رفع الفائدة.. مسكّن مؤقت أم حل حقيقي؟
في ظل ارتفاع سعر الدولار وزيادة أسعار العديد من السلع، يبرز تساؤل جوهري، هل يمثل رفع سعر الفائدة حلًا حقيقيًا للأزمة الاقتصادية، أم أنه مجرد إجراء مؤقت قد يخفف بعض آثارها، بينما تظل أسبابها الأساسية قائمة؟
لستُ ضد رفع سعر الفائدة في حد ذاته، وإنما أتحفظ على الاعتماد عليه باعتباره الحل الأساسي لمشكلات اقتصادية تتجاوز جذورها مجرد ارتفاع الأسعار أو زيادة سعر الدولار، وتتطلب معالجة أعمق للاختلالات الهيكلية في الاقتصاد.
وبعد قرار البنك المركزي، اليوم الخميس، رفع سعر الفائدة بنسبة 100 نقطة أساس، يتجدد النقاش حول مدى فاعلية هذا الإجراء في مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة.
أولًا: هل يعالج رفع الفائدة المشكلة من جذورها؟
قد يسهم رفع سعر الفائدة في الحد من الضغوط التضخمية، من خلال التأثير في مستويات الطلب والائتمان، لكنه لا يعالج بمفرده مشكلة نقص موارد النقد الأجنبي، ولا يؤدي بصورة مباشرة إلى زيادة الإنتاج المحلي.
فإذا كانت الأزمة مرتبطة بضعف الإنتاج، وزيادة الاعتماد على الواردات، ومحدودية مصادر النقد الأجنبي، فإن مواجهتها تتطلب حلولًا تتجاوز نطاق السياسة النقدية، لتشمل تطوير القطاعات الإنتاجية، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد، وزيادة الصادرات.
ومن ثم، فإن رفع الفائدة قد يساعد في احتواء بعض مظاهر الأزمة، لكنه لا يكفي لمعالجة أسبابها الأساسية.
ثانيًا: هل ما زلنا نعتمد على الأموال الساخنة لمواجهة مشكلاتنا الاقتصادية؟
قد يؤدي رفع سعر الفائدة إلى زيادة جاذبية بعض الاستثمارات المالية قصيرة الأجل، المعروفة باسم «الأموال الساخنة»، لكنه لا يضمن استمرار تدفقها؛ إذ يمكن أن تغادر الأسواق سريعًا عند تغير الظروف الاقتصادية أو ارتفاع مستويات المخاطر.
ويجعل الاعتماد المفرط على هذه التدفقات الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات الخارجية، لأن خروجها المفاجئ قد يزيد الضغوط على سوق الصرف، ويؤثر في توافر النقد الأجنبي واستقرار سعر العملة.
ولا تكمن المشكلة في دخول هذه الأموال في حد ذاته، وإنما في الاعتماد عليها باعتبارها مصدرًا مستدامًا للنقد الأجنبي، رغم طبيعتها المتقلبة وسرعة تحركها بين الأسواق.
فالاقتصاد القوي لا ينبغي أن يعتمد بصورة مفرطة على تدفقات مالية يمكن أن تتغير في أي وقت، بل يحتاج إلى مصادر مستدامة للنقد الأجنبي تقوم على الإنتاج والتصدير والاستثمار الحقيقي.
ثالثًا: هل نعالج مشكلة ونخلق مشكلات أخرى؟
قد يساعد رفع سعر الفائدة في احتواء بعض الضغوط النقدية، لكنه قد يترتب عليه، في المقابل، ارتفاع تكلفة الاقتراض، وزيادة الأعباء التمويلية على المستثمرين والمنتجين، فضلًا عن ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي وخدمة الدين العام.
وهنا تظهر المفارقة الاقتصادية؛ إذ نسعى إلى الحد من التضخم، لكن بعض الإجراءات المتخذة لتحقيق هذا الهدف قد تضيف أعباء جديدة على الاستثمار والإنتاج والمالية العامة.
فمع ارتفاع تكلفة التمويل، قد تتراجع قدرة بعض المشروعات على التوسع، أو تتأجل الاستثمارات الجديدة، أو ترتفع تكاليف الإنتاج، وهو ما قد يحد من نمو المعروض من السلع والخدمات.
وفي الوقت الذي يحتاج فيه الاقتصاد إلى استثمارات جديدة لتعزيز قدراته الإنتاجية، قد تؤدي زيادة تكلفة التمويل إلى إضعاف قدرة بعض القطاعات على التوسع والنمو.
وبالتالي، فإن معالجة الاختلالات الاقتصادية من جانب واحد، دون مراعاة الآثار المترتبة عليها في بقية القطاعات، قد تؤدي إلى ظهور ضغوط إضافية تزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي.
ولا يعني ذلك أن رفع الفائدة إجراء غير مناسب في جميع الأحوال، وإنما يعني ضرورة تقييم جدواه في ضوء طبيعة الضغوط التضخمية ومصادرها، والآثار المترتبة عليه في المديين القصير والطويل.
