مقالات

من الشراكة الدبلوماسية إلى المكاسب الاقتصادية: أهمية زيارة السيسي إلى كوريا الجنوبية

لم تكن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كوريا الجنوبية، خلال الفترة من 7 إلى 9 أكتوبر 2026، مجرد محطة جديدة في مسار العلاقات الثنائية، بل فتحت المجال أمام اختبار اقتصادي مهم: هل تستطيع مصر تحويل علاقاتها الدولية إلى استثمارات إنتاجية، ونقل للتكنولوجيا، وزيادة في الصادرات، وفرص عمل مستدامة؟.

تكتسب الزيارة أهميتها من توقيتها الاقتصادي، في ظل حاجة مصر إلى تعزيز قدرتها الإنتاجية، وتوسيع قاعدة صادراتها، وجذب استثمارات أجنبية تسهم في توفير النقد الأجنبي ورفع القيمة المضافة المحلية. وفي المقابل، تمتلك كوريا الجنوبية خبرات صناعية وتكنولوجية يمكن أن تتيح فرصًا للتعاون في مجالات التصنيع المتقدم، والإلكترونيات، والسيارات الكهربائية، والطاقة، والبنية التحتية.

وقد شهدت الزيارة تطورًا مهمًا تمثل في الاتفاق على الارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، إلى جانب إطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، بما يفتح المجال أمام تطوير العلاقات التجارية والاستثمارية على أسس أكثر تنظيمًا واتساعًا.

من التبادل التجاري إلى بناء قاعدة إنتاجية مشتركة

تُظهر البيانات الرسمية أن حجم التبادل التجاري بين مصر وكوريا الجنوبية تجاوز 1.6 مليار دولار عام 2024، وفقًا لما أعلنته وزارة المالية المصرية في سبتمبر 2025. ويعكس هذا الرقم وجود علاقة تجارية قائمة، لكنه يثير في الوقت نفسه سؤالًا يتجاوز حجم التجارة ذاته: كيف يمكن تطوير طبيعة هذه العلاقة بحيث تحقق قيمة مضافة أكبر للاقتصاد المصري؟.

فالتحدي لا يتمثل فقط في زيادة قيمة الواردات والصادرات، وإنما في تحسين هيكل التجارة، وتوسيع الصادرات المصرية ذات المحتوى الصناعي والتكنولوجي، وتعزيز قدرة المنتج المصري على المنافسة في السوق الكورية والأسواق الإقليمية والدولية.

وتكمن إحدى الفرص الأساسية في الانتقال التدريجي من نمط تجاري يعتمد على استيراد السلع الصناعية والتكنولوجية إلى نموذج يقوم على إقامة مشروعات إنتاجية مشتركة داخل مصر، مع زيادة نسبة المكونات المحلية، وتطوير الموردين المصريين، ورفع كفاءة العمالة، وربط الاستثمارات الجديدة بشبكات الإنتاج والتصدير.

فكلما ارتفعت القيمة المضافة المحلية في المشروعات المشتركة، زادت احتمالات انتقال أثر الاستثمار إلى الاقتصاد الوطني، بدلًا من اقتصار المكاسب على تدفقات مالية أولية أو زيادة المعروض من المنتجات المستوردة.

التصنيع ونقل التكنولوجيا: جوهر الفرصة الاقتصادية

برز التصنيع المتقدم والسيارات الكهربائية والإلكترونيات والطاقة والتكنولوجيا ضمن مجالات التعاون التي تناولتها الشراكة المصرية الكورية.

وتحمل هذه المجالات أهمية خاصة لمصر، ليس فقط بسبب قدرتها على جذب استثمارات جديدة، بل لأنها ترتبط بإمكانات تطوير الهيكل الإنتاجي للاقتصاد الوطني.

ففي قطاع السيارات، على سبيل المثال، لا ينبغي أن ينحصر الهدف في تجميع المركبات داخل السوق المحلية، بل ينبغي أن يمتد إلى تطوير الصناعات المغذية، وإنتاج بعض المكونات، وتأهيل الموردين المحليين، وتدريب العمالة، وبناء القدرات الهندسية والتكنولوجية اللازمة للانتقال إلى مراحل إنتاج أكثر تقدمًا.

وينطبق الأمر ذاته على الإلكترونيات، حيث يمكن أن يمثل التعاون مع الشركات الكورية مدخلًا لتوسيع التصنيع المحلي، وتطوير المهارات الرقمية، وتعزيز مشاركة الشركات المصرية في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية.

أما في مجال الطاقة النظيفة، فإن التعاون في التكنولوجيا والمعدات والخدمات الهندسية يمكن أن يفتح آفاقًا لتطوير القدرات المحلية، وتوفير فرص عمل جديدة، ودعم التحول نحو مصادر الطاقة الأقل انبعاثًا.

