«نُحيي التراث ولا نُغير روحه».. مدير «كورال هارموني عربي» يكشف لـ«ليبرالي» حكاية أغاني المقاومة
رحلة لإحياء ذاكرة مصر الموسيقية من أغاني المقاومة بين النكسة وانتصارات أكتوبر إلى التراث الشعبي المتنوع


-
مدير «كورال هارموني عربي»: التراث المصري معرض للاندثار إذا لم نُعد تقديمه للأجيال الجديدة
-
الشباب يتفاعل مع التراث.. والمشكلة ليست في الأغاني وإنما في طريقة تقديمها
-
أغاني المقاومة جزء من الذاكرة الوطنية وليست مجرد أعمال فنية
-
من النكسة وحرب الاستنزاف إلى طابا.. نُعيد اكتشاف ذاكرة غنائية لم تُوثق بما يكفي
-
طموحنا أن يسمع العالم الموسيقى المصرية والعربية بروحها الأصيلة
من نكسة 1967 إلى نصر أكتوبر 1973، ظلت الأغنية المصرية حاضرة في تفاصيل حياة المصريين، تعبر عن مشاعرهم في أوقات الانكسار والصمود والانتصار، وتحمل جانبًا مهمًا من الذاكرة الشعبية والوطنية.
وفي محاولة لإحياء هذا التراث وتقديمه للأجيال الجديدة بصورة معاصرة، يعمل فريق «كورال هارموني عربي» على إعادة تقديم عدد من أغاني المقاومة والتراث المرتبط بهذه المرحلة، مع الحفاظ على روحها وأصالتها.
وفي حوار خاص لـ«ليبرالي»، يتحدث المهندس محمود عوض، مدير ومخرج الفريق، عن بداية المشروع، وأهمية توثيق أغاني المقاومة، وكيف يتفاعل الشباب مع هذا النوع من التراث، إلى جانب أبرز محطات الفريق داخل مصر وخارجها، وطموحه لتمثيل مصر والوطن العربي على الساحة الدولية، وإلى نص الحوار:
في البداية.. كيف بدأت فكرة إحياء أغاني المقاومة الشعبية والتراث الغنائي المرتبط بالفترة بين النكسة وحرب أكتوبر؟ ولماذا اخترتم هذه المرحلة تحديدًا؟
بدأت فكرة إحياء التراث لدينا منذ وقت مبكر، وتحديدًا مع تأسيس الفريق بشكل رسمي عام 2022، تحت قيادة المايسترو محمود وحيد، مدرب كورال جامعة عين شمس، ومنذ البداية، كان اهتمامنا الأساسي منصبًا على إحياء التراث، انطلاقًا من إيماننا بأن الفن ليس مجرد وسيلة للترفيه، وإنما وسيلة حقيقية للتعبير عن الإنسان في مختلف حالاته ومشاعره.
فالموسيقى قادرة على التعبير عن الفرح والسعادة، كما يمكنها أن تعكس الحزن والضيق وأوقات الشدة، وهذه الفكرة تمثل جزءًا أساسيًا من رؤيتنا، وهي أن نقدم للمتلقي مفهومًا أوسع للموسيقى، باعتبارها ليست مرتبطة فقط بالأفراح والمناسبات السعيدة، وإنما حاضرة في مختلف تفاصيل حياتنا، وتعبر عن الحالات الإنسانية المتنوعة.
ومن هذا المنطلق، تبنينا منذ البداية فكرة إحياء التراث، وحرصنا على تقديمه بصورة توضح قيمته، وتقربه من الجمهور، وتؤكد أن الفن جزء أصيل من حياة الإنسان ومن الطريقة التي يعبر بها عن نفسه ومجتمعه.
ومنذ نحو عام، بدأنا في التركيز بصورة أكبر على إحياء التراث المرتبط بأغاني المقاومة خلال الفترة بين النكسة وحرب أكتوبر، لأننا نرى أن هذه المرحلة تحديدًا لم تحصل على حقها الكافي من التوثيق، خصوصًا فيما يتعلق بتراثها الفني والغنائي على مستوى مصر بشكل عام.
ونحن نتحدث هنا عن مرحلة بالغة الأهمية في تاريخ مصر الحديث، بدأت عام 1967، ومرت بسنوات الصمود وحرب الاستنزاف، وصولًا إلى انتصارات أكتوبر عام 1973، ثم استمرت رحلة استعادة الأرض حتى تحرير طابا عام 1989.
فهذه السنوات لم تكن مجرد مجموعة من الأحداث السياسية والعسكرية، وإنما كانت حياة كاملة عاشها المصريون، وكان للفن والأغنية خلالها دور مهم في التعبير عن هذه الحالة، ونقل مشاعر الناس وتوثيق جانب من تجربتهم خلال تلك الفترة.

