هل يحدد الجنوب شكل النظام العالمي الجديد؟ (2)
يعيش العالم حالياّ مرحلة انتقالية كبرى، يُنظر إليها باعتبارها المخاض الفعلي لنهاية “نظام كامب ديفيد وبريتون وودز والأمم المتحدة” الذي أُسس عقب الحرب العالمية الثانية عام 1945. هذا النظام الذي قادته الولايات المتحدة والغرب ولم يعد قادراً على ضبط إيقاع الصراعات أو إدارة الاقتصاد العالمي. نحن اليوم في مرحلة الفاصل الرمادي الذي وصفه المفكر أنطونيو غرامشي بأنها الفترة التي “يموت فيها القديم عاجزاً عن الرحيل، ولم يولد الجديد بعد”، وهي مرحلة تتسم بالسيولة الشديدة والاضطراب قبل أن يستقر العالم على قواعد صلبة جديدة.
إن التحول نحو نظام عالمي جديد لن يأتي كمنحة من القوى المهيمنة، بل كضرورة يفرضها توازن قوى جديد تلعب فيه دول الجنوب دور حجر الزاوية. في هذا السياق تأتي فكرة تبني الديمقراطية الاجتماعية في دول الجنوب كخيار استراتيجي ليس من قبيل الرفاهية الفكرية، بل كأداة تحررية لإعادة صياغة العقد العالمي وفقاً لركائز أساسية تتجلى في النقاط التالية:
تقوية الجبهة الداخلية
عندما تتبنى دول الجنوب نموذجاً يقوم على العدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية الحقيقية، فإنها تكتسب “مناعة سياسية” و”شرعية شعبية” صلبة. هذا الاستقرار الداخلي يمنع القوى الكبرى من استخدام الثغرات الاجتماعية (مثل الفقر أو القمع) كذريعة للتدخل أو الابتزاز السياسي، مما يجعل هذه الدول رقماً صعباً في أي معادلة دولية.
خلق “كتل ضغط” إقليمية
تفعيل الديمقراطية الاجتماعية محلياً يمهد الطريق لتعاون “جنوب-جنوب” قائم على المصالح المشتركة لا التبعية، ويتحقق ذلك عبر مسارين:
إصلاح المؤسسات الدولية: وجود كتلة من الدول ذات الاقتصادات المستقرة والأنظمة الديمقراطية العادلة سيمثل ضغطاً هائلاً لإعادة هيكلة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ليتوقفا عن كونهما أدوات لفرض سياسات الليبرالية الجديدة، ويتحولا إلى مؤسسات داعمة للتنمية الإنسانية.
كسر احتكار القرار: هذا التوازن سيجبر القوى الحالية على الاعتراف بتعددية الأقطاب، ليس فقط عسكرياً، بل كمنظومة قيمية وإنسانية بديلة.
السيادة على الموارد والقرار الاقتصادي
تعيد الديمقراطية الاجتماعية الاعتبار لدور الدولة التنموي؛ وفي الجنوب، يعكس ذلك ضرورة حماية الموارد الوطنية من الاستنزاف غير العادل، وفرض شروط عادلة على الاستثمارات الأجنبية تضمن حقوق العمال وحماية البيئة. هذه “السيادة الاقتصادية” هي التي ستجبر النظام العالمي الحالي على التراجع عن نمط “المركز والأطراف”، حيث يستهلك المركز موارد الأطراف.
إن الانتقال من “الفشل الذريع للقطب الواحد” إلى “عدالة الديمقراطية الاجتماعية” يتطلب ما يمكن تسميته “أنسنة العولمة” من الأسفل إلى الأعلى:
محلياً: عبر تشريعات تناهض التمييز وتضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
عالمياً: عبر تضامن دول الجنوب لفرض قواعد اشتباك جديدة في التجارة والسياسة الدولية.
نستخلص من ذلك أن النظام العالمي الجديد لن يولد من “نوايا حسنة”، بل من اضطرار القوى المسيطرة للتعامل مع واقع جديد تفرضه شعوب ودول استعادت قرارها الوطني وبنت نماذجها على أسس إنسانية صلبة.