لكن تحقيق هذه المكاسب ليس نتيجة تلقائية لدخول الشركات الأجنبية إلى السوق المصرية؛ إذ يتطلب سياسات واضحة لنقل المعرفة، وتطوير الموردين المحليين، وتوفير العمالة الماهرة، وربط الحوافز الاستثمارية بمؤشرات أداء قابلة للقياس.

اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة: الفرصة وما وراء الاتفاق

يمثل إطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين مصر وكوريا الجنوبية أحد أبرز التطورات الاقتصادية المرتبطة بالزيارة.

وتتجاوز أهمية هذه الخطوة مجرد تخفيض الرسوم الجمركية المحتملة؛ إذ يمكن لاتفاقية متوازنة أن تفتح المجال أمام تحسين النفاذ إلى الأسواق، وتيسير التجارة، وتعزيز التعاون الاستثماري، وخلق إطار أكثر وضوحًا للعلاقات الاقتصادية بين البلدين.

غير أن المكاسب الفعلية ستتوقف على مضمون الاتفاق النهائي، وشروط النفاذ إلى الأسواق، وقواعد المنشأ، والمعايير الفنية، ومدى قدرة الشركات المصرية على الاستفادة من الفرص الجديدة.

وهنا تبرز مسألة أساسية: تحرير التجارة لا يضمن وحده تحقيق مكاسب متكافئة للطرفين. فإذا توسعت الواردات بوتيرة أسرع من نمو الصادرات المصرية، فقد تتراجع بعض المكاسب المتوقعة، خصوصًا إذا لم تتوافر قاعدة إنتاجية محلية قادرة على المنافسة.

لذلك، ينبغي أن تسير مفاوضات الاتفاقية بالتوازي مع برنامج وطني لرفع تنافسية الصادرات المصرية، وتطوير الصناعات ذات الإمكانات التصديرية، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتيسير إجراءات التجارة، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة للاندماج في سلاسل التوريد.

كما ينبغي إجراء تقييم اقتصادي مسبق للقطاعات المستفيدة والقطاعات الأكثر تعرضًا للمنافسة، حتى تُبنى المواقف التفاوضية على بيانات واضحة، لا على افتراض أن زيادة التجارة تعني بالضرورة زيادة المكاسب الصافية للاقتصاد.

من جذب الاستثمار إلى تعظيم العائد منه

شهدت الزيارة أيضًا مشاركة الرئيس السيسي في مائدة مستديرة مع رؤساء ومسؤولي 23 شركة كورية كبرى وممثلين عن مجتمع الأعمال الكوري.

وتعكس هذه المشاركة أهمية التواصل المباشر مع المستثمرين، لكنها تطرح سؤالًا أكثر ارتباطًا بالسياسة الاقتصادية: كيف يمكن تحويل الاهتمام الاستثماري إلى مشروعات منفذة، ثم إلى إنتاج وصادرات وفرص عمل؟.

الإجابة تتطلب الانتقال من قياس النجاح بعدد اللقاءات والاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى قياسه بحجم الاستثمارات التي دخلت حيز التنفيذ، ونسبة المكون المحلي، والقيمة المضافة، والصادرات الجديدة، وعدد الوظائف المستدامة التي أُنشئت.

ومن الضروري كذلك أن تتنافس مصر على الاستثمارات النوعية، لا على حجم التدفقات الاستثمارية وحده. فالاستثمار الذي يضيف قدرة إنتاجية جديدة، ويعزز الصادرات، ويطور المهارات المحلية، قد يحقق أثرًا تنمويًا أكبر من استثمار يعتمد أساسًا على السوق المحلية دون ارتباط واضح بالتطوير التكنولوجي أو الإنتاج التصديري.

ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تتضمن سياسة جذب الاستثمارات الكورية حوافز مرتبطة بأهداف إنتاجية وتكنولوجية محددة، مع مراعاة الالتزامات القانونية والدولية، ووجود آليات دورية لمتابعة تنفيذ المشروعات وقياس عائدها الاقتصادي.

مصر بوابة للإنتاج والتصدير إلى أفريقيا

لا تتوقف أهمية التعاون المصري الكوري عند حدود السوق المصرية، بل تمتد إلى إمكانية استخدام مصر منصة للإنتاج والتصدير إلى الأسواق الأفريقية والعربية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكات النقل والخدمات اللوجستية، إلى جانب فرص التعاون التي يتيحها وجود مناطق اقتصادية واتفاقيات تجارية إقليمية.

وفي هذا الإطار، يمكن ربط الاستثمارات الكورية داخل مصر بخطط أوسع لتطوير سلاسل القيمة الإقليمية، بحيث لا تقتصر العلاقة على استيراد التكنولوجيا أو تصنيع المنتجات للسوق المحلية، وإنما تمتد إلى إنتاج سلع ومكونات يمكن تصديرها إلى أسواق متعددة.

