
تبادلت حكومة أبي أحمد في إثيوبيا الاتهامات مع السودان عقب استهداف مطار الخرطوم بطائرات مسيّرة، إذ اتهمت الخرطوم أديس أبابا بالسماح بانطلاقها من أراضيها، بينما اعتبرت الحكومة الإثيوبية أن الأزمة تأتي في سياق ما وصفته بدعم سوداني لجبهة تحرير شعب تيغراي وقوى معادية للحكومة الفيدرالية، ولم تتأخر جبهة تحرير شعب تيجراي في الدخول على خط الأزمة، إذ أصدرت بيانًا ردًا على التصريحات الإثيوبية بشأن القتال إلى جانب الجيش السوداني، نافية تلك الاتهامات ومعتبرة أنها جزء من حملة تضليل إعلامي، في خطوة زادت من تعقيد المشهد وعمّقت حدة التوتر السياسي والأمني بين الخرطوم وأديس أبابا.
ردت جبهة تحرير شعب تغراي في بيانها ردا على المؤتمر الصحفي الذي عقدته الحكومة السودانية الإثنين الماضي، والذي وجهت فيه السودان لأديس أبابا اتهاماتها بالسماح لطائرات مسيرة –إماراتية- بالانطلاق من مطار بحر دار في إقليم أمهرا، إذ رفضت الحكومة الأثيوبية تلك الاتهامات، وتبادلت أديس أبابا اتهاماتها للسودان بدعم مرتزقة تيغراي لزعزعة الاستقرار بالمنطقة.
وصف بيان حكومي، أن القوات المسلحة السودانية تقدم الدعم المالي والتسليحي للعناصر المُعادية مما ساعد على توغل المتمردين على طول الحدود الغربية لإثيوبيا.
ووضحت أديس أبابا أنها تمتلك كافة الأدلة الموثقة التي تضع السودان محل إتهام لإثبات تمويلها لقوى مختلفة معادية لإثيوبيا.
رد تيجراي
في نفس السياق، أطلقت جبهة تجراي بيانها لرفض اتهامات الحكومة الإثيوبية، إذ وصفت التصريحات الحكومية بأنها “لا أساس لها من الصحة”، وأوضحت أن الاتهامات في نطاق التضليل الإعلامي المتعمد ونمط متكرر من المعلومات الغير صحيحة، وأكد البيان أن “جبهة تحرير شعب تيغراي لم تشارك، ولم تدعم، أي أنشطة تقوّض الاستقرار الإقليمي”.
يذكر بيان جبهة تحرير شعب تيجراي، أنه على الرغم من ارتباط مايحدث بالعلاقات الإثيوبية السودانية، فأنه يستوجب قراءات كل التفاصيل والتوترات الداخلية الأخيرة ومؤشرات انهيار اتفاق بريتوريا بين الحكومة الفيدرالية والجبهة.
أشار بيان تجراي، إلى ضرورة التدقيق وتحري “سلوك ونمط ثابت” يُمهد إلى صراع جديد في إثيوبيا مشيرة إلى ظهور الخطاب التصعيدي، والتحالفات الانتهازية مع أجندات أخرى إقليمية، وتدخلات خارجية.”
وأشارت في بيانها: “إن مثل هذه الأمور لا تؤدي فقط إلى توتر العلاقات بل تؤدي إلى صراعات محتملة وتوريط إثيوبيا في صراعات لاتخدم مصالح الشعب.”
اتهامات مستمرة
اتهام الحكومة الإثيوبية للجيش السوداني بدعم مقاتلي جبهة تيجراي لاستخدامهم في الحرب ضد قوات الدعم السريع، ليس بجديد، وليس وليد حادثة قصف مطار الخرطوم التي أقلعت من إثيوبيا، ففي شهر مايو عام 2024 أصدرت الحكومة الإثيوبية بيان لها أنه قد وصلتها معلومات تفيد بوجود قوات من جبهة تحرير تيجراي المتمردة سابقًا تقاتل إلى جانب قوات الجيش السوداني، وهي معلومات مُسربة من تصريحات لقوات الدعم السريع بعد استمرار توغله في ولاية الجزيرة بوسط السودان ومحاولات الوصول إلى ولاية القضارف بشرق السودان.
