
في ظل التحركات السياسية التي تقودها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة تقييم علاقاتها مع إريتريا، في إطار استراتيجية أوسع تستهدف تأمين النفوذ الأمريكي في البحر الأحمر، وسط تصاعد التوترات مع إيران وتهديدات متزايدة لحركة الملاحة الدولية.
وبحسب ما نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، يقود المبعوث الأمريكي إلى أفريقيا، مسعد بولوس، جهودًا لفتح قنوات اتصال مع القيادة الإريترية، تتضمن طرحًا أوليُا لرفع جزئي للعقوبات المفروضة على أسمرة، تمهيدًا لإعادة بناء العلاقات السياسية والدبلوماسية بعد سنوات من الجمود.
البحر الأحمر .. قلب الحسابات الاستراتيجية
تأتي هذه التحركات في توقيت حساس، إذ يواجه أحد أهم الممرات البحرية في العالم ضغوطًا متزايدة، خاصة مع تهديدات جماعة الحوثيون بإغلاق مضيق باب المندب، بالتوازي مع التوتر في مضيق هرمز، ما يضع حركة التجارة والطاقة العالمية أمام تحديات غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، تكتسب إريتريا أهمية متزايدة، نظرًا لموقعها الجغرافي المطل على البحر الأحمر، وامتلاكها شريطًا ساحليًا طويلًا يمنحها قدرة على التأثير في أمن الملاحة، وهو ما تسعى واشنطن إلى استثماره ضمن رؤيتها لإعادة ترتيب أوراقها في المنطقة.
القاهرة تدخل على خط الوساطة
في قلب هذه التحركات، يبرز الدور المصري كعامل حاسم في تيسير التواصل بين واشنطن وأسمرة، ووفقا لمصادر، فأن القاهرة، استضافت لقاءات غير معلنة جمعت بين المبعوث الأمريكي والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، في إطار مساع لفتح حوار مباشر بين الطرفين.
كما تشير المعلومات إلى أن لقاء جمع بولس بكبار السياسيين المصريين، حيث تم بحث سبل دعم هذا المسار، في ظل حرص القاهرة على تعزيز الاستقرار في منطقة البحر الأحمر التي تمثل امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، خاصة مع ارتباطها بحركة الملاحة في قناة السويس.
ويعكس هذا الدور المصري توجهًا استراتيجيًا يسعى إلى تحقيق توازن إقليمي، عبر دعم مسارات التهدئة والانخراط، بدلًا من استمرار العزلة التي قد تدفع بعض الدول إلى خيارات أكثر حدة أو تحالفات غير متوازنة.

دوافع متشابكة
تدفع عدة اعتبارات واشنطن نحو هذا المسار، أبرزها الرغبة في تقليل نفوذ طهران في الممرات البحرية الحيوية إلى جانب تعزيز الحضور الأمريكي في منطقة القرن الإفريقي التي تشهد تنافسًا متزايدًا بين قوى دولية وإقليمية.
غير أن هذه المقاربة تواجه انتقادات داخلية، إذ يرى بعض الخبراء أن رفع العقوبات عن إريتريا دون تغييرات جوهرية في سياساتها الداخلية قد يضعف مصداقية واشنطن، خاصة في ما يتعلق بملفات حقوق الإنسان.
إريتريا.. سجل معقد وتحديات قائمة
تصنف إريتريا ضمن أكثر الدول انغلاقًا سياسيًا، حيث يحكمها نظام مركزي بقيادة الرئيس آسياس أفورقي منذ الاستقلال عن إثيوبيا عام 1993م، وتواجه الحكومة انتقادات مستمرة بشأن الحريات السياسية ونظام الخدمة العسكرية.
كما أن تاريخ العلاقات الإقليمية لإريتريا يتسم بالتوتر، خاصة مع إثيوبيا، ما يضيف أبعادا أخرى من التعقيد لأي تحرك دولي لإعادة دمجها في النظام الدولي.
في ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن الدور المصري سيظل عنصرًا مؤثرًا في إدارة هذا الملف، سواء عبر تسهيل الحوار أو دعم الاستقرار الإقليمي، مع إستمرار التوترات في البحر الأحمر، تبقي كل الخيارات مفتوحة أمام واشنطن بين الانخراط الحذر أو الإبقاء على سياسة الضغط.