ويتطلب ذلك اختيار القطاعات التي تتمتع فيها مصر بميزة إنتاجية حقيقية، وتحسين كفاءة النقل والتخليص الجمركي، وتطوير الموردين المحليين، والتأكد من أن المشروعات الجديدة قادرة على المنافسة من حيث الجودة والتكلفة والالتزام بالمواصفات الدولية.

كما يمكن أن يفتح التعاون الثلاثي بين مصر وكوريا الجنوبية والدول الأفريقية مجالات لتبادل الخبرات وتنفيذ مشروعات صناعية وتكنولوجية مشتركة، بما يربط العلاقات الثنائية بأهداف أوسع للتنمية والتكامل الاقتصادي.

ما الذي تحتاج إليه مصر لتحويل الزيارة إلى مكاسب مستدامة؟

تتوقف النتائج الاقتصادية للزيارة على قدرة السياسات الحكومية على تحويل الفرص المعلنة إلى برنامج تنفيذي واضح. ويمكن تحديد خمسة مسارات رئيسية لتحقيق ذلك:

أولًا: إعداد خريطة للمشروعات ذات الأولوية. تتضمن القطاعات المستهدفة، والفرص الاستثمارية المتاحة، واحتياجات السوق، والقدرات الإنتاجية المحلية، والمزايا التنافسية التي يمكن تقديمها للمستثمرين الكوريين.

ثانيًا: وضع برنامج لنقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة. يحدد أهدافًا قابلة للقياس لتطوير الموردين المحليين، وزيادة المكون المحلي حيث يكون ذلك مجديًا اقتصاديًا، وتدريب العمالة، وتعزيز القدرات الفنية والهندسية.

ثالثًا: ربط الاتفاقية التجارية باستراتيجية التصدير. بحيث تركز المفاوضات على تحسين نفاذ المنتجات المصرية إلى السوق الكورية، مع إعداد الشركات المصرية للاستفادة من الفرص المتاحة واستيفاء متطلبات الجودة والمواصفات.

رابعًا: إنشاء آلية لمتابعة التنفيذ وقياس الأثر. تتولى متابعة الاتفاقيات والمشروعات الناتجة عن الزيارة، ونشر مؤشرات دورية عن الاستثمارات المنفذة، والصادرات، والقيمة المضافة المحلية، وفرص العمل، ونقل المعرفة.

خامسًا: تطوير الشراكات بين الشركات الكورية والمؤسسات المصرية. بما يشمل الجامعات ومراكز البحث والتطوير والقطاع الخاص، لتعزيز التدريب التطبيقي، وتطوير المهارات، وربط المعرفة العلمية بالاحتياجات الفعلية للصناعة.

ويمكن ترجمة هذه المسارات إلى خطة تنفيذية بجدول زمني محدد، مع تحديد الجهات المسؤولة عن كل هدف، ومؤشرات الأداء، وآليات المحاسبة والمتابعة.

معيار النجاح هو ما يتغير داخل الاقتصاد المصري

تكشف زيارة الرئيس السيسي إلى كوريا الجنوبية عن فرص مهمة لتوسيع العلاقات الاقتصادية بين البلدين، خصوصًا في التصنيع والتكنولوجيا والطاقة والتجارة والاستثمار. كما يمثل إطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة خطوة يمكن البناء عليها لتطوير هذه العلاقات.

لكن القيمة الاقتصادية الحقيقية للزيارة لن تُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة أو التصريحات الصادرة، بل بما ستُحدثه من تغيير في بنية الاقتصاد المصري: هل ستزداد القدرة الإنتاجية؟ هل ستتوسع الصادرات؟ هل ستنتقل التكنولوجيا إلى الشركات والعمالة المحلية؟ وهل ستنشأ وظائف مستدامة وتزداد القيمة المضافة داخل مصر؟.

إن المطلوب هو الانتقال من دبلوماسية جذب الاستثمارات إلى دبلوماسية اقتصادية تستهدف نتائج تنموية محددة، ومن الاحتفاء بالفرص إلى بناء المؤسسات والسياسات القادرة على استثمارها.

فالشراكة الدولية لا تتحول تلقائيًا إلى تنمية، وإنما تصبح أداة للتنمية عندما ترتبط باستراتيجية إنتاجية واضحة، وسياسات صناعية وتجارية متكاملة، وآليات جادة لقياس النتائج ومحاسبة الجهات المسؤولة عن التنفيذ.

وعليه، فإن الرهان الحقيقي أمام مصر ليس فقط على توسيع شراكتها مع كوريا الجنوبية، بل على قدرتها على تحويل هذه الشراكة إلى قيمة مضافة محلية، وقوة تصديرية أكبر، واقتصاد أكثر قدرة على المنافسة والاستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى