
المشروعات القومية سلاح أمان واطمئنان في البلدن التي تعفي تلك المشاريع من استنزاف جزء كبير من مواردها المالية، لاسيما وإن كان حالها كحال بلدنا مصر، تعاني من محدودية في الموارد المالية المتاحة تُعيق تنفيذ خططها التنموية الطموحة بشكل سريع.
ومن المشاريع الطموحة والتي يعود الحديث عنها لأكثر من قرن – متوقعًا في حينه-، أن يكون مشروع قومي ينقل مصر نحو مستقبل مشرق، هو مشروع منخفض القطارة، إلا أن الحكومة حسمت الأمر فيما يخص الاستفادة من المشروع بعد دراسات مستفيضة.
ويقع منخفض القطارة بالصحراء الغربية في نطاق محافظة مطروح يمتد من الشرق إلى الغرب، ويقترب طرفه الشرقي من البحر الأبيض المتوسط عند منطقة العالمين، مساحته 20 ألف كم مربع، وطوله حوالي 298كم، وعرضه 80 كم، عند أوسع نقطة، ويبدأ المنخفض من جنوب العالمين، علي مسافة 100 كم تقريبا.

4 مقترحات مرفوضة ومقترح واحد مقبول
الدراسات التي استندت الحكومة عليها، تناولت 5 مقترحات، 4 منهم يؤكدون بأن المشروع “لن يجدي نفعًا”، في حين مقترح واحد فقط يمكن البناء عليه واعتبار أن المشروع يمكن تنفيذه.
المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، استعرض نتائج تقييم مشروع ملء منخفض القطارة بمياه البحر المتوسط في الوقت الراهن، ونشر عددًا من الإنفوجرافات عبر منصاته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، في إطار اهتمام الدولة بإعداد دراسات جدوى شاملة للمشروعات.
وأوضحت الإنفوجرافات، تشكيل لجنة وزارية متخصصة بقرار رقم 3433 لسنة 2016، لتقييم السيناريوهات المختلفة بشأن تنمية منطقة منخفض القطارة لتحديد الأنسب منها، حيث قدمت اللجنة بعد دراسات معمقة 5 سيناريوهات مختلفة لتنمية منطقة منخفض القطارة، مع تقييم جدوى كل سيناريو بالتعاون مع الجهات المعنية، وانتهت اللجنة إلى رفض فكرة ملء منخفض القطارة بمياه البحر المتوسط، وعدم جدوى السيناريوهات الأول والثاني والثالث والخامس، مع ترجيح “السيناريو الرابع”.

عدم استخدام المنخفض كخزان مياه
وبحسب ما عرضته الإنفوجرافات، شمل السيناريو الأول، استغلال المنخفض بالكامل لتخزين المياه وتوليد الكهرباء، مع تنمية المناطق المحيطة باستخدام المياه الجوفية، بينما تضمن السيناريو الثاني، استغلال جزء من المنخفض لتخزين المياه وتوليد الكهرباء، ثم تحلية المياه باستخدام الطاقة المولدة من المنخفض أو الطاقة المتجددة وتخزينها للزراعة، مع تنمية المناطق المحيطة.
كما تضمن السيناريو الثالث، استغلال جزء من المنخفض لتخزين المياه وتوليد الكهرباء، ثم تحلية المياه وتخزينها للزراعة، مع إعادة المياه الفائضة إلى البحر، وتنمية المناطق المحيطة، فيما أقر السيناريو الرابع، الذي تم ترجيحه من قبل اللجنة الوزارية، عدم استخدام المنخفض كخزان للمياه.
أما بشأن السيناريو الخامس، اعتمد على تحلية مياه البحر عن طريق استغلال فرق المنسوب عند حافة المنخفض وضخها مباشرة في مواسير، واستخدامها في الأغراض التنموية، بجانب استغلال الأملاح الناتجة عن التحلية في الأنشطة الصناعية.

