الكفاءات الضعيفة والخوف من التغيير.. فخ الاستقرار الوهمي في إدارة المؤسسات
قد تبدو بعض المؤسسات مستقرة من الخارج، بينما تعاني داخليًا من خلل إداري وتشغيلي قد يهدد استقرارها واستدامتها، بسبب تمسّك الإدارة بموظفين ضعيفي الأداء، غير قابلين للتطوير أو المقاومين للتغيير، لمجرد أنهم الأقدم أو الأكثر دراية بتفاصيل العمل، هذه الحالة يمكن وصفها بـ«الاستقرار الوهمي»، حيث يصبح استمرار العمل مرتبطًا بأشخاص بعينهم، وليس بنظام مؤسسي واضح، انطلاقًا من الفلسفة التقليدية: “إللي نعرفه أحسن من إللي ما نعرفوش”.
لكن الحقيقه المؤكدة والتي يغفل عنها الكثير من متخذي القرار أن الاحتفاظ بموظف ضعيف الأداء لا يحمي المؤسسة من الفوضى، بل يؤجل ظهورها ويضاعف تكلفتها، فعندما يحتكر أحد الموظفين المعلومات أو يتعمد تعقيد الإجراءات، ويُشعر الإدارة بأن غيابه سيؤدي إلى تعطيل العمل ، يتحول من عنصر داخل المنظومة إلى نقطة ضعف تهدد استقرارها.
ونجد أن الخسائر لا تتوقف على ذلك فقط، عند انخفاض الإنتاجية وتكرار الأخطاء واهدار وقت العمل، بل تمتد إلى هروب الكفاءات الحقيقية التي تفقد حافزها عندما تجد أن المتميز ومن يعطل العمل يحصلان على المعاملة والتقدير نفسيهما.
وهنا يتضح لنا أن المشكلة الحقيقية ليست في الأشخاص، بل في غياب النظام؛ فالمؤسسة التي تعتمد على أفراد بعينهم دون توثيق إجراءات العمل، أو توزيع الصلاحيات، أو إعداد صف ثانٍ من الكوادر، تظل معرضة للفشل التشغيلي مهما امتلكت من خبرات تاريخية.
إن نمو الاقتصاد واستقراره يحتاج بالضرورة إلى استدامة الكيانات المؤسسية؛ وكي يتحقق ذلك، يتعين على المؤسسات والشركات الاتجاه نحو وضع خطط واضحة ومحددة لتحسين الأداء العام، والتركيز على «إدارة الأنظمة» بدلاً من «إدارة الأشخاص»؛ وذلك عبر تفعيل حوكمة المؤسسات، وصياغة نظم وإجراءات صارمة تحكم سير العمل وتضمن شفافيته.
بجانب ذلك، تبرز أهمية الاستثمار في العنصر البشري من خلال تدريب وتأهيل كوادر شابة قادرة على استكمال المسيرة؛ لضمان استمرارية الأعمال وتدفقها دون أن يرتبط مصير المؤسسة بغياب فرد أو بقائه.
إن الأقدمية لا تُعني بالضرورة الكفاءة، واحتكار المعرفة لا يُعني امتلاك الخبرة، وصعوبة الاستغناء عن موظف ليست دائمًا دليلًا على أهميته؛ بل قد تكون مؤشرًا صارخاً على خلل هيكلي في النظام الإداري.
فالمؤسسة المستدامة ليست هي التي لا يتغير فيها الأشخاص، بل هي التي تستطيع الاستمرار والتطور مهما تغير الأشخاص.