رابعًا: المواطن هو من يتحمل الفاتورة في النهاية
يعاني المواطن بالفعل من ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية لدخله، وقد يتحمل بصورة غير مباشرة جانبًا من آثار ارتفاع تكلفة التمويل وخدمة الدين العام.
فإذا أسهمت زيادة أعباء الدين في تضييق الحيز المالي المتاح للإنفاق على الخدمات العامة والاستثمارات، فقد تمتد آثار هذه الأعباء إلى قطاعات تمس حياة المواطنين اليومية.
وفي المقابل، يظل نجاح السياسة النقدية في خفض التضخم هدفًا مهمًا لحماية القوة الشرائية للمواطنين والحد من تآكل دخولهم الحقيقية.
لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق هذا الهدف مع الحد من التكلفة الاقتصادية للإجراءات المتخذة، وعدم إغفال آثارها في الاستثمار والإنتاج والمالية العامة.
فلا ينبغي أن يظل المواطن الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر لمعالجة الاختلالات الاقتصادية، بينما تظل أسباب هذه الاختلالات قائمة دون معالجة جادة.
إن حماية المواطن لا تتحقق فقط من خلال الحد من ارتفاع الأسعار، بل تتطلب أيضًا زيادة فرص العمل، وتحسين الدخول الحقيقية، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على توفير احتياجات المجتمع.
خامسًا: الحل الحقيقي يبدأ من زيادة الإنتاج
بدلًا من الاعتماد المستمر على إجراءات قصيرة الأجل لاحتواء الأزمات المتكررة، ينبغي أن ينصب التركيز على معالجة الأسباب الأساسية التي تجعل الاقتصاد عرضة لهذه الأزمات.
ويبدأ الحل بزيادة الإنتاج المحلي، ودعم الاستثمار المنتج، وتطوير الصناعة، وتعزيز الصادرات، والحد من الاعتماد على استيراد السلع التي يمكن إنتاجها محليًا بكفاءة وجودة وتكلفة تنافسية.
كما يتطلب الأمر تنويع مصادر النقد الأجنبي، حتى لا يظل الاقتصاد معتمدًا بدرجة كبيرة على تدفقات مالية قصيرة الأجل أو مصادر تتأثر سريعًا بالتغيرات الاقتصادية العالمية.
فزيادة الإنتاج المحلي يمكن أن تسهم في تقليل الحاجة إلى استيراد بعض السلع، بينما يؤدي التوسع في الصادرات إلى توفير موارد إضافية من النقد الأجنبي، بما يدعم استقرار سوق الصرف ويعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
ويقتضي ذلك أيضًا تهيئة بيئة استثمارية مشجعة، وتيسير حصول المشروعات الإنتاجية على التمويل، وتطوير البنية التحتية، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات القادرة على إحلال الواردات وزيادة الصادرات وخلق فرص العمل.
وبالطبع، فإن هذه الحلول لا تتحقق بين عشية وضحاها، بل تحتاج إلى وقت واستثمارات وسياسات اقتصادية متكاملة.
لكنها تظل ضرورية لبناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات بصورة مستدامة، بدلًا من الاكتفاء بإدارة تداعياتها كلما تجددت.
في النهاية.. هل رفع الفائدة هو الحل؟
إن الاعتراض ليس على رفع سعر الفائدة بوصفه أداة من أدوات السياسة النقدية، وإنما على الاعتماد عليه باعتباره حلًا كافيًا لمشكلات تحتاج إلى إصلاحات إنتاجية وهيكلية أعمق.
فرفع الفائدة قد يكون أداة ضمن مجموعة متكاملة من الإجراءات الاقتصادية، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن إصلاح هيكل الإنتاج، أو معالجة الاختلالات التي تزيد اعتماد الاقتصاد على الواردات ومصادر النقد الأجنبي المتقلبة.
إن مواجهة التضخم وتحقيق الاستقرار في سوق الصرف لا ينبغي أن تقتصر على الأدوات النقدية وحدها، بل يجب أن تتكامل معها سياسات تستهدف زيادة الإنتاج المحلي، ودعم الاستثمار المنتج، وتعزيز الصادرات، وتنويع مصادر النقد الأجنبي.
فالاقتصاد القوي هو الاقتصاد القادر على إنتاج جانب أكبر من احتياجاته، وتوفير فرص العمل، وتوليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي، ومواجهة الصدمات الخارجية دون الاضطرار في كل مرة إلى تحميل المواطنين أعباء جديدة.
إن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في كيفية مواجهة ارتفاع الدولار اليوم، بل في كيفية بناء اقتصاد يقلل احتياجه إلى النقد الأجنبي، ويعزز قدرته على توفيره من خلال الإنتاج والتصدير غدًا.
فالحل الحقيقي لا يكمن في الاكتفاء بإطفاء الحريق كلما اندلع، بل في معالجة أسبابه من الجذور، حتى لا تتكرر الأزمة بأشكال مختلفة، وتظل تكلفتها تتحملها الدولة والمجتمع والمواطن.