قوات سامري
وأدعت إثيوبيا أن هذه القوات تُدعى سامري، في إشارة لإتهامها بارتكاب مذبحة في بلدة ماي خضرا قرب الحدود السودانية في شهر نوفمبر عام 2020.
وأشارت أن هذه المجموعة لم تدخل إثيوبيا بعد توقيع اتفاق سلام، “خوفًا من العقاب أو الاعتقال بالإضافة إلى خوفها من الأهالي في حال تعرفوا عليها”.
وفي عام 2020 اندلعت حرب بين جبهة تحرير شعب تيجراي والحكومة الإثيوبية كصراع على السلطة، وسببها تحدي”تيغراي” المتواجد بالشمال الإثيوبي للتواجد في رأس الحكم والإنفصال بإجراء انتخابات إقليمية مُنفردة وتوجيه اتهامات بمهاجمتها قواعد عسكرية للجيش الفيدرالي وانخراط بعض المقاتلين في الداخل السوداني، إذ لجأ المقاتلين إلى الحدود الشرقية للسودان بعد التفوق العسكري للجيش الإثيوبي، وتم اعتبارهم لاجئين خاضعين لقوانين اللجوء الدولية، وتم توفير معسكرات لجوء لهم تُشرف عليها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بالتعاون مع السلطة السودانية.
قراءة بيان تيغراي واتفاق بريتوريا
بيان جبهة تحرير تيغراي، بالرغم من ارتباطه بالتطورات التي شهدتها العلاقات السودانية الإثيوبية بعد حادثة المسيرات على مطار الخرطوم، يستوجب قراءة مُعمقة باستحضار التوترات الحالية والربط بينها وبين الأحداث السابقة وعلاقتها بالداخل الإثيوبي ومؤشرات انهيار اتفاق بريتوريا بين الحكومة الفيدرالية والجبهة.
اتفاق بريتوريا والذي وُصف “بالهش” أوقف نزيف الدم وحقن الدماء بين الفرقاء الإثيوبيين لثلاث سنوات قُبيل أن تظهر بوادر التوترات الأخيرة، إذ نجحت الضغوط الإقليمية والدولية في إسكات النيران بعد حرب دامية استمرت لعامين راح ضحيتها 600 ألف إثيوبي، بحسب التقديرات.
بداية الحرب نشبت بين الطرفين بسبب الانتخابات وأشتعل فتيلها في محاولات لجبهة تيغراي لإجراء انتخابات منفردة والإنفصال عن إثيوبيا في الشمال، عادت مرة أخرى الانتخابات لتكون سببًا في التوترات التي ربما تؤدي إلى انهيار انفاق بريتوريا وإطلاق رصاص البنادق مرة أخرى، لكن السبب هذه المرة هو الحكومة الفيدرالية وليس الجبهة، إذ تم الاعتراف بــ ” سيمريت” المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا بحزب التضامن الديمقراطي لتيغراي كحزب سياسي إقليمي مؤهل للترشح للانتخابات في تيغراي عام 2026، إلا أن المجلس لم يمنح جبهة تحرير شعب تيغراي الاعتراف نفسه، وهي الجبهة التي حكمت الإقليم كحزب سياسي منذ عام 1991 وحتى الآن.
أدى الإختلاف إلى رجوع حالة الإحتقان مما تسبب في اندلاع الاشتباكات المتقطعة بين قوات مرتبطة بالجبهة والجيش الفيدرالي الإثيوبي منذ يناير 2026، جغرافيًا في مناطق حدودية داخل الإقليم، تقارير أخرى تحدثت عن تحركات عسكرية وتعزيزات على حدود تيغراي، ما أثار مخاوف من عودة الحرب مرة أخرى.
