من قائمة أمراضه بعيدا عن آفة اطلاق المسميات وتنميط الأفعال وقولبتها، فثمة أشياء في داخلنا لا تحتاج إلى تشخيص كي نمنحها مساحة وقد يكون الفن إحدى هذه المساحات التي يلتقي فيها الإنسان بنفسه، لا بوصفه مريضًا ينتظر الشفاء، وإنما بوصفه إنسانًا لا يزال يكتشف ما يمكن أن يكونه.
فحين يجلس طفل أمام ورقة بيضاء بصحبة ألوانه لا يقوم بالرسم لأنه يعاني من مشكلة بعينها، وإنما لأنه يريد أن يرسم بيتًا لم يره من قبل، ويكتشف وهو يختار الألوان أنه يستطيع أن يصنع شيءًا لم يكن موجودًا، ويحوّل فكرة غامضة إلى شكل يراه ويلمس أثره ويغيّره كما يشاء، في هذه اللحظة لا نحتاج إلى أن نبحث عن اضطراب كي نفهم قيمة التجربة، فالطفل يتعلم الاختيار، ويواجه احتمال الخطأ، ويكتشف أن ما يمكن تغييره لا ينبغي أن يخيفه، فلا ينبغي أن ننتظر أن يتألم الإنسان حتى نمنحه مساحة يشكّل فيها نفسه.
وهنا يجب أن ننتبه أن ليس كل نشاط فني علاجًا، فالعلاج بالفن ممارسة مهنية متخصصة تجري داخل علاقة علاجية يقودها متخصص مؤهل بشكل كامل، من خلال أهداف محددة تتجاوز إنتاج عمل فني يحمل مواصفات ذات دلالة مؤكدة فكل لون داكن ليس علامة على اضطراب، فالعمل الفني لا يتحدث بلغة رموز ثابتة يمكن ترجمتها بمعزل عن صاحبه والسياق والحالة والظرف الراهن، كذلك المشاهد الدرامية التي تشاهدها علي المسرح في عرض احترافي معد بعناية فهو مختلف كليًا عن مشاهد السيكودراما التي تشترط العفوية والتلقائية لتحقيق اهداف بعينها.
الفن يا عزيزي ليس وصفة سحرية تصلح لكل شيء، ولا أن نستخدم اسمه لتجميل أي نشاط، وليس على الإنسان أن يثبت أنه مريض كي يستحق أن يُصغى إليه، أو يقدم دليلًا على معاناته كي يجد مساحة للتعبير.
فالسؤال ليس: كيف نعالج بالفن أناسًا لا يعانون مرضًا؟، بل كيف نمنح الفن مكانه في حياة الإنسان قبل أن نضطر إلى البحث عن اسمه داخل ملف علاجي؟.
فليس علينا أن نكون مرضى كي نستحق الفن؛ يكفي أننا بشر، وهذه وحدها تجربة تحتاج، من وقت لآخر، إلى بعض المعالجة.



