مقالات

ماذا بعد صندوق النقد؟

من إدارة الأزمة إلى بناء القدرة الاقتصادية

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى مرتبطًا باليوم الذي ينتهي فيه برنامج مصر مع صندوق النقد الدولي، لكن القضية في الحقيقة أوسع بكثير من انتهاء برنامج تمويلي أو بدء برنامج آخر.

فالسؤال الأهم ليس: هل ستحتاج مصر إلى صندوق النقد مرة أخرى؟ وإنما: هل تستطيع مصر أن تستخدم المرحلة الحالية من الإصلاح لإعادة بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الصدمات، بحيث لا تصبح برامج التمويل الخارجي أداة متكررة لإدارة الاختلالات؟.

وهنا يجب التمييز بين أمرين: إدارة الأزمة ومعالجة جذورها.

فاللجوء إلى المؤسسات المالية الدولية في أوقات الاختلال لا يمثل في حد ذاته مشكلة اقتصادية؛ إذ يمكن للتمويل الخارجي أن يوفر سيولة ويعزز الثقة ويمنح الاقتصاد مساحة زمنية لتنفيذ الإصلاحات. لكن الاختبار الحقيقي لأي برنامج لا يكون فقط في قدرته على توفير التمويل أو استعادة الاستقرار قصير الأجل، وإنما في قدرته على مساعدة الاقتصاد على بناء مصادر أكثر استدامة للنمو والتمويل.

أين يقف الاقتصاد المصري الآن؟

حتى سبتمبر 2026، لم تدخل مصر فعليًا مرحلة «ما بعد صندوق النقد». فبرنامج التسهيل الممدد لا يزال قائمًا، وقد استكمل صندوق النقد في يوليو 2026 المراجعة السابعة ضمن البرنامج، إلى جانب المراجعة الثانية لتسهيل الصلابة والاستدامة، مع إتاحة نحو 1.8 مليار دولار، ليصل إجمالي ما تم صرفه في إطار التسهيلين إلى نحو 7.3 مليار دولار.

وفي تقييمه، أشار الصندوق إلى تحسن النمو وتراجع التضخم وارتفاع الاحتياطيات، لكنه في الوقت نفسه أكد استمرار تحديات مرتبطة بارتفاع الدين واحتياجات التمويل، إضافة إلى الحاجة إلى تسريع الإصلاحات الهيكلية وتعزيز دور القطاع الخاص.

وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل الحديث عن «ما بعد الصندوق» ضروريًا الآن.

فالتحسن في المؤشرات الكلية يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يعني أن جميع مواطن الضعف الهيكلي قد اختفت.

ومن هنا يجب ألا تكون المرحلة المقبلة مجرد محاولة للحفاظ على الاستقرار، وإنما تحويل الاستقرار إلى قدرة إنتاجية مستدامة.

من سؤال «أين الدولار؟» إلى «كيف ننتج الدولار؟»

ربما يكون أحد أهم الدروس التي يجب أن تخرج بها مصر من أزماتها الأخيرة هو أن أزمة النقد الأجنبي لا يمكن التعامل معها باعتبارها مشكلة سيولة فقط.

فالاقتصاد قد يحصل على تدفقات مالية كبيرة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه أصبح قادرًا على توليد موارد أجنبية بصورة مستدامة.

ولهذا فإن السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية يجب أن يتحول من:

من أين نحصل على الدولار؟.

إلى: كيف نزيد قدرة الاقتصاد المصري على إنتاج الدولار؟.

وهنا تظهر أهمية الصادرات، والتصنيع، والسياحة، والخدمات، وتحويلات المصريين بالخارج، والاستثمار الأجنبي، وقناة السويس، وغيرها من مصادر النقد الأجنبي.

لكن الأهم هو ألا تُدار هذه المصادر باعتبارها ملفات منفصلة.

زيادة الصادرات، مثلًا، لا تعتمد فقط على سعر الصرف، وإنما على القدرة الإنتاجية، وجودة المنتج، وتكلفة مدخلات الإنتاج، والنقل واللوجستيات، وسهولة الإجراءات، والقدرة على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.

وبالتالي فإن بناء قدرة مستدامة على توليد النقد الأجنبي يبدأ من الإنتاجية والتنافسية قبل أن يبدأ من التمويل.

القطاع الخاص: الاختبار الحقيقي للإصلاح

الملف الثاني الذي سيحدد شكل الاقتصاد المصري بعد برامج الاستقرار هو القطاع الخاص.