كيف تنظرون إلى أغاني المقاومة باعتبارها جزءًا من الذاكرة الشعبية المصرية؟ وهل كشف لكم العمل على هذا المشروع عن وجود تراث غنائي كبير لم ينل حقه من التوثيق؟
الحقيقة أن لدينا مشروعًا كبيرًا ومستمرًا لإحياء التراث المصري، وهذا يمثل في الأساس محور اهتمامنا الأول؛ لأن مصر تتمتع بتنوع ثقافي وموسيقي ثري للغاية، وربما لا نكون مدركين بشكل كامل لحجم هذا التنوع.
فنحن نتحدث عن دولة تقترب مساحتها من مليون كيلومتر مربع، وكل منطقة فيها تتميز بثقافتها الخاصة وموسيقاها وطريقتها في التعبير عن نفسها وعن أهلها، فجنوب مصر له طابعه المميز، والشمال له طابعه، والشرق يختلف عن الغرب، كما تختلف المدن الساحلية عن المناطق الموجودة في أقصى الجنوب أو الشرق أو الغرب. وبالتالي نحن أمام تنوع هائل من الثقافات والألوان الموسيقية.
وعندما نتحدث تحديدًا عن فترات الحرب والمقاومة، سنجد أن كل منطقة كان لها أسلوبها الخاص في التعبير عن الأحداث، سواء من خلال الأغنية الشعبية أو الفلكلور أو الاسكتشات أو الحكايات التي تناقلتها الأجيال من جيل إلى آخر.
كما أن مصر مرت عبر تاريخها بحضارات وثقافات عديدة، تركت جميعها آثارها وتأثيراتها المختلفة، لكن في الوقت نفسه استطاع التراث المصري أن يحافظ على شخصيته وهويته، وظل حاضرًا وحيًا حتى يومنا هذا.
ومن هنا، نحن نرى أن أغاني المقاومة ليست مجرد أغانٍ قديمة نقوم بإعادة تقديمها، وإنما هي بمثابة وثائق شعبية تحمل مشاعر الناس في فترة زمنية معينة، وتكشف لنا كيف كان المواطن المصري ينظر إلى الحرب والمقاومة والأمل والانتصار، وكيف عبّر عن هذه المشاعر من خلال الفن والغناء.
والتحدي الحقيقي الذي نواجهه هو أن جزءًا من هذا التراث أصبح معرضًا للاختفاء مع مرور الوقت، خصوصًا الأعمال التي لم تحظَ بتوثيق جيد، أو تلك التي ظلت محفوظة في ذاكرة كبار السن والرواة أكثر من وجودها في أرشيفات مكتوبة أو تسجيلات موثقة.
كيف يتفاعل شباب «كورال هارموني عربي» مع هذه الأغاني القديمة؟ وهل نجحتم بالفعل في جذب الجيل الجديد إلى تراث يعود إلى أكثر من نصف قرن؟
الشباب عندنا يتفاعلون بحماس كبير جدًا عندما نقدم اسكتشات تعبر عن أي فترة من الفترات التراثية، وخاصة الفترة التي نعتبرها من أهم المراحل في تاريخ مصر الحديث، من عام 1967 وحتى 1973، وصولًا إلى تحرير طابا عام 1989، وبالنسبة لي، فإن هذا التفاعل يمثل أحد أهم المؤشرات الإيجابية، لأنه يؤكد أننا عندما نقدم العمل الفني بصورة مناسبة للشباب، نكتشف أن المشكلة ليست في التراث نفسه، وإنما في الطريقة التي يتم تقديمه بها.
فالشباب يمكن أن يتفاعلوا بدرجة كبيرة مع أغنية عمرها عشرات السنين، إذا قُدمت لهم بأسلوب يحترم عقولهم وذوقهم، وفي الوقت نفسه يحافظ على روحها الأصلية، ونحن لا نهدف إلى تغيير التراث أو محو ملامحه القديمة، وإنما نسعى إلى الحفاظ على روحه وأصالته، مع الاستعانة بأدوات فنية معاصرة تجعله أقرب إلى الجيل الحالي وأكثر قدرة على الوصول إليه.
كما أن معرفة الشباب بخلفية الأغنية والظروف التي وُلدت فيها تجعلهم يتعاملون معها بصورة مختلفة، فعندما يعرفون القصة وراء العمل والمرحلة التاريخية التي ارتبط بها، يكتشفون أن ما يستمعون إليه ليس مجرد كلمات قديمة، وإنما جزء من حكاية ومرحلة عاشها آباؤهم وأجدادهم.
وهذا ما يجعل عملية إحياء التراث بالنسبة لنا تتجاوز مجرد تقديم الموسيقى، لتصبح أيضًا محاولة لخلق علاقة جديدة بين الشباب وذاكرتهم الوطنية والثقافية، وربطهم بتراثهم من خلال الفن بصورة قريبة منهم وقادرة على التأثير فيهم.

