​الهروب للأمام.. فخ التقسيط والدفع الآجل يأكل الدخل ويزيد الأعباء


لم يعد التقسيط في حياة المصريين مجرد رفاهية تهدف لاقتناء كماليات بعيدة المنال، بل استحال في الآونة الأخيرة إلى طوق نجاة وحيد يصارع به المواطن أمواج الغلاء العاتية التي ضربت الأخضر واليابس.

ومع التهام معدلات التضخم للقوة الشرائية للمرتبات، باتت الفجوة بين الدخل والمتطلبات الأساسية تتسع يوماً بعد يوم، مما جعل من “نظام الدفع الآجل” شريكاً ثالثاً يتقاسم مع الأسرة المصرية لقمة عيشها.

هذا المشهد المعقد يطرح تساؤلات جوهرية حول المدى الذي يمكن أن تصمد فيه ميزانيات الأسر أمام تراكم الأقساط، وهل نحن بصدد تسهيلات ائتمانية تدفع عجلة الاقتصاد أم أننا ننزلق ببطء نحو “فقاعة ديون شخصية” قد تنفجر في وجه الجميع، خاصة وأن المرتبات لم تعد تغطي سوى أيام معدودة من الشهر، مما يضطر الكثيرين للهروب إلى الأمام عبر البطاقات الائتمانية وتطبيقات الشراء اللحظي.

التقسيط كمسار إجباري للبقاء

وعند الاقتراب من الواقع، يقول سامح محمد، وهو موظف حكومي يصارع لترتيب أولويات أسرته، إن التقسيط بالنسبة له لم يعد خياراً بل هو المسار الإجباري والوحيد الذي يضمن له استمرار الحياة بحدها الأدنى من الكرامة.

ويرى سامح أن اقتطاع جزء كبير من مرتبه مطلع كل شهر لصالح شركات التقسيط والبنك هو ثمن باهظ يدفعه عن طيب خاطر، لأنه لولا هذه التسهيلات لما استطاع شراء ثلاجة جديدة بعد تعطل القديمة أو حتى توفير مستلزمات المدارس لأبنائه، مؤكداً أن المرتب مهما زاد يظل عاجزاً عن مجاراة القفزات السعرية المفاجئة، لذا يجد في التقسيط وسيلة لتوزيع الأعباء على شهور طويلة بدلاً من الاصطدام بواقع مالي لا يرحم في لحظة الشراء الواحدة، معتبراً أن الديون هي “الشر الذي لا بد منه” في ظل هذه الظروف.

مخاوف من السقوط في فخ الديون المتراكمة

وعلى النقيض، يطرح أحمد محمد، الذي يعمل في إحدى شركات القطاع الخاص، وجهة نظر مشوبة بالحذر والقلق، حيث يصف التقسيط بأنه “سجن اختياري” يحيط بصاحبه من كل جانب ويصادر مستقبله قبل أن يبدأ.

ويحكي أحمد عن تجربته التي بدأت بشراء هاتف محمول ثم تطورت لتشمل أجهزة كهربائية وأثاثاً، حتى اكتشف في النهاية أن أكثر من نصف دخله يذهب لسداد فوائد ومصاريف إدارية لا طائل منها، مما يجعله يشعر بالارتباك الدائم وعدم القدرة على الادخار لأي طوارئ صحية أو أزمات مفاجئة.

ويرى أحمد أن هذه الثقافة الاستهلاكية التي تروج لها التطبيقات الحديثة تدفع الناس لشراء أشياء قد لا يحتاجونها بالفعل، مما يخلق حالة من “الوهم المالي” تنتهي بصاحبه متعثراً أو عاجزاً عن تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية بسبب تراكم الديون الاستهلاكية التي لا تنتهي.

​بين إنعاش السوق ومخاطر التعثر

من جانبه، يحلل الخبير الاقتصادي أحمد خلاف المشهد برؤية أعمق، موضحاً أن التوسع المفرط في الائتمان الاستهلاكي يعكس حالة من الانكشاف المالي لدى الطبقة المتوسطة، حيث يتم تعويض نقص الدخل الحقيقي بالاستدانة.

ويرى خلاف أن مخاطر هذه الظاهرة تكمن في قدرتها على تغذية التضخم عبر زيادة الطلب في وقت يعاني فيه العرض من مشكلات هيكلية، فضلاً عن أن الفوائد المرتفعة حالياً تزيد من تكلفة المعيشة على المدى الطويل بدلاً من تخفيفها.

وينصح أحمد خلاف بضرورة وجود رقابة صارمة على منصات التقسيط السريع لضمان عدم انجراف المواطنين وراء إغراءات الشراء التي تتجاوز قدراتهم الاستيعابية، مشيراً إلى أن الحل المستدام لا يكمن في تسهيل الاستدانة بل في تحسين مستويات الدخل الحقيقي وتنشيط الإنتاج، لافتاً إلى أن الاعتماد المفرط على التقسيط قد يؤدي في النهاية إلى ركود تضخمي حال توقف المواطنين عن السداد نتيجة التشبع بالديون.