إعلان احترام الدستور.. التفعيل ومواجهة التحديات
يمثل الموقف السياسي الذي أعلنه الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن رفض أي مساس بالدستور أو العبث بثوابته محطة فارقة ومفصلية في مسار الدولة المصرية، ولا يقتصر أثر هذا الإعلان على كونه تمسكًا بنص قانوني أو وثيقة تعاقدية، بل يعكس استجابة للإرادة الشعبية ورغبة المصريين وتطلعاتهم المشروعة إلى بناء حياة أفضل تليق بعراقة تاريخهم، وتكافئ صبرهم وكفاحهم السلمي من أجل الحفاظ على الدولة المصرية وحماية مؤسساتها الوطنية من الانهيار أو التصدع.
لقد أثبت الشعب المصري، في محطات عديدة، أنه الحارس الحقيقي لكيان الدولة، وأن وعيه بأهمية الاستقرار الدستوري يتجاوز الرؤى الضيقة لأصحاب المصالح العابرة.
ومن ثم، يأتي هذا الإعلان ليضعنا جميعًا أمام تحدٍ كبير يتطلب جهدًا منظمًا وشجاعًا لتهيئة الواقع لتفعيل هذه التصريحات عمليًا، مع إدراك أن هذا التحدي المفصلي قد يواجه مقاومة من أصحاب المصالح والفاسدين، وكل من راكموا ثروات طائلة وبسطوا نفوذهم نتيجة تداخل مصالحهم المالية مع مراكز النفوذ والسلطة، فهذه الأطراف تخشى أي تغيير أو إصلاح حقيقي قد يهدد مصالحها ويضع حدًا لنفوذها.
وهو ما يجعل تفعيل الدستور نصًا وروحًا، وإرساء قواعد الديمقراطية الحقيقية، وتداول السلطة عبر انتقال سلمي ونزيه من خلال انتخابات جادة يشارك فيها الجميع بمسؤولية، من أهم التحديات المطروحة لبناء المستقبل، إن ترجمة الرسالة الرئاسية إلى واقع ملموس يشعر المواطن بأثره في حياته اليومية تتطلب وعيًا بمجموعة من القضايا والمحاور الأساسية.
أولًا: تحديات الانتقال ومواجهة جماعات المصالح
إن إدراك الواقع السياسي يفرض علينا قراءة متأنية لطبيعة القوى الفاعلة على الأرض، فعلى الجانب الآخر من هذا الإعلان، تبرز مخاوف من أن تسعى جماعات المصالح وشبكات النفوذ التي تعززت خلال العقد الماضي إلى تفريغ الرسالة الرئاسية من مضمونها الحقيقي وجوهرها الدستوري، والالتفاف على روح الدستور، والإبقاء على الأوضاع القائمة ضمانًا لاستمرار مكاسبها، حتى لو تعارضت مع المصلحة الوطنية.
إن معركة الوعي والبناء الدستوري اليوم ترتبط بمواجهة احتكار القرار، ومنع توجيه مقدرات الدولة لخدمة فئة محددة على حساب الصالح العام، ومن هنا، فإن مواجهة شبكات الفساد والانتفاع من النفوذ والسلطة تتطلب إرادة جادة وآليات واضحة تضمن المساءلة والشفافية، وتعزز سيادة القانون، وتحمي مؤسسات الدولة من تضارب المصالح.
ثانيًا: ركائز تأسيس الدولة المدنية المستقرة
لكي يتحول الإعلان عن احترام الدستور إلى واقع ملموس، لا بد من تبني رؤية شاملة ترتكز على مجموعة من المحاور الأساسية التي تكفل بناء دولة مدنية مستقرة، وفي مقدمتها ما يلي:
احترام المواطنة وتفعيل مبدأ الفصل بين السلطات
تقوم المواطنة الحقيقية على المساواة بين المواطنين، دون تمييز على أساس ديني أو جهوي أو طبقي، ويتطلب تحقيق ذلك تفعيل مبدأ الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بحيث تمارس كل سلطة اختصاصاتها باستقلالية، وتؤدي دورها الرقابي والتشريعي والقضائي وفقًا للدستور والقانون، بعيدًا عن الهيمنة أو التداخل الذي قد يفرغ الضمانات الدستورية من مضمونها.
عودة المؤسسات السيادية والأمنية إلى دورها الأصيل
تتمثل الوظيفة الأساسية للمؤسسات السيادية والأمنية في حماية الأمن القومي المصري، والدفاع عن تراب الوطن وسيادته، وصون أمن المواطنين، وذلك في إطار الدستور والقانون، ومن ثم، فإن تعزيز دور هذه المؤسسات يتطلب الالتزام باختصاصاتها القانونية، بما يدعم استقرار الدولة ويحمي حقوق المواطنين، ويحول دون توظيف المؤسسات في صراعات سياسية ضيقة.
إعمال القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء
لا تتحقق سيادة القانون إلا بتطبيقه على الجميع دون تمييز، فلا ينبغي أن يكون النفوذ أو القرابة سببًا للإفلات من المساءلة، ويظل احترام القانون والمساواة أمام العدالة معيارًا أساسيًا لقياس مدى احترام الدولة لحقوق مواطنيها، كما يسهم في تعزيز الثقة بالمؤسسات وترسيخ الشعور بأن الحقوق مصونة وأن المواطنين متساوون أمام القانون.
