عبد العزيز الشناوي
عبد العزيز الشناوي

انقطاع مفاجئ كشف ضجيجا لم أكن أسمعه!

لم أدرك حجم الضجيج الذي أعيش داخله إلا حين توقف فجأة، ففي لحظة غير متوقعة تعطل هاتفي الذكي وغاب عني، فوجدت نفسي خارج عالم كامل كنت أظنه حياتي الطبيعية.

لم يكن الغياب عاديا كما تخيلت، بل كان أشبه بانقطاع خيط خفي كان يربطني بكل شيء.. وبلا شيء في الوقت نفسه!
فجأة، صار الصمت أعصى من أن يُحتمل، وصار الزمن نفسه يبدو وكأنه فقد إيقاعه الذي اعتدت عليه.

منذ شهر تقريبا، غادر الهاتف الذكي حياتي مؤقتا، فاكتشفت أن حياتي، على نحوٍ ما، كانت حبيسة داخل الهاتف نفسه.
لم تكن التجربة مقصودة ولا القرار ذاتي، بل ببساطة تعطلت اللوحة الرئيسية للجهاز، فتوقف عن العمل فجأة، ودخل الصيانة فأخبروني بتلفه نهائيا، فوجدت نفسي خارج العالم الرقمي دون تمهيد أو استعداد. كان الشعور الأول غريبا إلى حد الإرباك، كأن شيئا ما ينقص اليد، وكأنها فقدت جزءا منها.
في البداية، كانت يدي تمتد تلقائيا، تبحث عن الهاتف دون وعي، ثم تتوقف فجأة حين تدرك غيابه القسري.
حركة صغيرة، لكنها تتكرر بإصرار طوال الوقت حتى بدأ الذهن يتقبل حقيقة أن الإشعارات التي كانت تقطع اللحظات كل بضع ثوانٍ قد اختفت تماما.
اللافت أن الهدوء حل محل ذلك الضجيج الخفي، ليس هدوءا في العالم الخارجي فحسب، بل في الداخل أيضا، كأن الضوضاء التي كانت تعمل بلا توقف قد انطفأت فجأة.
وفجأة أيضا، اتسع الوقت. فقد أُتيح وقت للتأمل والتفكر، وصارت التفاصيل التي كانت تمر سريعا تستوقف النظر.
إيقاع الشارع أصبح أبطأ، واللحظات امتدت وباتت أهدأ، والأفكار صارت تتحرك كأنها تستعيد وزنها الطبيعي في العقل.
ومن هذا الهدوء تولد شعور أعمق بالسكينة.
سكينة بلا مقاطعة، ومساحة صافية لأن تكون مع نفسك كما أنت، دون تشتيت أو استنزاف بإشعارات تأتيك رغما عنك.
إحساس غريب بأن العالم لم يعد يقتحمك في كل لحظة، ولا يختطف انتباهك عنوة.
لكن في المقابل، كشفت هذه التجربة حقيقة أخرى أكثر قسوة، لقد أصبح الهاتف جزءا غير مرئي من تفاصيل الحياة اليومية، ولم يعد مجرد وسيلة اتصال، بل محور تدور حوله ردود أفعالنا، ومللنا، وتسليتنا، وحزننا، وفرحنا، وهدوءنا، وحتى طرق هروبنا من أنفسنا.
ما كنا نظنه “إضاعة وقت فراغ” لم يكن فراغا في الحقيقة، بل كان الزمن الطبيعي للحياة، الذي أسرناه داخل شاشة فأضعناه!
ومع مرور الوقت، اتضحت الصورة أكثر، ليست المشكلة في الهاتف ذاته، بل في العلاقة التي تربطنا به، فهو قادر في هدوء شديد، على سحب الانتباه بالكامل دون أن نشعر، وعلى فرض نوع من الاستحواذ الناعم الذي لا يعلن عن نفسه، ولكنه يختطف منا أنفسنا ويسجنها بداخله، في ضجيج خفي لم أكن ألحظه إلا حين توقف.
في الوقت نفسه، علمتني هذه التجربة حقيقة بسيطة، أنه حين تخفت الضوضاء، نستطيع أن نسمع أنفسنا بوضوح أكبر.
ومع هذا الهدوء، شعرت كأنني أقترب من شيء قديم، وأصيل، وبديهي، لقد كانت فرصة للعودة إلى طبيعتنا كبشر.

نحن لسنا آلات تُدار على إيقاع سرعة الإشعارات والتنبيهات، بل كائنات حية تحتاج إلى البطء أحيانا، وإلى مساحة حرة للتفكر والتدبر.لقد خُلقت عقولنا لتفكر، لا لتُقاد باستمرار خلف كل ومضة ضوء وصوت إشعار.

أنا هنا لست ضد الهاتف، ولا ضد التكنولوجيا، لكن هذه التكنولوجيا تحتاج أن تُعاد إلى موضعها الصحيح، إنها مجرد أداة في أيدينا، لا عالما منعزلا نعيش داخله بعيدا عن عالمنا الطبيعي كبشر.

لقد عدتُ إلى الاتصال عبر هاتف جديد، ولكني تعلمتُ من هذه التجربة ألا أترك الضجيج يتحكم في عقلي ويسلبني هدوئي مرة أخرى.

فمن هذه التجربة، أدركت أن الهدوء ليس رفاهية. بل ضرورة خفية، لا ننتبه إليها إلا حين يُنتزع منا الضجيج ونستشعر ذلك الهدوء الذي كان مسلوبا منا.

ولعل أغلى ما كشفته هذه التجربة، أن الإنسان لا يحتاج دائما إلى المزيد من الاتصال بالعالم، بقدر ما يحتاج إلى اتصال أصدق مع نفسه .. وأن أبسط احتياجات الحياة البشرية، هي أن نمتلك انتباهنا من جديد.