أصبح نشاط الفريق ممتدًا داخل مصر وخارجها.. ما أبرز المحطات والإنجازات التي حققها «كورال هارموني عربي»؟ وكيف تطورت رؤيتكم من إحياء التراث المصري إلى تقديم التراث العربي؟
نشاط الفريق أصبح واسعًا جدًا، ولدينا محتوى نقدمه بشكل مستمر عبر منصات التواصل الاجتماعي، ونحرص على تصويره بشكل ثابت يوم السبت من كل أسبوع، إلى جانب تقديم حفلات بصورة دورية داخل مصر وخارجها. والحمد لله، حققنا خلال الفترة الماضية عددًا من الإنجازات المهمة، من أبرزها الفوز بمسابقة «Egypt’s Got Talent» عام 2024، التي تنظمها مجموعة «Savoy» البريطانية في مصر.
كما تم تكريمنا في كل من الأردن وسلطنة عُمان تقديرًا لجهودنا في إحياء التراث، وكانت هذه التجارب مهمة جدًا بالنسبة لنا، لأنها أكدت أن الاهتمام بالتراث لا يقتصر على المستوى المحلي، وإنما هناك جمهور عربي مهتم بشكل كبير بالموسيقى التراثية وبإعادة تقديمها بصورة جديدة.
وأصبحنا كذلك صوت الهلال الأحمر المصري لعام 2026، تحت رعاية السيدة الأولى انتصار السيسي، وهو ما يمثل بالنسبة لنا شرفًا كبيرًا ومسؤولية كبيرة في الوقت نفسه.
كما تلقينا دعوة من الصين لتمثيل مصر والوطن العربي في مسابقة عالمية للكورال، من المقرر إقامتها في أبريل 2027، ونعتبر هذه الدعوة خطوة مهمة جدًا في مسيرة الفريق، لأننا لن نكون هناك لتمثيل أنفسنا فقط، وإنما سنسعى إلى تقديم صورة عن مصر والوطن العربي من خلال الموسيقى.
ونحن نحرص على إقامة الحفلات بشكل دوري ومستمر، وليس من الضروري أن تكون كل حفلة ذات طابع فلكلوري بالكامل، لكننا نحرص دائمًا على أن يتضمن البرنامج عملًا أو أكثر مرتبطًا بالتراث المصري. وهدفنا الأساسي هو المزج بين الفلكلور والموسيقى المعاصرة، بحيث نحافظ على روح التراث وأصالته، وفي الوقت نفسه نقدمه بصورة قريبة من ذوق الجمهور الحالي وسهلة التلقي.
والحمد لله، قدمنا حفلات في أغلب محافظات مصر تقريبًا، كما شاركنا في فعاليات بأكثر من ست دول عربية، وخلال هذا العام وحده كان لدينا نحو ثماني حفلات خارج مصر، ولا تزال لدينا مشروعات وحفلات جديدة نعمل على التحضير لها.
ومع مرور الوقت، بدأنا نلمس اهتمامًا من جمهور وجهات مختلفة خارج مصر بهذا الجانب من نشاطنا، وهو ما دفعنا إلى توسيع الفكرة تدريجيًا، بحيث لا تقتصر على إحياء التراث المصري فقط، وإنما تمتد أيضًا إلى التراث العربي بشكل عام.
فنحن نريد أن يتعرف المتلقي على شكل الموسيقى في مصر قديمًا، وكيف تطورت ووصلت إلى صورتها الحالية، وفي الوقت نفسه نريد أن نفتح أمامه مساحة للتعرف على موسيقى وثقافات الدول العربية المختلفة، خصوصًا أن حضور الموسيقى الغربية أصبح قويًا جدًا في حياتنا، ولذلك من المهم بالنسبة لنا أن نؤكد أن لدينا أيضًا تراثًا وفنًا غنيًا، وأن لدينا مادة ثقافية وموسيقية كبيرة يمكن البناء عليها لإنتاج مشروعات فنية قادرة على الاستمرار لسنوات طويلة.
وفي النهاية، نرى أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بوجود التراث، لأن التراث المصري والعربي موجود وغني جدًا، وإنما يتعلق بالطريقة التي يتم تقديمه بها، فالتراث يحتاج إلى أن يُقدم بلغة وشكل ومستوى من الجودة يتناسب مع الجيل الحالي، بحيث يستطيع الشباب تقبله وفهمه والشعور بقيمته ومعناه.
وهذا تحديدًا ما أخذناه على عاتقنا؛ أن نحافظ على روح التراث القديم وأصالته، وفي الوقت نفسه نقدمه بصورة معاصرة وبجودة تليق بالجيل الحالي، وتجعله أكثر قربًا منه.
وهذا بالنسبة لنا أحد أهم أهداف المشروع، لأننا لا نريد أن يظل التراث مجرد مادة محفوظة في الكتب أو الذاكرة، وإنما نريده أن يظل حيًا، يُسمع ويُقدم ويتطور، ويستطيع الوصول إلى الأجيال الجديدة بنفس الروح التي خرج بها من رحم المجتمع المصري والعربي.