إطلاق حرية التعبير وتعزيز الحياة الحزبية والمشاركة الشعبية
تحتاج الحياة السياسية النشطة إلى ضمان حرية الرأي والتعبير، وترسيخ التعددية الحقيقية، وإتاحة المجال أمام الأحزاب للقيام بدورها في التعبير عن مطالب المواطنين وتطلعاتهم، كما تبرز ضرورة تعزيز المشاركة الشعبية في الشأن العام وصنع القرار السياسي والتنموي، بما يتيح للمواطنين الإسهام الفعلي في تحديد أولويات المجتمع ومستقبله.
الفصل بين الملكية وإدارة الحكم
يمثل الفصل الواضح بين المصالح الخاصة وإدارة مؤسسات الدولة وصنع السياسات العامة إحدى الضمانات المهمة للنزاهة الاقتصادية والسياسية، ويساعد هذا الفصل على الحد من تضارب المصالح، وضمان خضوع الإدارة العامة لمعايير الكفاءة والشفافية والمساءلة، بعيدًا عن المحسوبية والولاءات الشخصية.
إعادة الاعتبار للرأسمالية الصناعية والمنتجين وحماية المنافسة العادلة
يمثل تمكين القطاع الإنتاجي ودعم الصناعة الوطنية ركيزة أساسية للانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد قائم على الإنتاج الحقيقي، ويتطلب ذلك وضع قواعد فعالة لحماية المنافسة العادلة، ومنع الممارسات الاحتكارية، وتوفير بيئة استثمارية شفافة ومتكافئة تتيح للمنتجين الجادين فرصًا عادلة للنمو والتوسع.
تحقيق العدالة الاجتماعية ومحاصرة الفساد
يصعب بناء مستقبل مستقر في ظل اتساع الفجوات الاجتماعية وتراجع الشعور بالعدالة، ومن ثم، فإن مكافحة الفساد بجميع أشكاله، والتصدي لاستغلال النفوذ والسلطة لتحقيق مكاسب شخصية، يمثلان شرطين أساسيين لاستعادة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وتعزيز تكافؤ الفرص، وضمان توزيع أكثر عدالة لثمار التنمية.
ثالثًا: آليات الإصلاح السلمي والاصطفاف الوطني
يمثل الإصلاح التدريجي والسلمي أحد المسارات التي يمكن أن تساعد المجتمعات على تجاوز الأزمات دون الوقوع في صدامات مدمرة، بما يحافظ على استمرارية التنمية ويحد من مخاطر الاضطرابات العنيفة، غير أن نجاح هذا المسار يتطلب تبني مبادئ واضحة للتعامل مع التحديات السياسية والمجتمعية، وفي مقدمتها:
توسيع قاعدة المصالحة الوطنية
يتطلب بناء المستقبل العمل على توحيد الصفوف وتجاوز الانقسامات، من خلال توسيع قاعدة المشاركة السياسية والمجتمعية، مع الالتزام بالدستور والقانون ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات وفقًا للإجراءات القانونية، ويمكن للمصالحة الوطنية القائمة على العدالة واحترام الحقوق أن تسهم في تعزيز التماسك المجتمعي والحد من الاستقطاب.
تفعيل مبدأ الخروج الآمن
يمكن أن يشكل مبدأ الخروج الآمن، في سياقات الانتقال السياسي، إحدى الأدوات المطروحة لتقليل مخاطر المواجهات الحادة، وتسهيل الانتقال السلمي، والحد من استمرار الاستقطاب الذي يستنزف موارد الدولة وطاقات المجتمع، ويظل نجاح أي صيغة في هذا الإطار مرتبطًا بالتوافق الوطني واحترام الدستور والقانون وضمان عدم الإخلال بمبدأ المساءلة.
رابعًا: البناء الاقتصادي المستقل والعمق الاستراتيجي
في قلب الإصلاحات الداخلية، يبرز بناء اقتصاد منتج وقوي ومستقل بوصفه هدفًا استراتيجيًا لا غنى عنه؛ فالاقتصاد القوي يمثل أحد مقومات استقلال القرار السياسي، ويعزز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات والتحديات الخارجية.
ولتحقيق هذا الهدف، يتعين على مصر تعزيز التعاون مع دول الجنوب النامي، ولا سيما الدول التي تتقاطع معها في المصالح التنموية والتطلعات إلى بناء علاقات دولية أكثر عدالة وتوازنًا، ويمكن للشراكات الاستراتيجية مع هذه الدول أن تفتح آفاقًا أوسع للتبادل التجاري والتعاون الصناعي والتنموي، وأن تسهم في تنويع الشراكات الاقتصادية وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات العالمية، بما يدعم بناء اقتصاد أكثر استدامة واستقلالية.
ولذلك، فإن إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي رفض المساس بدستور البلاد يفتح المجال أمام قوى المجتمع المدني، من أحزاب ونقابات ومثقفين وشباب، لتحمل مسؤولياتها في دعم احترام الدستور وتفعيل ضماناته، فالحفاظ على الدولة المدنية المستقرة ليس مسؤولية السلطة وحدها، بل هو مسؤولية مشتركة تتطلب يقظة مستمرة، وعملًا جادًا، ونقدًا موضوعيًا، ومشاركة مجتمعية فاعلة.
إن بناء مصر المنشودة، بوصفها دولة قانون وعدالة وكرامة إنسانية، يقتضي الانتقال من إعلان المبادئ إلى تطبيقها عمليًا، بما يضمن احترام الحقوق والحريات، وتكافؤ الفرص، والمساءلة، والتداول السلمي للسلطة، ويعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة وقدرتها على تحقيق تطلعاتهم.