تعذر أنشطة استكشاف البترول
واستعرضت الإنفوجرافات المخاطر البيئية المرتبطة بالمشروع المقترح، والتي شملت تسرب المياه المالحة إلى باطن الأرض ما يتسبب في خلط المياه المالحة بمياه الآبار العذبة، ما يهدد استدامة الآبار في المناطق المحيطة، وكذلك زيادة ملوحة التربة وتدمير جودة الأراضي المحيطة، وهو ما يؤثر على الزراعات القائمة للأهالي والمشروعات القومية الزراعية وحق الأجيال القادمة في الحصول على مياه جوفية صالحة للاستخدام.
وتشمل المخاطر أيضًا تدمير النظم البيئية الصحراوية القائمة، ما يؤدي إلى القضاء على النباتات والحيوانات النادرة، إضافة إلى تضرر مباشر لواحة سيوة، ما ينتج عنه التأثير السلبي على تنوعها البيولوجي، ما بين بحيرات الملح، والعيون الكبريتية، والكثبان الرملية، والأراضي الرطبة، وكذلك التأثير السلبي على الموائل الطبيعية لأكثر من 40 نوعًا من النباتات البرية والطبية، و28 نوعًا من الثدييات النادرة مثل الغزال والضبع المخطط، و164 نوعًا من الطيور، مع الأخذ في الاعتبار أن الواحة تُعد مركزًا رئيسيًا لحفظ الأنواع المهددة بالانقراض.
أما بشأن المخاطر الاقتصادية والتنموية للمشروع، شملت تضرر الموارد الطبيعية وتعذر أنشطة استكشاف البترول، إذ أن هناك 35 منطقة تنمية إنتاج بترول، و8 مناطق استكشاف متداخلة مع منخفض القطارة، مما يعوق تنفيذ أنشطة التنمية والاستخراج منها، كما يتطلب ملء المنخفض بمياه البحر تغيير موقع خطوط نقل البترول والغاز، مما يزيد تكاليف الإنتاج، إضافة إلى أن ملء المنخفض بمياه البحر يتسبب في خسارة مخزون من البترول الخام وعزوف المستثمرين عن أنشطة استخراج البترول في الصحراء الغربية، إلى جانب امتلاك منطقة منخفض القطارة ثروات معدنية مثل خام البنتونيت والطفلة الكربونية في 6 مواقع.

سيكبد الدولة مليارات الدولارات دون أي فائدة
وأشارت الإنفوجرافات إلى ارتفاع التكاليف المالية مقارنة بالمكاسب التنموية، حيث ترتفع تكاليف حفر القناة الموصلة للمياه من البحر إلى المنخفض، كما أن توليد الكهرباء من مساقط المياه في بحيرة المنخفض ذات تكلفة عالية، مقارنة بتوليد الكهرباء من طاقات أخرى.
تنفيذ هذا المشروع سيؤدي إلى كوارث محققة، هذا ما أكده الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، منوهًا بأن مقترح ملء منخفض القطارة بمياه البحر المتوسط ليس جديدًا، بل يعود إلى عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
وأشار علام إلى أن المشروع سيكبد الدولة مليارات الدولارات دون أي فائدة تذكر، بل سيتسبب في تدمير خزان المياه الجوفية بغرب الدلتا والصحراء الغربية، مشيرًا إلى أن وزارة الري أعادت دراسة الأثر البيئي للمشروع في عام 2024 وجاءت النتائج لتؤكد مرة أخرى أنه يمثل تهديد مباشر للمنطقة.

المشروع الجديد يتلافى كل انتقادات المشروع سابقًا
ضخ مياه البحر شديدة الملوحة داخل المنخفض سيؤدي إلى تخريب التربة والقضاء على المخزون الجوفي، يضيف علام، فضلاً عن تأثيره السلبي والمباشر على الثروات المعدنية والمناجم الموجودة في باطن الأرض، مؤكداً أن الدولة لن تغامر باقتراض مليارات من أجل مشروع يفتك بمواردها الطبيعية.
كما لفت وزير الري الأسبق إلى تأثر اقتصادي مهم في حالة تنفيذ المشروع تمثلت في تضرر رصيد مصر من الثروات البترولية وغير البترولية في تلك المنطقة، مشدداً على أن الحفاظ على الأراضي الزراعية والمياه الجوفية أهم بكثير من مقترحات تفتقر إلى الواقعية والجدوى الفنية.
ما صرح به علام، يتوافق مع سيناريوهات الحكومة الرافضة لفكرة تنفيذ مشروع منخفض القطارة”كخزان للمياه”، إلا أن المقترح القابل للتنفيذ يسرده الدكتور رضا عبدالسلام، أحد قيادات الفريق البحثي الذي وضع المشروع الجديد لمنخفض القطارة.
ويوضح عبدالسلام، أن المشروع الجديد يتلافى كل الانتقادات التي تم توجيهها للمشروع سابقًا، كما أنه ليس فقط مشروعًا لتوليد الطاقة من المساقط المائية بالمنخفض، ولكنه مشروع حضاري يبدأ من ساحل البحر المتوسط ويمتد حتى نهاية منخفض القطارة، ويُحوِّل المنخفض إلى كنز وثروة وطنية في كل مناحي الحياة.

المشروع الجديد نتاج عمل 35 عالمًا لمدة عام
كما يوفر المشروع الجديد 5 ملايين فدان زراعي، ويتيح مجتمعًا عمرانيًا جديدًا يستوعب 20 مليون نسمة، ويضم مشروعات سياحية واستثمارية، ومشروعات طاقة متجددة، وكلها مشروعات خضراء تتوافق تمامًا مع البيئة الخضراء.
مقترح المشروع الجديد نتاج عمل 35 عالمًا من كل التخصصات لمدة عام كامل، يؤكد عبدالسلام، بخلاف عمل دراسات وأبحاث جيولوجية وبيئية وزراعية وفي مجالات الطاقة والتخطيط العمراني، وغيرها، وانتهت ليكون مشروعًا قوميًّا يحقق نقلة حياتية هائلة للمصريين وقفزة اقتصادية غير مسبوقة.






