نهاية عملية «العزم الصلب» والاحتفال بـ«يوم السيادة».. العراق ما بعد الانسحاب الأمريكي
تطوي عملية «العزم الصلب» صفحة الوجود العسكري الأمريكي في العراق، بعد تواجد دام 23 عامًا، بدأ بالغزو عام 2003، الذي أطاح بنظام صدام حسين، ويمثل إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش» ومغادرة القوات الأمريكية للعراق، نهاية لأكثر من عقدين من الانخراط العسكري الأمريكي في البلاد.
فمنذ غزو عام 2003، كان الوجود العسكري الأمريكي السمة الجوهرية التي طبعت العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق.
وأعقب الانسحاب الذي تم عام 2011 عودة للقوات الأمريكية عام 2014، بعد أن استولى تنظيم «داعش» على ما يقرب من ثلث الأراضي العراقية.
ما الذي يشمله الاتفاق المبرم بين واشنطن وبغداد؟
يشمل الانسحاب إزالة أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية المتمركزة في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق المتمتع بالحكم الذاتي، وقد لعبت هذه المنظومات دورًا حاسمًا في اعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت المنطقة، في ظل التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
ما الذي تمثله مغادرة القوات الأمريكية للأراضي العراقية؟
مثّل وجود القوات الأمريكية في العراق عاملًا جعل البلاد هدفًا للميليشيات، ومصدر إزعاج للقادة السياسيين الشيعة في العراق، وتلبي مغادرة القوات الأمريكية مطلبًا رئيسيًا للميليشيات العراقية وللحكومة العراقية على حد سواء، كما تحقق أولوية لإدارة الرئيس ترامب تتمثل في تقليص الانخراط العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.
وتعد حرب العراق المثال الأبرز على ما يُعرف بـ«الحروب الأبدية»، التي يرى الرئيس ترامب وغالبية الأمريكيين أنها كانت أخطاء كان من الممكن تداركها.
هل ستتأثر جهود العراق الرامية إلى نزع سلاح الميليشيات بسحب القوات الأمريكية؟
وفقًا للاتفاق المبرم بين واشنطن وبغداد عام 2024، والذي نص على سحب جميع القوات الأمريكية من العراق في 30 سبتمبر 2026، سيظل أمام رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي العديد من التحديات، على رأسها إخضاع الميليشيات العراقية لسلطة الدولة.
ويتزامن الانسحاب الأمريكي مع مهلة حددتها الحكومة العراقية للجماعات المسلحة لتسليم أسلحتها إلى «قوات الحشد الشعبي» التابعة للدولة، وهي شبكة جامعة لميليشيات شيعية تشكلت لمحاربة تنظيم «داعش»، وضُمت رسميًا إلى القوات الأمنية العراقية قبل عقد من الزمن.
ولم تُبدِ الجماعات المسلحة الأكثر تشددًا، مثل «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» و«كتائب سيد الشهداء»، حتى الآن أي مؤشر على استعدادها لتسليم أسلحتها للدولة والاندماج في القوات المسلحة العراقية، بل واصلت شن الهجمات.
وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها رئيس الوزراء الزيدي لإصلاح قطاع الأمن بشكل شامل، لم يتحقق سوى تقدم ضئيل في تلبية مطالب الفصائل التي تدعي استعدادها للتعاون مع الدولة بشأن خطة لنزع السلاح.
كما أن عمليات نزع السلاح وتسريح المقاتلين وإعادة دمجهم لا تتم عادة في موعد محدد ما لم تكن المفاوضات قد قطعت شوطًا طويلًا للغاية، ما يجعل تنفيذ هذه العملية في اليوم الذي حدده رئيس الوزراء أمرًا صعبًا، خاصة في ظل وجود مجموعة كبيرة من الفصائل التي أعلنت صراحة رفضها نزع السلاح.
ما حجم تأثير الانسحاب الأمريكي على الأكراد في العراق؟
يأتي انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف من العراق في وقت شديد الحساسية، فالشرق الأوسط يعيش على وقع الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، ما يترك الأكراد في إقليم كردستان أمام تداعيات الضربات المتواصلة التي يتلقونها من طهران وشبكات وكلائها.
وتزيد حالة عدم الاستقرار الإقليمي من تعقيد الواقع الجيوسياسي للأكراد، الذين يفقدون أحد أهم مظاهر الدعم الخارجي؛ فقد بُنيت سنوات الحكم الذاتي الفعلي في إقليم كردستان العراق إلى حد كبير في ظل الشراكات العسكرية والأمنية الغربية.