فالاقتصاد لا يستطيع تحقيق نمو مستدام قائم فقط على الإنفاق والاستثمار العام.

المطلوب هو أن يصبح القطاع الخاص محركًا أكبر للاستثمار والإنتاج والتشغيل والتصدير.

وهذا يتقاطع مع توجهات المؤسسات الدولية نفسها؛ فالبنك الدولي جعل خلق الوظائف بقيادة القطاع الخاص، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز المرونة الاقتصادية، من المحاور الأساسية لبرنامجه الحالي مع مصر.

لكن تمكين القطاع الخاص لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد زيادة في عدد الشركات الخاصة أو تنفيذ عمليات تخارج.

المسألة أعمق.

فالمستثمر يحتاج إلى وضوح في القواعد، واستقرار في السياسات، وسرعة في الإجراءات، وإتاحة عادلة للفرص، وقدرة على المنافسة، بالإضافة إلى سوق تمويل قادر على دعم التوسع والاستثمار طويل الأجل.

ومن هنا يصبح الإصلاح المؤسسي جزءًا من السياسة الاقتصادية، وليس ملفًا إداريًا منفصلًا عنها.

الدين: التحدي الذي لا ينتهي بانتهاء البرنامج

أما الملف الثالث فهو الدين العام واحتياجات التمويل.

وهنا يجب ألا ننظر إلى الدين من خلال رقمه الإجمالي فقط.

فالاقتصاد قد يتحمل مستوى معينًا من الدين إذا كانت آجاله مناسبة وتكلفة خدمته قابلة للإدارة، لكنه قد يواجه ضغوطًا أكبر عندما تكون هناك احتياجات مرتفعة لإعادة التمويل أو تعرض كبير لتغيرات أسعار الفائدة وسعر الصرف.

ولهذا ركز صندوق النقد على ضرورة تقليل احتياجات التمويل الإجمالية، وإطالة آجال الدين، وتقليل مخاطر إعادة التمويل، وتوسيع قاعدة المستثمرين وتحسين إدارة الدين.

ومن هنا ينبغي أن تنتقل السياسة المالية من مجرد إدارة الاستحقاقات إلى إدارة مخاطر الدين بصورة استراتيجية.

والسؤال الذي يجب أن يطرح باستمرار ليس فقط: كم يبلغ الدين؟.

بل: كم تبلغ تكلفة خدمته؟ وما آجال استحقاقه؟ وما حجم التمويل الذي يحتاجه الاقتصاد لإعادة تمويله؟ وما مقدار تعرض الموازنة لتغير أسعار الفائدة أو سعر الصرف؟.

هذه الأسئلة أكثر أهمية في تحديد درجة المخاطر من النظر إلى رقم الدين منفردًا.

لا يكفي أن ينمو الاقتصاد

هناك سؤال آخر ربما يكون أكثر أهمية من معدل النمو نفسه:

أي نمو نريد؟

فارتفاع الناتج المحلي الإجمالي مهم، لكنه لا يكفي وحده.

النمو المطلوب هو النمو الذي يرفع الإنتاجية، ويخلق وظائف، ويزيد الصادرات، ويوسع القاعدة الضريبية، ويولد عملة أجنبية، ويجذب استثمارًا خاصًا، ويخفض هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات.

وهذا يعني الانتقال من التركيز على حجم الاستثمار إلى التركيز على إنتاجية الاستثمار وعائده الاقتصادي.

كما يعني الانتقال من قياس نجاح المشروعات بعددها أو حجم الإنفاق عليها إلى قياس أثرها على الإنتاج والتشغيل والتصدير والتنافسية.

من إدارة الأزمات إلى إدارة مخاطر الأزمات

وهنا تظهر زاوية ربما لا تحظى بالقدر الكافي من الاهتمام في النقاش الاقتصادي المصري: إدارة المخاطر.

فالاقتصاد المصري يعمل في بيئة إقليمية ودولية شديدة التغير، ويمكن أن تؤثر الصدمات الجيوسياسية أو تغير أسعار الطاقة أو اضطرابات التجارة العالمية أو تغير تدفقات رؤوس الأموال في مصادر النقد الأجنبي والمالية العامة.

ولا يمكن منع هذه الصدمات.

لكن يمكن تقليل آثارها.

والاقتصاد الأكثر صلابة ليس الاقتصاد الذي لا يتعرض للأزمات، وإنما الاقتصاد الذي يستطيع امتصاص الصدمة دون أن تعيده إلى نقطة البداية.