مؤخرًا، أعلنت جبهة “تيجراي” أنها سوف تُعيد الطريقة المؤسسية التي كانت تعمل بها قبل حرب 2020، إذ أعادت تعيين زعيمها دبر تسيون جبر ميكائيل رئيسًا للإقليم، كما أعادت البرلمان الإقليمي.
شابه مسارات الصراع في السودان وإثيوبيا
من خلال القراءة التاريخية والسياسية، فقد ظل مؤشر العلاقة بين السودان وإثيوبيا، مُتناحرًا على الرغم بين العلاقة الوثيقة والمتأصلة بين الشعبين والتداخل الحدودي والمصالح المشتركة، ولكن ظلت الأنظمة الحاكمة في تناقض واختلاف مستمر نظرًا لطبيعة العلاقة والتغيرات الجيوسياسية.
ويتشابه الوضع الداخلي للحرب والتناحر في السودان مع الحالة الإثيوبية من حيث تعقد البنية الداخلية للصراع وتعدد الأطراف المسلحة ذات الخلفيات العرقية والإقليمية والسياسية، إذ لم تعد المواجهات تقتصر على صراع مباشر بين قوتين رئيسيتين، بل امتدت لتشمل تحالفات متغيرة وميليشيات محلية وقوات ذات طابع قبلي أو جهوي تسعى إلى تعزيز نفوذها أو حماية مصالحها داخل مناطق النفوذ.
كما يتشابه البلدان في هشاشة التوازنات الداخلية، واعتماد بعض القوى على التعبئة الإثنية والخطاب الهوياتي، إلى جانب تداخل الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية في إدارة الصراع، وهو ما أدى إلى تفكك المشهد الأمني وتنامي الأزمات الإنسانية والنزوح الداخلي. كذلك ساهمت التدخلات الإقليمية والدعم الخارجي غير المباشر لبعض الأطراف في إطالة أمد النزاعات وتعقيد فرص التسوية السياسية الشاملة.
و تشهد العلاقات بين الطرفين تشابهات عديدة في طبيعة الحروب الداخلية ، ولا سيما الحروب الأخيرة، ففي إثيوبيا، تمردت قوات جبهة تحرير تيجراي على الحكومة الفيدرالية، رغم أنها كانت جزءًا من السلطة في السابق، بل وكانت تمثل قوة مهيمنة بعد سقوط نظام منغستو هايلي ماريام، وذلك حتى تولي أبي أحمد رئاسة الوزراء.
ويتشابه الوضع الداخلى للحرب والتناحر في السودان بين أثيوبيا من حيث طبيعة الحروب والتناحر بين الفرق المختلفة، فقد تمردت قوات الدعم السريع-رغم أنها كانت جزءًا من النظام السابق- على الجيش السوداني، وكان قائد الدعم السريع نائبًا لرئيس مجلس السيادة بعد ثورة ديسمبر، قبل أن تتدهور العلاقة مع الجيش وتندلع الحرب في أبريل عام 2023.
عمليًا، تتشابه الدولتان في طبيعة الاتهامات المتبادلة، إذ تتهم الخرطوم أديس أبابا بتقديم الدعم والتسهيلات لقوات الدعم السريع في قتالها ضد الجيش السوداني، بينما تتهم إثيوبيا السودان بدعم مقاتلي جبهة تحرير تيجراي.
واقعيًا، هناك تحديات كبيرة أمام الدولتين تبدأ من تعظيم الإرادة السياسية وتعظيم السلام والتنمية لشعوبها، أو استمرار الصراع وسط سرديات الاتهامات وتدخلات إقليمية لاستغلال استمرار الصراع لنهب الثروات وتنفيذ أجندات أجنبية.