هل يعني ذلك تقديم أربيل تنازلات لبغداد؟
تجد حكومة إقليم كردستان نفسها محاصرة بين الحكومة المركزية في بغداد وأطراف إقليمية معادية، ومع تراجع المساعدات العسكرية المباشرة والتمويل المؤسسي، تفقد قوات «البيشمركة» عاملًا حيويًا في تحقيق توازن القوى.
كما أن أوراق الضغط التي تمتلكها أربيل للتفاوض بشأن حصة عادلة من الميزانية الوطنية أو لحماية المناطق المتنازع عليها من التعديات، قد تتراجع في ظل غياب التماسك السياسي داخل إقليم كردستان العراق.
وقد يكون هناك أيضًا أثر نفسي على السكان الأكراد، الذين لطالما مثّل الوجود الأمريكي بالنسبة إليهم نوعًا من الضمان الأمني.
ويدرك الأكراد في العراق أن بقاءهم بات يعتمد على تقديم تنازلات للقوى المركزية في بغداد، وهي القوة ذاتها التي قضوا عقودًا في محاولة التحرر من قبضتها.
هل ستتحول العلاقة بين بغداد وواشنطن من العسكرية إلى الاقتصادية؟
سارت العلاقات الأمريكية العراقية على مدى أكثر من عقد بشكل أساسي عبر القنوات العسكرية، وعلى رأسها التدريب والاستخبارات والدعم الجوي، وما يصاحب ذلك من أوراق ضغط.
ومن المفترض أن يتغير هذا الوضع بعد انسحاب القوات الأمريكية من بغداد، لتتحول كفة العلاقات نحو الجانب الاقتصادي، بما يشمل الدبلوماسية والاستثمار في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، ومبيعات الأسلحة والروابط المالية، وعلى رأسها دور الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في تمكين العراق من الحصول على الدولار.
وسيصبح النفوذ الأمريكي داخل العراق قائمًا بدرجة أكبر على المصالح المتبادلة، ففي غياب القوات العسكرية، ستصبح الأدوات الاقتصادية من أبرز وسائل الضغط الأمريكية، إذ أشارت القيادة العراقية بالفعل إلى أن القوات الأمريكية ستغادر بينما ستبقى الشركات الأمريكية.
ويمنح ذلك واشنطن مصلحة في العمل على استقرار العراق، لكنه يجعل بغداد أيضًا عرضة للمخاطر الاقتصادية.
وسيستمر التعاون بين واشنطن وبغداد في مكافحة الإرهاب والتنظيمات، ولكن عن بُعد، عبر الاستخبارات بعيدة المدى، المعروفة بـ«ما وراء الأفق»، واستخدام الأصول العسكرية المتمركزة في الأردن ودول الخليج.
وستتجه الأمور نحو دور أمريكي أكثر تقليدية ومشروط بضوابط محددة، وأسهل على السياسيين العراقيين تبريره داخليًا، لكنه ينطوي على مخاطر اقتصادية أكبر، ويجعل من الصعب على القادة العراقيين توجيه النتائج بسرعة عند حدوث تحولات مفاجئة.
ماذا يعني الانسحاب الأمريكي إلى طهران؟
تتنافس واشنطن وطهران على النفوذ في العراق منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة وأطاح بنظام الرئيس صدام حسين عام 2003.
وفي ظل احتدام الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، من غير المرجح أن تتخلى طهران عن أوراق الضغط التي تمتلكها في العراق المجاور لها.
ورغم قلق المسؤولين الأمريكيين من قدرة هذه الميليشيات على مواصلة شن الهجمات، فإن هذا القلق لم يكن كافيًا لدفعهم إلى تأجيل الانسحاب.
وكانت وكالة «رويترز» قد أفادت في وقت سابق من هذا الشهر بأن بعض هذه الجماعات اشترطت انسحابًا عسكريًا أمريكيًا دائمًا وإنهاء النفوذ السياسي والاقتصادي لواشنطن مقابل إلقاء السلاح.
ولا تعد محاولة رئيس الوزراء الزيدي لإخضاع المكونات المتعددة للحشد الشعبي لسلطة الدولة الأولى من نوعها؛ فقد سبقه إلى ذلك رئيسا الوزراء حيدر العبادي ومحمد شياع السوداني، لكنهما فشلا في مسعاهما، ولا توجد مؤشرات تذكر توحي بأن الزيدي سيحقق نجاحًا أكبر.
وتكمن المشكلة، كما كانت في السابق، في أن الأمر لا يقتصر على مسألة نزع السلاح؛ فبالنسبة إلى المقاتلين وعائلاتهم، تحول الحشد الشعبي إلى ما يشبه دولة داخل الدولة، حيث يوفر الرواتب والمزايا الاجتماعية، فضلًا عن انخراط العديد من الفصائل المكونة له في النسيج السياسي العراقي.