وهذا يتطلب بناء هوامش أمان، وتنويع مصادر النقد الأجنبي، وإدارة أكثر كفاءة للدين، وتعميق الأسواق المالية، وزيادة الإنتاج المحلي، وتحسين الإنتاجية، وتنويع القاعدة الاقتصادية.

وبمعنى آخر، ينبغي أن تنتقل مصر من نموذج:

إدارة الأزمة عند وقوعها

إلى نموذج: إدارة المخاطر قبل وقوع الأزمة.

وماذا عن المؤسسات الدولية؟.

الحديث عن «ما بعد صندوق النقد» لا يعني بالضرورة الانسحاب من المؤسسات الدولية.

على العكس، يمكن أن تتغير طبيعة العلاقة معها.

فبعد مرحلة يكون فيها التمويل المرتبط ببرامج الاستقرار عنصرًا أساسيًا، يمكن أن يصبح التركيز بدرجة أكبر على التمويل التنموي، وضمانات الاستثمار، ونقل المعرفة، وتمويل البنية الأساسية، والتحول الأخضر والرقمي، ودعم الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات.

وهنا يمكن لمصر أن تتعامل مع المؤسسات الدولية باعتبارها شريكًا في التنمية، وليس فقط مصدرًا للتمويل وقت الأزمات.

وهذا التحول مهم؛ لأن الهدف النهائي ليس الاستغناء عن المؤسسات الدولية، وإنما تقليل الحاجة إلى اللجوء إليها بسبب الاختلالات المتكررة.

ما الذي يجب أن يكون مختلفًا في المرحلة المقبلة؟

إذا كان برنامج الإصلاح الحالي يمثل مرحلة لاستعادة الاستقرار، فإن المرحلة التالية تحتاج إلى أجندة اقتصادية مختلفة في أولوياتها.

أجندة تركز على:

زيادة الإنتاجية قبل زيادة حجم الإنفاق.

زيادة الصادرات قبل البحث عن مصادر جديدة للتمويل.

تمكين الاستثمار الخاص قبل توسيع الاعتماد على الاستثمار العام.

إدارة مخاطر الدين قبل التركيز على الحصول على تمويل جديد.

تنويع مصادر النقد الأجنبي قبل التعامل مع كل أزمة عملة باعتبارها أزمة منفصلة.

والأهم من ذلك كله: ربط هذه الملفات داخل استراتيجية واحدة، لأن علاج كل مشكلة بصورة منفصلة لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير النموذج الاقتصادي.

السؤال الحقيقي

ربما لا يكون السؤال الصحيح إذن:

ماذا بعد صندوق النقد؟.

وإنما: ماذا ستفعل مصر خلال الفترة المتبقية من برنامج صندوق النقد حتى لا تحتاج إلى البرنامج التالي بسبب الاختلالات نفسها؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تكون في قرار واحد، ولا في سعر صرف واحد، ولا في زيادة احتياطيات النقد الأجنبي وحدها.

الإجابة ستكون في قدرة الاقتصاد على بناء نموذج أكثر إنتاجية وتنافسية، وأقل تعرضًا لمخاطر الدين، وأكثر قدرة على توليد النقد الأجنبي، وأكثر اعتمادًا على الاستثمار الخاص، وأكثر استعدادًا لامتصاص الصدمات الخارجية.

فصندوق النقد يمكن أن يساعد في عبور الأزمة، والمؤسسات الدولية يمكن أن تدعم مسار الإصلاح والتنمية، لكن بناء القدرة الاقتصادية المستدامة يظل في النهاية مهمة الاقتصاد نفسه.

ولهذا فإن النجاح الحقيقي للمرحلة الحالية لن يكون في أن ينتهي البرنامج دون أزمة جديدة فحسب، وإنما في أن تبدأ مصر بعده من قاعدة اقتصادية أكثر قوة وصلابة من تلك التي دخلت بها إليه.

وهنا تحديدًا يبدأ السؤال الذي يستحق أن يشغل النقاش الاقتصادي المصري:

ليس: ماذا بعد صندوق النقد؟.

بل: ماذا بعد اقتصاد اعتاد أن يدير أزماته؟.

والإجابة يجب أن تكون: اقتصاد قادر على إدارة مستقبله قبل أن يضطر إلى إدارة أزمته.

زر الذهاب إلى الأعلى